تصميم يوسف أيمن- المنصة
سعاد تشبه النجيلة؛ كلاهما رقعة خضراء من "متلازمة ستوكهولم"

رقعة خضراء من متلازمة ستوكهولم

منشور الأربعاء 17 مايو 2023 - آخر تحديث الخميس 18 مايو 2023

لم تكن سُعاد* التي احتفلت بعيد ميلادها السادس والعشرين في 2007، تدري أن علاقتها بصلاح التي استمرت نحو العام ستتسبب لها في ترومات ظلت تتعالج منها نحو العشر سنوات، فبعد أقل من شهرين من الوقوع في الحب، "صارحني أنه متعدد العلاقات". الطبيعي أن تنفد الشابة بجلدها، لكنها فشلت، وظلت متعلقة به "يتلاعب بيا وأنا مبسوطة".

تعود سعاد، التي تعمل في مجال أمن الشبكات/network security، إلى البدايات التي أوقعتها في سُمرة صلاح وشعره الناعم وذقنه الشبابية، "كان معروف أنه كداب وبيتلاعب وكتير حذروني منه، بس أنا شفته حد تاني، وحتّى لما قال لي بتعدد علاقاته، قلت أكيد ما بيحبش حدّ غيري".

لكنّ الصدمة اﻷكبر كانت حين طلب منها أن تقيم علاقات مع آخرين "استمتعي بحياتك"، تقول "وقتها كان لازم أهرب.. بس مقدرتش وفضلت أحبه". تعرف سعاد أنها تتعرض لانتهاكات عدّة، لكنها تواصل السعي نحو جلادها، وهو  ما يعرف بـ"متلازمة ستوكهولم".

غلاف رواية 1984

باتت المتلازمة معروفة، وضحاياها المشهورين كثر، الذين يتوقف الروائي جوروج أورويل أمامهم في روايته 1984، "لا بأس فقد انتهى النضال وها قد انتصرت على نفسى وصرت أحب الأخ الكبير". وهو ما شدد عليه في روايته أيضًا مزرعة الحيوان، وانتقد خلال الروايتين  السياسات الروسية وخاصة الفترة الستالينية.

وفي أوساط المراهقين، خاصة الصبيان، نلاحظ أنهم يميليون للانخراط بدوائر شخص مسيطر عندما يشعرون بأنهم غير متمركزين في بؤرة اهتمام دائرتهم القريبة، كالأسرة والأصدقاء. نتيجة متطلباتهم واضطراباتهم الهرمونية ينمو لديهم شعور بعدم الأمان، فيرتبط المراهق بشخص متحكم، ويحس على نحو ما أن هذا المتحكم قد يعمل على استقرار حياته. وفي بعض الأحيان يستمد المراهق بريقه ورغبته في الظهور وتعجل النضج "بقى راجل" من الشخص الأقوى، وتظهر حالات الجنوح في هذا السن أكثر من غيره.

ومن الروابط ذات الطبيعة الاستفهامية، الرابطة التي تنشأ بين المعلم القاسي الذي يضرب طلابه، والمدرب الرياضي الذي يعنف ويعاقب اللاعبين جسديًا. أنها روابط من نوع خاص تكللها المحبة والعرفان بالجميل.

الست بتعشش

على مستوى جندري، يقول المثل الشعبي "الست تعشش والراجل بيطفش"؛ مقولة تؤسس لتقبل المرأة منذ صغرها بأن مهمتها الحفاظ على الأسرة والبيت وتحمل نزق رجل غير مسؤول أو ذي ممارسات قمعية أو طبيعة انفلاتية، تُشحن بالألم والجناح المكسور، فتنشأ المرأة انهزامية، وتشعر بالدونية وعدم الاكتمال بالتالي تقبل الألم وتتلذذ به. هنا، تتوقف سعاد "ده اللي كان بيدور في ذهني، بحبه وبالتمس له مليون عذر".

تختلف أعذار سعاد عن عن أعذار مروى**، كاتبة في منتصف الأربعينيات وأم لطفلين، التي ترى أنها كانت واحدة من ضحايا متلازمة ستوكهولم حين كانت تبرر الانتهاكات الزوجية، "ما كنتش معترضة لفترة، بالعكس كنت راضية، وساعات كتير أدور على تبريرات". قبل أن تعود وتقول بنبرة لا تخلو من غضب "مبدئيًا، كُ#م حياتي. أنا متورطة في وضع صحي لا يسمح لي بتأسيس حياة جديدة، فقدت في رحلتي الزوجية جزء كبير من جمالي وأحلامي وحاليًا بفكر في الانفصال".

على نقيض مروى، سارة**؛ الحاصلة على دكتوراه في الأدب والجغرافيا الثقافية، شابة جميلة، قررت ألا تخضع في أي علاقة من أي نوع لجلادين، تضحك ساخرة "العلاقة بالآخر أصبحت خطر كبير، كل العلاقات بقت red flag؛ في الحب مثلًا الذكور بيروجوا لفكرة التعددية، إن لم يكن بالارتباط الرسمي فبالعلاقات غير المعلنة".

