تصميم: يوسف أيمن: المنصة

المصريون في الخارج.. هجرة أم شتات؟

منشور الثلاثاء 11 فبراير 2025

صادفت برنامجًا هزليًا على قناة في يوتيوب اسمها Habibi Squad، أو بالعربية فِرْقَة حبيبي. و"حبيبي"، لمن لم يلاحظ، في طريقها لتصبح الكلمة العربية الأشهر في الأوساط الشبابية لغير الناطقين بلغة الضاد، كما صارت لفظًا ودودًا للإشارة لهوية شخص عربي على نحو لا يخلو من فكاهة. وتخميني أن الكلمة انتشرت بعد الكثير من فيديوهات تيك توك ذات الدعوات الشهيرة بالإنجليزية "حبيبي"، متبوعة بـ"تعال لدبي" أو "تعال لبيروت" أو "تعال للقاهرة".

كانت الحلقة التي شاهدتها "GUESS THE EGYPTIAN/خَمِّن المصري"، وفيها خمسة شباب من أصول عربية، بينهم مصري واحد، معه آخرون من جنسيات مختلفة؛ فلسطيني ولبناني ويمني، بينهم كيمياء لطيفة، صوتهم عالٍ، لا يتوقفون عن الضحك، وجوههم معبرة، وكلهم مهاجرون لأوروبا والولايات المتحدة وكندا.

توارى الخمسة خلف أقنعة فانديتا وارتدوا رداءً فرعونيًا في مواجهة خمسة حكام، هم عصابتنا، عليهم أن يحسنوا التخمين ويلتقطوا المصري من وراء قناعه. سيطرحون على المتسابقين أسئلة يختبرون بها ما يعرفونه عن مصر وأكلاتها وفنانيها ومدنها وشوارعها. سينصتون للغة المتسابق ويختبرون لكنته وألفاظه. حتى إنهم سيختبرون طريقة رقصه.

ما استوقفني حقًا بجانب إنجليزيتهم الطلقة، هو ارتباك حازم، المصري الوحيد في العصابة، أمام بعض الأسئلة. حتى في اللحظة التي صوَّت فيها على هوية المتسابق المصري، كان في غاية التردد. لم يكن واثقًا في مصريته رغم قضائه أغلب طفولته وصباه في مصر. تنظر إلى حازم والبقية؛ فترى خمسة شبان بملامح عربية ولكنة أمريكية، يتمتعون بحس فكاهي غريب.

https://www.youtube.com/watch?v=vIg-JZlbRRg&feature=youtu.be

ازدواج الهويات أمر طبيعي في عقلية المهاجر. وما هي إلا واحدة من ملامح ما يسمى "وعي الشتات"، إذ تتفاعل تجربة الهجرة بكثافة مع وعي الإنسان بهويته ودلالاتها، ما يحمله على تفكيكها وإعادة صياغتها باستمرار، في واقع متباين يقابله بمعطيات غير مسبوقة، ويبدل موقعه من التراتبية الاجتماعية، ويلصق به من التنميطات ما يضفي على أفكاره وقيمه ظلالًا لم ينتبه لها من قبل.

يتجاوب الإنسان مع هذه العملية بطرق فريدة، وغالبًا ما يجد نفسه بحاجة لإعادة تعريف ذاته وجماعته على نحو لا يعرفه من لم يختبر الشتات. الثابت الوحيد في هذه المسألة المتقلّبة، هو العلاقة الملتبسة بين الهوية الأصلية والهوية التي تتشكل في الشتات. في بعض الحالات، قد يتلازم هذا الارتباك مع حنين مثابر للعودة، كما في الشتَاتَيْن الفلسطيني والسوري.

إلا أننا في مصر لم نعتد استخدام لفظ "الشتات" لوصف المهاجرين. رغم استخدام المنظمة الدولية للهجرة في تقريرها لعام 2024 المكافئ الإنجليزي لكلمة الشتات/diaspora، وهي تخبرنا بأن السعودية تتصدر وجهات "الشتات المصري" تليها الإمارات العربية المتحدة، بحصيلة تقارب المليون مصري في كلا البلديْن، يليهما على الترتيب الكويت والولايات المتحدة وقطر. 

