تصميم: يوسف أيمن - المنصة

افتتاحية| شبحٌ يخيّم على الصحافة المستقلة في مصر

منشور الأربعاء 28 تشرين الأول/أكتوبر 2026

أصابت ذراعه الأولى غرفة تحرير "متصدقش" فألقت بها مجتمعةً خلف القضبان، وامتدت  الثانية إلى "مدى مصر" فصدر حكم متعجل بإغلاقه وتغريم رئيسة تحريره الزميلة لينا عطا الله ثلاثة ملايين جنيه. بلا دفاع.. بلا اطلاع.

فكم ذراعًا تبقَّت؟ وكم غرفة تحرير يُنتظر منها السكوت كي تتجنب البطش؟

كلها أسئلة تطاردنا بينما نفكر فيما سنكتبه تضامنًا مع زملائنا، لنجد أننا لا نتضامن مع غرف أخبار زميلة، إنما مع أنفسنا في مواجهة أذرع لا نرى من يحركها لكن نرى أثرها على الصحافة الحرة، وعلى الحق في الكلام، وعلى دولة القانون. 

صدمة أصابتنا من المهزلة التي شهدناها أمس، ونأمل أن يتجاوزها زملاؤنا في "مدى"، مثلما تجاوزوا الضربات المتلاحقة طوال سنوات عملهم منذ 2013، فلطالما أنارت شجاعتهم الطريق.

نتضامن اليوم مع "مدى" و"متصدقش" لنحمي دستورنا، دستور مصر، من العبث به، وتفريغه من مضمونه، وإهدار معناه.

يخبرنا الدستور أن للمواطن وللمجتمع الحق في المعرفة، وفي تداول المعلومات، وفي مساءلة السلطة التي تعمل في خدمته. يخبرنا أن الصحافة عين المواطن على هذه السلطة، مستقلة عنها. ما يعني بداهةً أن لا حقَّ لأي سلطة أن تمنع أو تمنح عبر جهاتها الإدارية ترخيصًا بالكلام وبالمعرفة.

يخبرنا الدستور أن إصدار الصحف بالإخطار، لكنَّ قانون تنظيم الإعلام سيئ الذكر، المعروف باسم القانون 180 لسنة 2018، يبتدع تمييزًا لا أساس له في الصحافة بين الصحيفة المطبوعة على ورق والأونلاين.

يخبرنا الدستور أن القوانين التي تخالفه باطلة، وأن هناك آليات لإبطالها. ويخبرنا أن للمحاكمات العادلة ضمانات، وأن حق الدفاع مكفول، وأن على المحكمة أن توثّق طلباته قبلت بها أو رفضتها، لكنَّ حكم أمس لم يلتفت إلى الدفوع ولم يوثقها، وصدر بعد أن عيّنت المحكمة محاميًا بالإكراه، ولم تنظر إلى طلب ردها.

يخبرنا الدستور أن الصحافة المستقلة حقٌّ أصيل، لا منحةً أو امتيازًا تمنحه السلطة. بدونها، تُسلب من المواطن المعلومات التي تتيح له فهم محيطه، ومحاسبة حكومته على أخطائها، والاحتفاء بإنجازاتها إن وُجدت.

لا نقرأ تمادي هذه الأذرع بعيدًا عن السياق المأزوم الذي تمر به مصر. فقبل أسابيع، نظمت السلطة مؤتمرًا حاشدًا من أجل "رفع معنويات الحكومة" بينما يمتلئ واقع المواطنين بالتحديات الاقتصادية والاجتماعية العميقة، ويبدو المستقبل شديد الضبابية. فأي غدٍ يمكن أن نحلم به إذا تقلصت مساحات الرؤية والنقاش والاختيار؟ وكيف ندعو المواطنين لتحمّل نتائج قرارات مصيرية بينما تُحجب عنهم المعلومات الضرورية؟

إن مسؤولية الدفاع عن الصحافة المستقلة تتجاوز المؤسسات منفردة، فالمساحات التي تتيح للصحفيين العمل بحرية، وللجمهور الوصول إلى المعلومات، جزء من مجال عام لا غنى عنه؛ إن كنا نسعى لوطن أكثر استقرارًا.

.. فلكل من يتواصل ليسأل عنا؛ نحن مستمرون لأن الحديث يجب أن يستمر. نحن نرى، نحن نراقب، نحن نسعى لتأمين حق الناس في المعرفة، لأننا نؤمن بأن المدى أكثر اتساعًا، وبأن الصحافة المستقلة شبحٌ بدوره يخيف من يحرّك الأذرع متخفيًّا في غرفته المظلمة.

مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.