أشباح القطن| معارك القيمة بعد الحرب العالمية الأولى
القطن برده لمزراحي ولقرداحي
وابن البلد يقعد ماحي في بلاده يتيم
أقطانه هو اللى زرعها
و اللى جمعها
ما تلم له لما يبيعهـا
حق البرسيم
بيرم التونسي - شاعر مصري
تفترض النظريات الكلاسيكية أن الاقتصاد يقوم بالأساس على توازن بين العرض والطلب، لكن عملية التراكم الرأسمالي الهائلة التي تحققت من وراء منظومة القطن القديمة كانت تسير عكس ذلك، فهي تشجع على زيادة المعروض من القطن الخام لخفض أسعار، وفي الوقت نفسه تحد من عرض المنتجات النهائية لرفع أسعارها وتعظيم أرباح المصنعين.
يمكن أن نفهم السر وراء مخالفة تاريخ الرأسمالية للتصورات النظرية السائدة عنها بالنظر إلى مفهوم المؤرخ البيئي جيسون مور عن "الطبيعة الرخيصة"؛ يشرح مور أن الرأسمالية تحقق تراكمًا هائلًا من خلال تحفيز زيادة المعروض من العمل والغذاء والطاقة والمواد الخام، أو "الأشياء الرخيصة الأربعة"، كما يطلق عليها، وذلك بهدف خفض تكلفة الإنتاج.
المفارقة التي يرصدها مور هي أن الرأسمالية تراكم الأرباح من خلال وضع معكوس لما كان يفترض أن يجري، فمنتجو المواد الخام كان يفترض أن يكونوا الأكثر ثراءً، لأن منتجاتهم نادرة بطبيعتها، وأصحاب الآلات في أوروبا كان يجب أن يكونوا هم الأفقر لأن إنتاجهم لا محدود.
يستعين مور بمثال القطن تحديدًا وبكتابات كارل ماركس لتوضيح حجته، فيشير لـ ملاحظة ماركس أن ديناميكية الإنتاج الرأسمالي –إذا تركت دون تدخل– تؤدي إلى جعل حصة رأس المال الثابت (الآلات) تسبق بفارق كبير حصة المواد الخام، بحيث ينمو الطلب على هذه المواد الخام بسرعة أكبر من معروضها، جاعلةً شرط الإنتاج الصناعي واسع النطاق هو الطبيعة الرخيصة، فالهبوط الكبير في سعر القطن بسبب زيادة إنتاجه حول العالم هو ما مكّن صناعة القطن من التطور بالشكل الذي تطورت به.
وكما ذكرنا في المقالات السابقة من هذه السلسلة، حاولت بريطانيا توسيع الرقعة الزراعية المخصصة للقطن في الهند والسودان ومصر، وحاولت بريطانيا أيضًا زيادة إنتاجية الرقعة الزراعية الموجودة بالفعل من خلال هندسة سياسة زراعية حديثة تتخلص من الدورة الزراعية، وتكثف من استخدام البذور المحسنة والأسمدة والمبيدات الكيماوية، مما أدى لمشكلات بيئية واقتصادية واجتماعية عدة.
بالإضافة إلى التوسع في المساحة المزروعة وزيادة إنتاجية الأرض، سنعرض، استنادًا إلى وثائق أرشيفية لم تنشر من قبل، في هذا المقال بعضًا من الإجراءات التنظيمية التي اتبعتها بريطانيا لخفض أسعار القطن في فترة ما بين الحربين العالميتين، لتضيف مستوى آخر من الصعوبات التي واجهت زراعة القطن في مصر.
سقف جبري للأسعار
بحلول صيف عام 1917، بلغت أزمة القطن المصري ذروتها تحت وطأة الحرب العالمية الأولى، لتكشف عن تناقض بين تبشير الاقتصاد الكلاسيكي البريطاني بالأسعار الحرة كأفضل آلية لتخصيص الموارد كونها تعمل مؤشرًا لمكامن النقص والوفرة في الاقتصاد من جانب، ورغبة سلطات الاحتلال البريطاني في السيطرة على أسعار مدخلات إنتاج صناعتها الأهم، وهي صناعة النسيج، بعيدًا عن آليات السوق، من جانب آخر.