غير أن للفظة الشتات ثقلًا يتجاوز اختياره في تقارير المنظمة الدولية للهجرة. ربما يُستَخدم المكافئ الإنجليزي لها في التقارير الرسمية وفي الدراسات الثقافية والاجتماعية لموضوع الهجرة تحت تأثير قديم للغة التوراتية، ولكن دلالاته الدينية جرى تجاوزها لتتبقّى حمولته النفسية وبلاغته، ففي الهجرة حركةٌ ورحلةٌ ووعدٌ بفرص جديدة، أما الشتات فتبعثُر وتمزُّق وانفراطٌ ووحدةٌ واغترابٌ. في الشتات فراقٌ، بوداع أو بدونه. وفيه ألم لانفراط عقدٍ، وحسرةٌ على كلِّ ما كان يمكن أن يكون في الوطن، لكنه لم يكن.

تتجلى هذه الحمولة في لغة حازم وأصحابه. صحيح أن إنجليزيتهم سليمة كأنهم لا يعرفون غيرها لغةً. لكن صوتهم العالي وسخريتهم اللاذعة وضحكهم الهستيري، إضافة لحاءاتهم وعَيْنَاتهم وخاءاتهم السليمة تفضح تاريخهم المزدوج. هذا الازدواج لا يعني بالضرورة أنهم يحملون الهوية القديمة مع المعارف الجديدة، بل نصفٌ من كل واحدة. ولأن كلا الهويتين نصف؛ فلا يعبِّر المهاجر عن أي منهما بشكل كامل.

فمثلًا؛ يُخفق حازم في التعرف على رقصة الفرعون التي يؤديها أحد المتسابقين في محاولة لإقناع اللجنة أنه مصري. يقول "لا أحد يرقص هكذا، مصريون؟ إذن نرقص بالخِصْر حبيبي". صح وخطأ. وعندما سُئل حازم عن أشهر الممثلين المصريين، أجاب "أحمد حلمي". يُحسب له طبعًا أنه يعرفه، لكنه أغفل إجابة أقرب وهي عادل إمام، الأمر الذي يتولى صديقه الفلسطيني تصحيحه. وهكذا يصبح تحدي الحلقات الحقيقي هو تحدي معرفة هؤلاء الشباب بالخطوط العريضة للمشتركات في الثقافة المركبة لكل واحدة من بلدانهم الأصلية.

أَنظُر إلى العصابة، وازدواجية أفرادها وتشظيهم في آن، فأرى تجليًا لسلسلة من القرارات السياسية. بالنظر إلى أن انتظام أي مجموعة من الناس يتطلب قدرًا من السياسة، يكون كل قرار نتخذه في الحيز العام، وبالتبعية في الحيز الخاص، محكومًا بقواعد تلك السياسة ليتوافق مع تراتبية الأفراد والمجموعات وطبيعة علاقات القوة بينها.

يحدث ذلك بدايةً من سعر رغيف الخبز، واحتمالات التوظيف، للعلاقة مع مقدم الخدمة الطبية، وأمين الشرطة، وضابط الجيش، لسعر الخدمة الطبية، واختيارات المدارس، ومناهجها، والأجر الذي تحصل عليه نظير عملك، والوقت المتوقع منك إفناؤه في العمل، والقدرة الشرائية للعملة المحلية، وأزياء النساء، وأدوار النساء، وأمان النساء، ومخصصات الإنفاق العام، وسياسات الاستثمار، والشفافية والمساءلة، والتمثيل السياسي، وكيف تصل جميعها إلى جاذبية الهجرة وإمكانيتها.

لهذا فعندما أسمع طفلًا مهاجرًا يعلن شوقه لعائلته، ولكل مألوفٍ لديه في الوطن بعبارة سياسية مبكرة؛ "مصر دي أجمل بلد في الدنيا"، يتبدَّى في أكثر الأمور حميميةً وخصوصيةً بعدٌ سياسيٌّ. أفشل في تفكيكه عندما أقابله بعدها بسنوات ليفاجئني بسؤاله السياسي الأول، بإنجليزية سليمة كلغة العصابة، وبضجرِ مَن نالَ منه التعب: لدينا حياتنا هنا، ما حاجتنا ببلاد أخرى؟

كان السؤال بسيطًا لدرجةٍ شُلّ معها لساني. وشردت قبل أن أجيب: لم أعد أعرف.

مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.