يوتيوب
مشهد من مسلسل "الهرشة السابعة"

قل لي ماذا تشاهد في رمضان أقول لك من أنت

منشور الأربعاء 12 أبريل 2023 - آخر تحديث الأحد 16 أبريل 2023

غالبًا ما يرى النقاد والمثقفون أن العمل الجيد له معايير قد تختلف عن ذوق الجمهور، بينما يرى الإعلام والرأي العام أن العمل الجيد هو الأكثر جذبًا للجمهور، لكن كلا الطرفين يرى -بطريقته- أن البقاء للأصلح والأنجح. وعلى الناصية الأخرى يرى البعض أن العملة الرديئة تطرد الجيدة أحيانًا، أو كثيرًا، وأن الفن والذوق ينحدران باستمرار.

كل ذلك قد يكون صحيحًا، من زاوية ما، في مكان ما، في وقت ما. لكن بما أننا نعيش عصر "كل شيء، في كل مكان، في الوقت نفسه"؛ الفيلم الغريب الذي اكتسح الأوسكار وبقية جوائز موسم 2022، فكل ما فات وغيره ينطبق كأفضل ما يكون على موسم رمضان، الذي تتجاور فيه كل أنواع الدراما، على كل القنوات، في الوقت نفسه.

نظرة سريعة لصفحات التواصل الاجتماعي، أو سهرة قصيرة على أحد المقاهي، أو جلسة عابرة لعدد من الصديقات، يمكن أن تبين مدى التنوع والتباين إلى حد التناقض بين جمهور المسلسلات، ولو أمعنا النظر أكثر، وانتقلنا إلى الأحياء الشعبية والمحافظات والمشاهدين المصريين والعرب خارج البلاد، فغالبًا ستذهلنا وتحير رؤوسنا تلك التناقضات.

قل جماهير.. ولا تقل جمهور

لطالما شغلتني، بحكم عملي، إشكالية تباين الأذواق والآراء والتقييمات، وهي إشكالية جديرة بالتأمل والدراسة لأسباب أذكر منها اثنين: أولًا أن المتخصصين، من مبدعين ونقاد ومنتجين وموزعين ومنشطين، يعيشون تلك الإشكالية كل يوم، إذ يحتم عملهم عليهم أن يُكونوا آرائهم، ويتخذوا قرارتهم، بناءً على موقفهم داخل تلك الإشكالية.

ثانيًا: إن دراسة الظاهرة تساعدنا على فهم الكثير، ليس فقط في مجال الفنون لكن في سائر العلوم الإنسانية، وبشكل خاص علوم الاجتماع والنفس والاقتصاد والسياسة. قل لي ماذا تشاهد أقول لك وضعك الثقافي والطبقي وتكوينك النفسي الفردي والجمعي.

ولا أعني بـ"أقول" هذه كاتب المقال، لكن الباحثين والذين يمكنهم عن طريق دراسة العلاقة بين العمل الفني والجمهور قول الكثير عن آليات عمل هذه الفنون، واستقبال الجمهور لها.

منذ الحلقات الأولى لمسلسلات رمضان، بل قبل أن تبدأ، بدا واضحًا وجود أنواع عدة من الجماهير، كل منها ينحاز لذوقه وتفضيلاته، ويسخر أو ينزعج من تفضيلات الآخرين. ويظهر هذا الانقسام كأفضل ما يكون حين نقارن بين أعمال مثل "الهرشة السابعة" و"جعفر العمدة"، أو بين "المداح" و"حضرة العمدة".

نساء ورجال.. بين الشرق والغرب

يخاطب "الهرشة السابعة" نوعية بعينها من أبناء الطبقة الوسطى الجامعيين، صغار ومتوسطي العمر، من مشاهدي الأفلام الأمريكية دائمًا والأوروبية أحيانًا، ممن يحبون كتب التنمية البشرية، وتشغل المشاكل العاطفية والزوجية قسطًا كبيرًا من حياتهم.

