وزارة الخارجية البولندية، فليكر
معرض مخصص لفيسوافا شيمبورسكا. فرع المتحف الوطني في كراكوف. 1 فبراير 2013.

كتابة غير ملتزمة

في محبة التسلية الشريفة

منشور الثلاثاء 1 أبريل 2025

ذات يوم، زارني المبدع الراحل سعيد الكفراوي في مكتبي بجريدة أخبار الأدب، بدا على وجهه كلام لا يحتمل التأجيل، وكأنه مستثارٌ من شيء ما. سألته عن السبب، فقال: لقد اكتشفت اليوم أنني كبرت!

جعلني في تلك اللحظة أتأمله، وخطر لي أنه الوحيد الذي اكتشف هذا الاكتشاف الرهيب عن سعيد الكفراوي؛ فرغم بياض الثلج المبكر في شعره، جعلته روحُ الدهشة التي يعيش بها يبدو للجميع طفلًا خالدًا. الطريف أنه في ذلك اليوم كان قادمًا ليُسلِّم مقالًا عن طفولته! كان المقال مساهمته في ملف عن الخبز، وكتب فيه عن جدته عندما كانت تصنع له ثريدًا أو فتةَ الحليب. لم أزل أذكر عنوانه؛ "جعانشي أفت لك؟".

وأما لماذا كبر الطفل فجأة في طريقه إلى الجريدة، فلأن شابًا في المينيباص نهض وأجلسه. قال بأسىً لا يخلو من الدهشة: الجدع قال لي أقعد يا والدي!

ضحكنا. وقلت له، على الأقل هذا الشاب أفضل ممن قابلني منذ أسبوع. كاد أن يصدمني بالموتوسيكل، وعندما زعقت عليه أوبخه، رد عليَّ: إيه يا جدو؟

حدث ذلك بالفعل، وكان غريبًا، فلم أكن بلغت الخمسين بعد، وليس في رأسي شعرة بيضاء. كانت زوجتي إلى جواري، وقلت لها مازحًا بعد ذهاب الخضة: كان أهون عليَّ أن يصدمني.

عبء الكتب 

لم يؤثر فيَّ تسنين شابٍ طائشٍ، لكن ما يجعلني أشعر بالسن حقًا في السنوات الأخيرة هو معرض الكتاب. انتبهت لأنني، عامًا بعد عام، أصبحت أفكر قبل أن أحمل كتابًا: هل هناك وقت لقراءته؟ وصرت أتأمل أمنية بورخيس الخرقاء. هل كان جادًا عندما تمنَّى أن يكون الفردوس مكتبة لا نهائية. هذه الأمنية ستجعل من الآخرة دار شقاء؛ فالكتاب غير المقروء عبء على الضمير.

اعتدت ألَّا أضع الكتب الجديدة ضمن أبوابها على رفوف المكتبة، بل تبقى جوار سريري، فيما أُسمِّيه المَطهر. الكتب التي تصلني أو أشتريها في موسم كتابة، تنتظر حتى أنتهي من كتابي وتظل تعذبني إلى أن أعود إليها.

وعندما أشرع في القراءة يحتل كل كتاب موقعه بالمكتبة حسب ميزان أعماله ودرجة صلاحه. أحيانًا يطول موسم الكتابة فتتطاول أعمدة الكتب من حولي، وما إن أشرع في القراءة حتى يتلاشى عذاب الضمير، ويحل محله الفضول المبتهج الذي يتملكنا عند السفر إلى مكان لم نره من قبل.

الكتابة والقراءة سَفَرٌ في المجهول أبادل بينهما. عند الكتابة أشعر بأنني قائد سيارة حيث التوتر والانتباه إلى أخطار الطريق أكبر من المتعة، بينما أعتبر القراءة سفرًا في القطار. العبء كله على سائقٍ لا أراه، بينما أتفرغ للنظر من النافذة مستمتعًا بجمال الرحلة؛ أرقبُ تحولات الظل والشمس، تغيُّرَ ألوان الخضرة، والأشجار المجنونة التي تجري.

حنان مستحق

غلاف كتاب قراءة غير ملزمة، فيسوافا شيمبورسكا، ترجمة إيمان مرسال، 2025

تعتبر حاملة نوبل البولندية فيسوافا شيمبورسكا قراءة الكتب أشرف تسلية عرفها البشر. لا أنظر للأمر من هذه الزاوية، وأصرُّ على تسميتها "سفر"؛ فأنا أحب السفر دون أن أفكر إن كان نبيلًا حقًا أو غير ذلك. حَسْبُ السفر المجازي عبر القراءة أنه يضاعف أعمارنا، وحَسْبُ السفر الحقيقي أنه يوسِّع علينا المكان.