تسببت الحرب العالمية الأولى في تعطيل حركة الشحن البحري، ونتج عن ذلك تكدس كميات ضخمة من القطن الخام في مستودعات الإسكندرية لتعطل تصديره. كان ذلك في صالح منتجي القطن المصريين لأن ندرة المعروض من القطن أدت لارتفاعات قياسية في أسعاره في سوق العقود الآجلة ببورصة الإسكندرية، وبالمقابل مثّل أخبارًا مزعجة لبريطانيا، لأنها ترفع من تكلفة المواد الخام لصناعاتها.
في تقرير دبلوماسي سري من مكتب المندوب السامي البريطاني في الإسكندرية لوزارة الخارجية البريطانية، نجد حديثًا صريحًا عن تضارب المصالح بين مصر وبريطانيا في مسألة تسعير القطن تعليقًا على اضطرابات الأسعار سنة 1917(*).
"إن مصالح مصر كدولة مُنتجة تتعارض مع مصالح المملكة المتحدة كدولة مُشترية، ويُخشى أن تؤدي الإجراءات المتخذة لمصلحة سوق ليفربول إلى نتائج عكسية هنا. وبشكل خاص، فإن أي إجراء يهدف إلى وضع قيد على الأسعار من شأنه أن يثير استياءً عارمًا في جميع أنحاء البلاد، ولن تتمكن الحكومة من دعمه. كما يتوجب على الوزراء أن يحسبوا حسابًا للرأي العام المفرط في حساسيته تجاه تقلبات سوق العقود الآجلة، حيث يُفضل الجمهور أي شكل من أشكال المضاربة باعتبارها عاملًا يدفع نحو ارتفاع الأسعار. وقد امتلأت الصحافة بانتقادات حادة للإجراءات المتخذة لإغلاق البورصة".
يضيف التقرير أن القرارات البريطانية بتقييد سوق العقود الآجلة في البورصة للحد من المضاربة قُوبلت برفض سياسي وشعبي داخل مصر، إذ أبدى الوزراء المصريون معارضةً لإغلاق البورصة أو فرض حد أقصى للأسعار، كما حذر المسؤولون من أن تقييد الأسعار محليًّا في الوقت الذي تظل فيه الأسواق العالمية والأمريكية حرة ومرتفعة سيخلق احتقانًا سياسيًّا، فضلًا عن إرباك عقود التوريد المسبقة.
في ظل نفاد الحلول السياسية للسيطرة على الأسعار، اقترح المندوب السامي البريطاني في القاهرة حلًا يتمثل في استخدام "السلطات العسكرية البريطانية" لإغلاق البورصة وفرض القيود بالقوة بموجب الأحكام العرفية. يقول التقرير نصًا: "بالنظر إلى عدم شعبيته (التدبير/القرار). أود أن أعرف ما إذا كانت حالة العجلة تستدعي، إذا لزم الأمر، إغلاق البورصة بواسطة السلطات العسكرية البريطانية، وهو ما سيؤدي بطبيعة الحال إلى نقل السخط من الوزراء [المصريين] إلى حكومة صاحب الجلالة [البريطانية]".
في هذا الصدد، جاء نص الإعلان الرسمي أمام مجلس العموم البريطاني في 25 يونيو/حزيران 1918 ليرسخ هذا الاتجاه:
"ابتداءً من الأول من أغسطس المقبل، سيتم الاستحواذ على كامل المحصول المتاح للتصدير من قبل لجنة الرقابة على القطن التي أُنشئت بموجب مشروع مشترك بين حكومة صاحب الجلالة والحكومة المصرية، وسيُباع المحصول بأسعار ثابتة تحددها اللجنة ضمن الحدود التي يعينها مجلس التجارة [البريطاني]".
تزامن هذا الشراء الإجباري مع قرار وقف تحويل الأوراق النقدية للبنك الأهلي المصري إلى ذهب، وتم فرض التداول الإجباري للنقد الورقي لشراء القطن لتغطية نفقات القوات البريطانية في مصر والتنسيق المالي مع بريطانيا عبر إصدار سندات وأذون خزانة بريطانية كغطاء للجنيه المصري بدلًا من الذهب المصري المودع في لندن. أدت هذه السياسة إلى ارتفاع معدلات التضخم إلى 200-300% لأغلب السلع الغذائية بحلول عام 1918 مقارنة بمستويات ما قبل الحرب.