بمزيد من التحليل يمكن أن نقول إن الموضوع الرئيسي الذي يتمحور حوله المسلسل، هو مشاكل العلاقة بين الجنسين، وهو يطرح، من خلال وجهة نظر نساء عربيات متعلمات مستقلات، أحلام ومتطلبات هؤلاء النساء في مواجهة ماضيهن وواقعهن الاجتماعي والنفسي.

ويظهر ذلك ليس فقط من خلال جيل الشباب؛ نادين وآدم، وسلمى وشريف، لكن بشكل أوضح من خلال جيل الكبار، والدا نادين، ووالدا شريف. وفيما يشكل ثنائي والدي نادين الطرف الأكثر تقليدية وسلبية، يمثل ثنائي والدي شريف الطرف الأكثر تحررًا. كلاهما مطلقان، لكن لأسباب مختلفة ونتائج مختلفة. يمثل الثنائي الأول، المكون من مصريين محافظين متوسطي التعليم، "الشرق" المعقد، بينما يمثل الثنائي الثاني، المكون من مصري ليبرالي متزوج من أوروبية، "الغرب" الذي تجاوز العقد القديمة إلى حد كبير، فهما يستطيعان الانفصال دون ألم والإبقاء على علاقتهما طيبة.


آدم وسلمى، من ناحية أخرى، توفي والدهما، لكل منهما أم مختلفة، والاثنتان لا تشبهان الأم المصرية النمطية. أم آدم تعيش لنفسها، متحررة من ثقل واجبات الأمومة، وترفض أن تعترف بالزمن. وأم سلمى تخلت عنها في طفولتها، وتعود بعد سنوات طويلة آملة أن تلحم أواصر العلاقة التي انقطعت. المرأة الوحيدة في المسلسل التي تثير تعاطف وإعجاب وحب المشاهدين هي أم شريف الأجنبية، وفي مرحلة متأخرة من المسلسل ابنة شريف المراهقة –ذات الأم الأجنبية- التي تظهر فجأة.

ومع النظر إلى الطريقة التي رسمت بها تلك الشخصيات ومشاكلها، يمكن القول إن الموضوع الرئيسي للعمل ليس العلاقة بين الجنسين، بقدر ما هو العطب النفسي الذي تعاني منه العلاقات الشرقية، وعلامات ذلك العطب على المرأة الشرقية على وجه الخصوص، التي تؤدي إلى نوع من هيستريا السيطرة والعاطفية الزائدة، ولعل ذلك سبب تعاطف المشاهدين أكثر مع رجال المسلسل، الذين يبدون أكثر بساطة وسوية، نسبيًا.

نهاية سعيدة لواقع تعيس

قد يبدو الأمر غريبًا بالنظر إلى أن كاتبات المسلسل كلهن نساء، ينتمين للطبقة والفئة التي تنتمي لها شخصيات المسلسل النسائية. من يمكنه فهم مشاكل نساء المجتمع العربي أكثر من نسائه؟

يشير عنوان المسلسل إلى فيلم "هرشة السنة السابعة Seven Year Itch" (1955) للمخرج بيلي وايلدر، 1955، الذي يطرح موضوع العلاقات الزوجية في قالب كوميدي خفيف وتقليدي، ويصاب الأزواج بحكة الخيانة والرغبة في التجديد، بينما تنقسم النساء إلى نموذج الزوجة الطيبة ونموذج غاوية الرجال الذي تمثله مارلين مونرو.

لكن "الهرشة السابعة" لا يأخذ من الفيلم الأمريكي سوى اسمه، وهو معالجة مأساوية للفكرة، لا تجد ما يدعو للضحك في العلاقات بين الجنسين. ويكتسي المسلسل بطابع متجهم يحيلنا إلى أعمال مثل "مشاهد من زواج" لإنجمار بيرجمان، 1974، الذي أعيد إنتاجه في مسلسل تليفزيوني من بطولة جيسيكا شاستين وأوسكار إيزاك، 2021، أو إلى فيلم "طريق ثوري" "Revolutionary Road" لسام ميندز 2008، الذي لعب بطولته كيت وينسلت وليوناردو دي كابريو.

