رغم الحرب والعقوبات وموجات الاحتجاج المتعاقبة، لا يرى عالم الاجتماع الإيراني الأمريكي آصف بيات أن المشكلة الأساسية في إيران هي بقاء النظام أو سقوطه، بل غياب تصور واضح لما يمكن أن يأتي بعده، مؤكدًا أن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في تصاعد الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والضغوط الخارجية، بل في قدرة الإيرانيين على بناء بديل سياسي يدير أي مرحلة انتقالية لا تؤدي إلى انهيار الدولة.
طرح بيات هذه الرؤية خلال ندوة نظمتها دار المرايا في وسط القاهرة بعنوان "الحرب الأمريكية الصهيونية على إيران وتداعياتها"، قدم فيها قراءة لمسار النظام الإيراني منذ الثورة، وتداعيات الحرب الأخيرة، ومستقبل الاحتجاجات والمعارضة في البلاد.
تراجيديا متوقعة
خلال ندوة "الحرب الأمريكية الصهيونية على إيران وتداعياتها" في دار المرايا، 16 يونيو 2026وصف بيات ما جرى لإيران خلال الحرب الأخيرة بأنه "تراجيدي"، موضحًا، في الندوة التي امتدت لنحو ثلاث ساعات، أن الإيرانيين وجدوا أنفسهم عالقين بين سلطة داخلية مستبدة وعدوان أمريكي إسرائيلي كان فيه المدنيون الطرف الأكثر تضررًا.
وأشار بيات إلى أن الحرب الأخيرة لم تكن مفاجئة في نظره، بل مثلت حلقة جديدة في صراع ممتد تعود جذوره إلى ما بعد الثورة الإيرانية عام 1979، حين سعت طهران إلى مواجهة الضغوط الأمريكية والإسرائيلية عبر بناء شبكة من الحلفاء والقوى الموالية في المنطقة.
واستعاد، في هذا السياق، تاريخ التوتر بين طهران وواشنطن، لافتًا إلى دعم الولايات المتحدة للعراق خلال الحرب العراقية الإيرانية، قبل أن تتوسع المواجهة لاحقًا عبر حلفاء إيران في لبنان واليمن وفلسطين.
وأضاف أن إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش وضعت إيران ضمن ما عُرف بـ"محور الشر"، بينما شهدت فترة باراك أوباما محاولات محدودة للتفاهم، قبل أن يتجدد التصعيد في عهد دونالد ترامب.
ورأى بيات أن ترامب لم يكن متحمسًا لخوض حرب واسعة، انطلاقًا من خطابه الرافض للتورط العسكري الخارجي، لكنه أراد في الوقت نفسه أن يضعف البنية التحتية للدولة الإيرانية وقدراتها الاستراتيجية، وفي مقدمتها البرنامج النووي.
وأضاف أن إسرائيل "استغلت طوفان الأقصى من أجل تصفية محور المقاومة" في المنطقة، قبل أن يتطور الهدف إلى السعي لتغيير النظام الإيراني، حيث راهنت بعض التقديرات داخل إسرائيل على أن استهداف القيادة الإيرانية قد يفتح الباب أمام احتجاجات واسعة أو تغيير سياسي داخلي "لكن هذا التصور لم يتحقق".
وأضاف بيات أن المجتمع الإيراني أظهر، على العكس، قدرًا من التماسك "في مواجهة التهديدات الخارجية، حتى بين قطاعات تعارض السلطة"، مؤكدًا أن رفض التدخل الخارجي ظل عاملًا حاسمًا في الموقف الشعبي خلال الحرب.
ورغم ذلك أكد أن الحرب وما أعقبها أسهما في تشديد القبضة الأمنية داخل إيران، مشيرًا إلى اعتقال مئات الأشخاص بتهم تتعلق بالتعاون مع دولة إسرائيل أو المساس بالأمن القومي.
المحتجون يهاجمون المساجد

جانب من ندوة أستاذ علم الاجتماع آصف بيات في دار المرايا، 16 يونيو 2026اعتبر بيات أن الأزمات الداخلية التي تواجهها إيران ترتبط بطريقة إدارة الموارد والمؤسسات الاقتصادية، في ظل غياب آليات فعالة للمحاسبة والرقابة، بما يفاقم الضغوط الاجتماعية ويدفع قطاعات واسعة إلى المطالبة بالتغيير.
حسب بيات، تواجه إيران أوضاعًا اقتصادية صعبة، في ظل ارتفاع البطالة والتضخم وتراجع القدرة الشرائية.
وقال إن محاولات رفع الأجور تصطدم بضعف قدرة أصحاب الأعمال على تحمل كلفتها تحت وطأة الضغوط الاقتصادية المستمرة، لافتًا إلى أن التضخم وصل إلى مستويات قياسية مما دفع الحكومة إلى رفع الأجور بنسب وصلت، بحسب تقديره، إلى نحو 60%.
واعتبر بيات أن موجة الاحتجاجات الاقتصادية التي سبقت الحرب كانت الأوسع خلال السنوات الأخيرة، بسبب اتساعها الاجتماعي والجغرافي. وقال إن شرارتها انطلقت من طبقة التجار، التي شكّلت تاريخيًا إحدى القواعد الاجتماعية المتحالفة مع النظام، قبل أن تمتد إلى مناطق وشرائح أخرى بفعل التدهور الاقتصادي وتراجع مستويات المعيشة.