وفي الوقت الذي ارتفعت فيه أسعار السلع الأساسية ثلاثة أضعاف، لم تشهد الأجور سوى زيادات محدودة لا تتناسب مع زيادات الأسعار.
يوضح لنا المؤرخان رؤوف عباس وعاصم الدسوقي في كتابهما كبار الملاك والفلاحين في مصر أن الحكومة البريطانية اشترت القطن المصري عام 1918 بـ42 ريالًا للقنطار لفرز "جيد جدًا" من صنف السكلاريدس فائق الطول. وهذا السعر يقل كثيرًا عن الأسعار التي سجلها القطن في المعاملات الحرّة، التي تجاوزت الستين ريالًا. هكذا أُجبر المزارع على بيع محصوله بسعر منخفض لا يغطي تكاليف الإنتاج التي ارتفعت بشكل حاد نتيجة التضخم المفرط، ومن جهة أخرى، كان عليه شراء احتياجاته بأسعار زادت ثلاثة أضعاف.
أدى هذا التدخل القسري في عام 1918 إلى توحيد مصالح المجتمع المصري بكافة طبقاته ضد الاحتلال؛ فكبار الملاك وصغارهم شعروا بالظلم وبالصعوبات الاقتصادية الناتجة عن فرض سعر إجباري للجنة الرقابة، بينما كان صغار الفلاحين والعمال يعانون جراء الغلاء الذي لم يواكبه ارتفاع في أجورهم أو سعر محصولهم. وشكّل هذا الحنق الاقتصادي الأساسَ للتحالف الاجتماعي العابر للطبقات الذي قامت على أساسه ثورة 1919.
متى تدافع بريطانيا عن آليات السوق!
تشير دراسة لبانزا وكراكوس صادرة عن دورية التاريخ الاقتصادي Economic History Review أنه بحلول عشرينيات القرن العشرين بدأت الإنتاجية والإنتاج الكلي يزيدان بسبب التحول لأصناف جديدة، على رأسها الأشموني والسكلاريدس على حساب الميت عفيفي الذي واجه مصاعب بيئية جمة. ففي عام 1906 شكل الميت عفيفي نحو 75% من إنتاج القطن، والأشموني حوالي 20%. أما بحلول بداية العشرينيات فوصل السكلاريدس إلى حوالي 75% من الإنتاج بعد عقد واحد على ظهوره بينما اختفى الميت عفيفي تمامًا تقريبًا، وبحلول الأربعينيات سيطر الأشموني وجيزة 7 وتراجع السكلاريدس هو الآخر.
وفقًا لبانزا وكراكوس، كان تطوير بذور جديدة من الأسباب الرئيسية وراء تعافي الإنتاج في فترة ما بين الحربين، لكن بالتزامن مع تعافي الإنتاج هبطت الأسعار بشكل مستمر وقتها (انظر الشكل 1 أدناه).
طورت السلطات البريطانية والتجار الأجانب مجموعةً معقدةً من الأدوات التنظيمية والتجارية للضغط على أسعار القطن المصري، على رأس تلك الأدوات ما يُسمى بعقود "عند الطلب" وبنود "خيار الرفض". حاولت الحكومة المصرية وقتها منع هذه الأدوات لأن عقود "عند الطلب" كشفت عن قدرة خطيرة على التلاعب بالأسعار وتخفيضها عمدًا، مما ألحق دمارًا ماليًا بالمنتجين والمزارعين المصريين.
يُظهر تقرير فني سري عن شراء القطن في القرى صادر عن مكتب المندوب السامي البريطاني سنة 1923 أن نظام الشراء عبر عقود عند الطلب/Buying On-Call أُدخل منذ عام 1906 لتلبية طلبات المغازل الأجنبية لشراء المحصول قبل جنيه بشهور. ووفقًا لتلك السجلات، كان التاجر يشتري القطن من المزارعين دون تحديد سعر نهائي، مكتفيًا بمنحهم سلفة نقدية، مع ترك سعر الشراء معلقًا ومربوطًا بأسعار بورصة الإسكندرية الآجلة. وتوضح الوثائق أن الفلاحين أنفسهم كانوا يُدفعون إلى الانتظار إلى اللحظة الأخيرة أملًا بأن ترتفع الأسعار، لكن بما أنه جرى العرف على تحديد الأسعار في اليوم الأخير لتداول الأسعار في البورصة، وهو ما يوافق يوم 23 في الشهر، كان تدفق المبيعات في هذا اليوم يؤدي إلى انخفاض كبير في الأسعار.