رغم غلاء الكتب لم تزل القراءة هي السفر الأقل تكلفة، خصوصًا في ظل توافر المنصات الإلكترونية التي تتيح شيئًا أقرب ما يكون إلى الكتب؛ وليسامحني قراء المنصات؛ فلم أزل مخلصًا للعلاقة الجسدية مع الورق، وأعتبر الكتاب الذي يمكن لمسه هو الكتاب بحق.

في كل الأحوال، علينا أن نتذكر سائق القطار بتعاطف وامتنان لأن عبورَ بقرةٍ من أمامه رعبٌ "يُنشِّف الدم" في عروقه، وإذا ما عبرت البقرة القضبان بسلام، سنراها شعرًا من نافذة عربة الركاب. لهذا؛ أبتهج للكتب الحلوة، التي تُشعرني بأن شيئًا جيدًا يحدث في هذا العالم، ولا يطاوعني قلبي أن أتعرض بسوء لعمل لا يعجبني؛ فحتى الكتابة غير الموفقة تنطوي على ما يجب أن نحترمه: الإيمان والإصرار. 

الكتاب، حتى البسيط، كان ذات لحظة كلمة وحيدة على ورقة أو شاشة بيضاء، وكانت هناك عزيمة جبارة لإضافة كلمة تالية ثم كلمة ثم جملة، حتى صارت كتابًا. كل الكتب التي اكتملت، بصرف النظر عن مستواها، تنطوي على إيمان صاحبها وتبرهن على شجاعته في مواجهة رعب الشاشة أو الورقة البيضاء. كل كتاب خلفه شخص نجح في فرض إرادته، كلمة بعد كلمة. نستثني بالطبع الكتابة السامة التي تنطوي على عنصرية أو تطرف أيديولوجي أو ديني.

يرى القارئ النتيجة؛ لحظة وصول الكتاب إلى يده، لكنه لا يرى الطريق. وبالطبع، لا يرى العودات الخائبة ولا التيه المستمر في طريق لا ينتهي. هناك أسباب كثيرة تقف وراء العودة دون إنجاز والتيه الطويل دون وصول. تلك الأسباب تكون أحيانًا أقوى من الإيمان، ولا ينفع معها إصرار.

كل هذه المرافعة عن الكتب غير اللامعة لأقول إن الكتاب وكاتبه يستحقان منا بعض الحنان. وعندما نفعل ذلك سنرى جمالًا في أضعف الكتب. ما من كتاب سيئ، حسبه أنه كتاب. هذه رؤيتي حقيقة، ولن يضبطني أحد مهاجمًا الكتب الرائجة الخفيفة، التي أرى أنها تنشر عادة القراءة على نطاق واسع. هذه الفضيلة وحدها كفيلة بأن تجعلنا نحبها.

قطايف شيمبورسكا

وقد أسعدني أن أرى شاعرة حساسة مثل شيمبورسكا تترجمها شاعرة حساسة أخرى هي إيمان مرسال، تتفقان معي في هذا المعنى، وأقول تتفقان، لأنني أعتبر المبدع الذي يقتطع من وقته ليترجم كتابًا لكاتب آخر، إنما يفعل ذلك لأنه يشاطره الفكرة ووجد عند المؤلف الآخر ما يريد قوله، وبهذا فهو شريك متضامن. يضاف إلى ذلك نبله الذي جعله يترجم من أجلنا.

إيمان مرسال، صورة من صفحتها على فيسبوك

عودة إلى شيمبورسكا، التي التقيت بها عندما التفتُّ إلى الأرواح المعذبة في المَطهر مع بداية الشهر الماضي. بعض الكتب كانت منتظِرة منذ عام وبعضها من اختيارات معرض الكتاب الأخير. لكنني لم ألتزم الترتيب. بدأت القراءة كيفما اتفق؛ أحيانًا أكمل كتابًا وأحيانًا ألتفت عنه إلى آخر. ولأن شهر مارس/آذار تطابق مع شهر رمضان، يمكنني تقريب صورة القارئ أمام أعمدة الكتب بصورة الصائم أمام المائدة. كم منا يصبر على حلاوة القطايف أو الكنافة إلى ما بعد الإفطار؟!

حاولت التقاط حبة قطايف من كتاب فيسوافا شيمبورسكا، لكنني أكملت إفطاري منه وحمدت الله. أطلب من القراء التسامح مع صعوبة اسم الشاعرة، فهي الصعوبة الوحيدة التي يمكن أن تواجهها في كتابها قراءة غير ملزمة الذي ترجمته إيمان مرسال وصدر في معرض هذا العام عن دار الكتب خان.

الكتاب الذي يقع في 280 صفحة بما فيها صفحات بيانات النشر والصفحات البيضاء يضم ستة وتسعين مقالًا قصيرًا، بين 400 أو 600 كلمة لا أكثر، وسنعرف أنه مختارات من كتاب يحمل عنوان العمود الصحفي الذي كتبته الشاعرة البولندية لعقود تحت العنوان ذاته "قراءة غير ملزمة" وأنصح بقراءة الكتاب بالطريقة التي كُتب بها: مقال واحد لليوم الواحد دون التزام بالترتيب.