وأضاف أن الاحتجاجات الأخيرة شاركت فيها شرائح من البرجوازية والطبقة الوسطى والعمال والفئات الفقيرة، لافتًا خصوصًا إلى حضور "الطبقة الوسطى الفقيرة"، أي الفئات التي تآكلت أوضاعها المعيشية وباتت تعاني من انعدام الاستقرار الاقتصادي.
وأشار بيات إلى أن الاضطرابات شهدت هجمات استهدفت مساجد ومقار أمنية. موضحًا أن الاعتداء على بعض المساجد قد يبدو صادمًا، لكنه يعكس، في نظر بعض المحتجين، اعتبار هذه المساجد جزءًا من البنية التنظيمية والأمنية المرتبطة بالنظام، لا سيما مع استخدامها، بحسب قوله، في تدريب عناصر موالية على السلاح.
وأضاف أن السلطة واجهت هذه الاحتجاجات عبر الأجهزة الأمنية ومجموعات موالية للنظام، مستخدمة مستويات مرتفعة من العنف في ظل غياب أرقام موثقة ومتفق عليها بشأن عدد الضحايا، مع تباين التقديرات الصادرة عن منظمات حقوقية وجهات معارضة بين آلاف وعشرات الآلاف.
مستقبل إيران
قال بيات إن اسم ولي العهد السابق رضا بهلوي برز خلال تلك الاحتجاجات بوصفه بديلًا مطروحًا للنظام، والتف حوله بعض المحتجين لا اقتناعًا بمشروعه السياسي بقدر ما كان ذلك نتيجة غياب بدائل أخرى قادرة على حشد الشارع. وأضاف أن جزءًا مهمًا من أنصار العودة إلى النظام الملكي يتمركز خارج إيران، وأن بعض هذه المجموعات تراهن على دعم غربي، خصوصًا من الولايات المتحدة.
حسب بيات، فإن بعض المعارضين تصوروا أن أي تدخل خارجي قد يضعف النظام من دون أن يخلّف كلفة كبيرة على المدنيين، لكن الحرب الأخيرة أظهرت، في تقديره، أن المدنيين كانوا الطرف الأكثر تضررًا من العمليات العسكرية.
وأرجع بيات قدرة النظام على الصمود، رغم الواقع الحالي، إلى طبيعته الثورية والأيديولوجية، وإلى المؤسسات التي نشأت بعد الثورة الإيرانية، بما في ذلك الأجهزة العسكرية والاقتصادية التي رسخت حضوره داخل المجتمع.
وقال إن للنظام قاعدة اجتماعية ما زالت تدافع عنه وتستفيد من بقائه، ولا تقتصر على المسؤولين والعاملين في مؤسسات الدولة، بل تمتد إلى شبكات اجتماعية واقتصادية أوسع قد تصل، بحسب تقديره، إلى ربع الإيرانيين.
لكنه رأى في الوقت نفسه أن النظام لن يتمكن من الاستمرار بصورته الحالية على المدى الطويل، متوقعًا موجات احتجاج جديدة، ومعتبرًا أن السؤال الأهم ليس ما إذا كانت انتفاضة جديدة ستقع، بل من يملك مشروعًا قادرًا على ملء الفراغ السياسي بعدها وإدارة مرحلة ما بعد النظام إذا حدث التغيير.
وأضاف أن النقاش داخل إيران لم يعد يقتصر على نقد النظام أو المطالبة بإسقاطه، بل بات يشمل تصورات مختلفة لما يمكن أن يأتي بعده. مشيرًا إلى أن من أبرز نقاط ضعف الاحتجاجات السابقة غياب تصور واضح لليوم التالي، وانشغال كثير من المحتجين بإسقاط القائم من دون الاتفاق على شكل البديل أو آليات الانتقال.
وفي هذا السياق، طرح بيات فكرة الانتقال التدريجي للسلطة بدلًا من الانهيار الكامل، معتبرًا أن بعض التحولات قد تأخذ شكل "ثورة تفاوضية"، تفرض فيها قوى المجتمع ضغوطًا متراكمة تدفع السلطة إلى تقديم تنازلات والدخول في مسار تفاوضي يغيّر بنيتها من الداخل.
واستشهد بانتشار ظاهرة التخلي عن الحجاب الإلزامي بوصفها مثالًا على تغيير اجتماعي فرض نفسه تدريجيًا على الواقع رغم رفض السلطة.
وبعد 67 يومًا من بدء الولايات المتحدة وإيران سلسلة مفاوضات بوساطة باكستانية وبدعم من مصر وقطر وتركيا، توصل البلدان إلى اتفاق إطاري لوقف الحرب الدائرة بينهما منذ نهاية فبراير/شباط الماضي، يتضمن إنهاء العمليات العسكرية على مختلف الجبهات، وإعادة فتح مضيق هرمز، ورفع الحصار الأمريكي عن إيران، فيما سارعت إسرائيل إلى إعلان أن الاتفاق "غير ملزم" لها، مؤكدة تمسكها بمواصلة عملياتها العسكرية في لبنان.
وأعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في الساعات الأولى من صباح الاثنين الماضي عبر تروث سوشيال، اكتمال الاتفاق مع إيران داعيًا كل سفن العالم إلى "إدارة محركاتها للعبور من المضيق".