يقول التقرير فيما يخص تراجعات الأسعار الحادة التي حدثت على عكس آمال البائعين:
"وكانت طريقة التسعير المماطلة هذه سببًا في ضياع ثروات طائلة عام 1920، عندما بلغ سعر القطن 65 ريالًا في نوفمبر وانتهى عند 25 ريالًا في مارس، وفي العام التالي 45 ريالًا في نوفمبر، و35 ريالًا في مارس. لقد تُرك التثبيت حتى اللحظة الأخيرة، مما أدى إلى أن المزارعين أصبحوا مدينين (1) للمشتري الذي قدّم قروضًا تتجاوز قيمة القطن وقت تسليمه، و(2) لمالك الأرض كإيجار، أو لبنك الرهن العقاري مقابل الأقساط، و(3) لجميع دائنيه الصغار الذين يُدفع لهم عادةً من حصيلة بيع القطن"(**).
استغلال "خيار الرفض"
أما بند خيار الرفض، فرغم أنه وُجد أساسًا كشرط تقليدي لضمان جودة المحصول، فإن التجار حوّلوه إلى وسيلة لضغط الأسعار، فإذا التزم التاجر بشراء شحنة قطن بسعر محدد وفقًا لعقد آجل، ثم انهار السعر قبل التسليم، يجد التاجر نفسه مهددًا بخسارة أمواله. للتهرب من الالتزام، يفحص التاجر الشحنة ويتعلل بأن جودتها أقل من العينة المتفق عليها. وبمجرد التهديد بتفعيل "خيار الرفض"، يستطيع التاجر خفض السعر بشكل كبير ليجد المالك نفسه عالقًا بكميات ضخمة من القطن الفعلي فيقبل بالسعر المخفض.
التأثير المباشر كان يقع على المنتج الكبير أو التاجر الوسيط الذي يجمع القطن من صغار المزارعين؛ فعندما تصل الشحنة الضخمة إلى الإسكندرية، يعلن المشتري الأجنبي "رفض الشحنة" بدعوى تدني الجودة ليتملص من السعر المرتفع.
ولأن إعادة شحن هذه الكميات الضخمة من الإسكندرية إلى الأقاليم أمر صعب ومكلف، يُجبر المالك أو التاجر المحلي –الذين كان أغلبهم يونانيين مقيمين–على قبول السعر المنخفض. يصل هذا التأثير بطبيعة الحال إلى الريف، فالتاجر الذي يجمع القطن سيمرر تلك الخسارة المحتملة إلى صغار المزارعين.
تشير الوثائق الأرشيفية البريطانية إلى أن الإصرار الحكومي المصري على إلغاء هذا البند حدث عندما استخدم أحد التجار الأوروبيين بند "خيار الرفض" لرفض شحنة قطن ضخمة خاصة بالملك فؤاد الأول نفسه. يتجاهل خطاب بتاريخ 13 نوفمبر 1923 من المستشار المالي لوزارة المالية إلى المندوب السامي البريطاني الأبعاد الأعمق للمسألة ويشخصن القانون ليؤكد على "اعتقاده بأن الملك كان خلف هذا القانون بدرجة كبيرة بسبب تجربة شخصية سلبية في البورصة".
وتكشف السجلات الأرشيفية أن مسؤولين بريطانيين وممثلين تجاريين شنوا حملة لتعطيل هذه الإصلاحات.
أعربت رسالةٌ من رئيس غرفة التجارة البريطانية بالإسكندرية، مؤرخة في 3 نوفمبر 1923 وموجهة إلى الملحق التجاري البريطاني في القاهرة، عن معارضة لأي تدخل حكومي في أساليب التجارة القائمة. ودافعت الغرفة عن نظام البيع عند الطلب باعتباره أساسيًا للمصدرين ومصانع النسيج الأجنبية.
تقول الرسالة نصًا:
"بينما الغرفة لا ترغب في تقديم رأيها فيما يخص التعاملات 'عند الطلب' بين الباعة والمشترين في مصر، لكنها تعتبر أن أي محاولة لمنع مصدري القطن في هذا البلد من البيع 'عند الطلب' كتدخل في التجارة الشرعية وستؤثر بشدة على مصالح التجار".