في العنوان، معنيان لصفة "غير الملزمة". فالكتب التي تتناولها لا يلتزم الجميع بقراءتها مثل القواميس وكتب الأرقام الذاتية وخوارق الطبيعة وما إلى ذلك. كما أن الكاتبة، في تناولها لتلك الكتب، لا تُلزم نفسها بعرض محتوى الكتاب، بل تأخذ منه لمحة بسيطة لتكتب مقالها الساخر، ونرى فكرتها هي؛ فكتاب عن الأوبرا هو مناسبة لتقول ما تريده هي عن الأوبرا، وكتاب عن الموضة يحملها إلى التفكير بالملوك والعبيد، وكتاب عن الفكاهة سيدفعها للكتابة عن الرزانة. بهذا المسلك الملتوي، جعلت شيمبورسكا الكتب تجري وراءها وتتبعها، لا العكس.

تضع الكاتبة كتابًا مهمًا لكارل جوستاف يونج، ضمن الكتب غير الملزمة وتلفت أنظارنا إلى أن فرويد ويونج وغيرهما من مفسري الأحلام، ونحن الذين قرأناهم، لم ننتبه إلى أنهم يحللون سردًا عن الأحلام، لا الأحلام ذاتها، إذ يستحيل على من يستيقظ أن يروي الحلم كما رآه بالضبط.

صورة الشاعر

المقال الوحيد الذي لم تكتبه استنادًا إلى كتاب، كان في إطار ملف للاحتفال بالشاعر تشيسلاف ميلوش (لا يد لي في ذلك فهذه أسماء البولنديين ولا بد أنهم يرون الكثير من أسمائنا على الدرجة ذاتها من الصعوبة)، تحكي عن رهبتها من الشاعر الذي لم تنجح في إخفاء توترها أمامه على مر الزمان، منذ أن رأته وهي شابة يقرأ قصيدة عام 1945 وقالت بكل إكبار: هذا هو الشعر، ثم كان اشمئزازها عندما رأته صدفة في مطعم وأمامه طبق من ضلع الخنزير مع مخلل الكرنب "كنت أعرف نظريًا أنه حتى الشعراء يأكلون من وقت إلى آخر، لكن هل عليهم أن يطلبوا طبقًا مبتذلًا مثل هذا؟".

أضحكتني هذه العبارة، لأن فكرتها تقاطعت مع صورة رومانسية للكاتب والشاعر عندي، كنت أظن أنه يجب أن يكون وسيمًا ومريضًا، على الأقل ضعيف البنية رقيقًا كالبسكويتة، ولكم أن تتصوروا ما يمكن أن أطلبه في الكاتبة.

نسيت شيمبورسكا تقريبًا واقعة الطبق المبتذل، وعادت صورة الشاعر الذي ترهب قصيدته وترهبه شخصيًّا، ولن ينتهي المقال قبل أن نراها معه في مطعم، وقد طلبا الطبق ذاته!

عادت الشاعرة لتأكل طبق المتوحشين الذي استنكرَته من قبل. هذه المفارقات كثيرة في الكُتَّاب، وتفتح أعيننا على أن الأشياء التي نستنكرها قد تكون أقرب مما نتصور إلى ما نتقبله؛ خصوصًا فيما يخص الأخلاق. نقرأ جملة كهذه "تقابلا للمرة الأولى قبل ساعة أو ساعتين، تبادلا بالكاد بضع كلمات مع رقصتين قصيرتين قبل الذهاب معًا إلى الفراش" ونتفق على أنها تمثل فجور العصر الحديث، بالمقارنة بعصور الأخلاق الحميدة في ماضي الزمان.

لكن في عصور الأخلاق الحميدة تلك كان الزواج الأكثر أخلاقية هو الذي يُعقد بين غرباء ليس بينهم سابق معرفة. حتى الزيجات الملكية كانت تتم عبر تبادل الصور المنمقة غير الحقيقية والرسائل التي يكتبها أمناء السر، ويلتقي العروسان وجهًا لوجه للمرة الأولى ليلة الزفاف، حيث يُدفع بالعروسين إلى فراش الزوجية في الليلة ذاتها!

تذكر شيمبورسكا عنوان كل كتاب في سطر تذييل للمقال، ولسنا ملزمين بالبحث عن تلك الكتب وقراءتها، لأننا استمتعنا بخفة روح شيمبورسكا وذكائها، وتعلمنا وصيتها الأجمل: الحنان تجاه كل كاتب تحدى بياض الورقة المهول، وأخذ يكتب بصبر كلمة بعد كلمة حتى صارت كلماته كتابًا.