يسري عبر "الهرشة السابعة" الشعور بصعوبة، إن لم تكن استحالة، التعايش بين الجنسين، الفكرة التي تتمحور حولها الأعمال سابقة الذكر، وتعكس مشاعر الكثير من الشباب في العالم هذه الأيام. وهو ما يظهر في تعليقات الكثير من العزاب حول المسلسل، بالرغم من النهايات السعيدة، وجلسات العلاج النفسي، ودروس التنمية البشرية التي حفلت بها الحلقة الأخيرة، إذ تبدو تلك المشاهد ساذجة، مقارنة بمشاهد الخلافات والانفجارات التي تولدت بين الأزواج. ولا يبدو في الأفق أن صراعات آدم ونادين على السيطرة يمكن أن تتوقف، كما لا يبدو أن سلمى ستكف عن محاولات ترويض وإدماج شريف وتحويله إلى زوج وأب تقليدي.

ما وراء الغرائبية

على العكس من "الهرشة السابعة" الذي يتوجه لجمهور نساء الطبقة الوسطى بالأساس، قد يبدو "جعفر العمدة"، تأليف وإخراج محمد سامي، عملًا ذكوريًا يخاطب الرجال المحافظين قليلي ومتوسطي التعليم من الطبقات الشعبية، ويعكس تصوراتهم المتخلفة عن الفحولة والفتونة، وهو كذلك بالفعل.

لكن تحت ذلك السطح فإن المسلسل يعالج، أو بالأصح يهرش ويداعب، حساسية ذكورية ملتهبة، مرضها ظاهر للعيان. من خلال البناء الميلودرامي، الذي يتسم بالإفراط حد الغرائبية، للمسلسل يسري الإحساس بلا واقعية المشهد كله، وخيالية البطل، الذي يستخدم هنا كمرآة عاكسة لضعف وقلة حيلة وذكورة الرجال الآخرين، الواقعيين.


إن كل من البطل محمد رمضان والبطل المضاد منذر رياحنة، يجسدان التخيلات الذهنية عن الرجل والرجولة التي يحلم بها المشاهد الذكر التقليدي، لكن يكاد المرء يشك أحيانًا أن المسلسل مجرد محاكاة ساخرة/Parody لأعمال مثل "عائلة الحاج متولي" لنور الشريف و"الزوجة الرابعة" لمصطفى شعبان.

أكاد أجزم أن صناع المسلسل لم يخطر ببالهم أن عملهم قد ينظر إليه كنوع من المحاكاة التهكمية، رغم أن ذلك ما حدث مع مسلسل محمد سامي السابق "نسل الأغراب". وعلى أي حال هذا ما يحدث كثيرًا مع الخيال الميلودرامي المفرط، لدرجة أن البعض قارن "جعفر العمدة" بالأفلام الهندية الشعبية.

وهناك بالفعل تأثر كبير بالسينما الهندية على مستوى السرد والتقنيات الفنية. على مستوى السرد فكرة الابن المفقود، والصراع الممتد لعقود، والخير المطلق في مواجهة الشر المطلق، وعلى مستوى التقنية زوايا وحركة الكاميرا الاستعراضية، ومشاهد المعارك المعروضة بسرعة أكبر من سرعتها الواقعية.

يمارس "جعفر العمدة" نوعًا من التأثير المغناطيسي على جمهوره، الواقعين تحت الاحساس الغريب بأن ما يشاهدونه يقع على حدود الواقع والخيال، الجدية والكوميديا، الملحمة والمهزلة.

بغض النظر عن مضمونه ومدى واقعيته، يتخطى المسلسل هذا المضمون والواقع، عبر إصراره على الذهاب بعيدًا، بقدر ما يستطيع خيال صناعه. وتتحقق متعة المشاهد مع اللحظة التي يقرر فيها أن يشارك صناع اللعبة لعبتهم العبثية، عبر هذه الفرجة التي يفتحها المسلسل في الواقع.