تتابع بجدية "حاولت التعامل بواقعية مع فكرة الارتباط، فوجدت المتاح داخل المجتمع أقل بكتير من التوقعات، والتعامل والتصالح مع فكرة أني أتقبل أقل من توقعي واستحقاقي ده في حد ذاته  شكل من أشكال متلازمة ستوكهولم، وللأسف البنات بترضى بالمتاح بس عشان تهرب مما يسمى العنوسة". والخضوع لمعايير المجتمع، و"أنا ما عنديش استعداد أني عشان أغير لقبي من آنسة لمتزوجة وأعيش متصالحة مع شخص يكون وجوده معذب لي. مالي كده؟ ما أنا حلوة وزي الفل".

سوفت وير المرأة

مجتمعاتنا تحكمها الثقافة الذكورية، أمر يبدو ذكره كتعريف الماء بعد الجهد بالماء، وتسوده أفكار من نوعية المرأة المخلوقة من الضلع الأعوج التي تحتاج لتقويم دائم، اكسر للبنت ضلعًا، "يطلع لها 24"، وهي الثقافة ذاتها التي تصفق للمرأة المضحية، وتقدر الشمعة المحترقة التي تضيء للآخرين بتلاشيها، يهيؤها بطريقة لا مباشرة لتقبل القهر الزوجي ومن ورائه القهر المجتمعي، أي أنها تتقبل المتلازم وعلى نحو أبدي.

تستوقفنا هنا سارة بأن الثقافة الإنسانية ساهمت في التكريس للصورة النمطية سواء عن الرجل أو المرأة، إذ جرى تصوير الرجل وكأنه يميل "للهرب، معتقدًا دائمًا أن هناك شيء خارج دائرته فايته، أو مغامرة يستطيع تجربتها داخل عالمه الآمن الذي يعيش فيه، وده من أيام الحكايات القديمة زي جلجامش، إلى نزوات الرجل المعاصر في البحث عن مغامرة ترضي شهوة التطلع لشيء أفضل".

كذلك جرى تصوير "المرأة وكأنها تميل للاستقرار والمحافظة على المكان أو المساحة اللي صنعتها مع الرجل"، ما يعيدنا من جديد إلى مثل "المرأة بتعشش" الذي يبدو مادحًا في النساء لكنه يؤطرهن في صورة متقبلات الجلادين في أي موقع كانوا.

ومع التطور الإنساني وزيادة الوعي بالذات، يمكن أن نقول ثمة تكوين لجيل "إن شاف يوعى، وإن وعي ما يخاف" بتعبير عبد الرحمن اﻷبنودي، وهو ما تجسده الطالبة الجامعية ندى الصافي "أنا إيه اللي يجبرني على علاقة تاخد مني وتقهرني؟، ده كان سوفت وير قديم لماما وخالتي وعمتي، دلوقت بقى فيه update وما بقاش حاجة غريبة إني لو ما ارتاحتش اتطلق عادي".

مع حديث ندى تعرب مروى عن حزنها كونها عاشت فترة "موديل قديم" محملة المسؤولية على اﻷمهات "اللي ربت ولادها أنهم ما يصدقوش أن الستات بتتعب، دي بتدلع، كلنا استحملنا، أنا وِلدتك وقومت أجري واتسلق الجبال، الأم دي هى اللي شحنت ابنها لممارسة السطوة والاستحقاق، السوفت وير القديم كان أنت تِتِرك.ي وتخرسي وبس". 

لكنها، أي مروى، في الوقت نفسه، ترى أن نجاتها الحقيقة في تربية ابنتها "أنها تعبر عن نفسها وما تسمحش لحد أنه يقهرها، وأنها تحدد المسؤوليات"، لربما يساهم الجميع في تغيير السوفت وير، وخلق سياق إنساني.

رومانسية ستوكهولوم

ربما لا يكون نوعًا من التجني إن قلنا إن بعض الكتابات اﻷدبية عملت على استعذاب اﻷلم، كأن تتعاطف الجميلة مع الوحش وتؤثر البقاء معه وعدم الهرب، في قصة الجميلة والوحش لجابرييل سوزان دى فيلنوف. ففي حالات الأسر المعنوي والمادي تسيطر على الضحية أن تكون على قيد الأمل وتصور اللطف، بما يعزز غريزة البقاء، فتبحث عن مميزات الآسر أو المعتدي، سواء زوج أو حبيب أو فرد من أفراد الأسرة أو المجتمع، تصدق الحالة، رجلًا أو امرأة، الكذبات الممهورة بالأمل أو الوعود المحببة، كهروب آمن للضحية بوضع متخيل أفضل، فتقوى الرابطة العاطفية بينهم.

بالطبع، هذه الرقعة من المتلازمة مغايرة للمازوخية، أي التلذذ بالتعذيب اللحظي جنسيًا، إنما هنا الموضوع طويل الأمد، والحكايات تحتمل وجوه عدة، أبرزها وجه الموروث العقيم الذي جعل سعاد تفتش عن مسيح يحمل مفاتيح الخلاص، قبل أن تكتشف أنها لجأت ليهوذا الذي سلمها للألم.


*اسم مستعار بناءً على طلب المصدر.

**اكتفينا بنشر الاسم اﻷول بناء على طلب المصادر.