يكشف أيضًا محضر داخلي سري صادر عن مقر الإقامة البريطانية بالقاهرة بتاريخ 8 نوفمبر 1923، والمتعلق بمداولات تشريع تنظيم بورصة وسوق القطن، المقترح من قبل الحكومة المصرية لتنظيم السوق، عن إقرار شخص يدعى السيد مزراحي (وصف كمدير لمؤسسة لويدز المالية في مصر) سرًا بأن كبار التجار الأجانب يمارسون التلاعب بالسوق ويستغلون بند "خيار الرفض" لتثبيط الأسعار قسرًا عند الإغلاق ورفض الشحنات دون أي مبرر تجاري، واصفًا هذه الممارسات بـالممارسات الفاضحة/scandalous practices، إلا أنه سارع إلى تجريد التشريع المقترح من الجانب المصري شرعيته الاجتماعية، وادعى مزراحي أن هذا القانون صُمم لصالح الملاك الأثرياء والباشوات ممن يملكون أكثر من ألف فدان، زاعمًا أن الفلاح الصغير يبيع محصوله نقدًا في القرية ولا يعنيه هذا التنظيم، وأنه لا يرى أي مبرر لحماية الملاك الأثرياء، متجاهلًا التأثير غير المباشر على أسعار كل الأقطان جراء هذه الممارسة.
وفي الوقت نفسه، دافع إدوارد كرو، ممثل شركات الرهن العقاري والائتمان عن عقود "البيع عند الطلب"، رافضًا أي محاولة لحظرها بوصفها محاولة "سخيفة". بل وذهب كرو إلى ادعاء مظلومية الدائنين والبيوت التجارية الأجانب الذين يتحملون مخاطر أكبر من البنوك، متذمرًا بـ"أن القوانين في مصر تحمي الفلاح دائمًا"، مضيفًا في حسرة أن شركته التي تقرض الأموال بفائدة معقولة نادرًا ما يُسمح لها بنزع الملكية، حتى عندما يتعمد المدين عدم سداد أي مليم لسنوات والاحتيال عليهم.(***)
كشفت هذه المقاومة البريطانية لتنظيم السوق المصرية عن تناقض مع سوابق السياسة البريطانية نفسها، فقبل خمس سنوات فقط، عندما هددت أسعار القطن المرتفعة مشتريات الجيش البريطاني وهوامش ربح مصانع الغزل في لانكشاير، تخلت السلطات البريطانية عن مبادئ التعاقد "الحر"، وأممت التجارة بالكامل وعطلت العقود الآجلة وفرضت أسعارًا ثابتة.
الاقتراب من الشيوعية بسبب القطن
دفع السعي البريطاني لخفض سعر القطن السلطات الإمبراطورية في عام 1921 إلى التفكير في التعاون مع الاتحاد السوفيتي الناشئ. ففي غمرة خوف العالم الرأسمالي من تصدير الثورات الاشتراكية، أبدت لندن انفتاحًا على طلب سوفيتي لزيارة مصر والاستفادة من خبراتها الزراعية لتوسيع إنتاج القطن في تركستان السوفيتية والقوقاز، وذلك انطلاقًا من رغبة بريطانية في زيادة المعروض من القطن للضغط على أسعاره لصالح المغازل البريطانية.
وتتضح معالم هذه المحاولة في خطاب وجهه الدبلوماسي السوفيتي نيكولاي كليشكو بناءً على تعليمات رئيس البعثة التجارية السوفيتية ليونيد كراسين إلى الدبلوماسي البريطاني البارز إزموند أوفي بتاريخ 26 يونيو 1921؛ إذ سعى السوفيت لتعزيز زراعة القطن المحلي عبر إرسال بعثة تضم ثلاثة خبراء متخصصين إلى مصر لدراسة أساليب الزراعة ميدانيًا، مستندين إلى الاتفاقية التجارية الروسية البريطانية، حيث ورد في الخطاب: "مما لا شك فيه أنكم على دراية بأن روسيا قد بدأت زراعة القطن في تركستان والقوقاز مستخدمة لهذا الغرض بذورًا مصرية. وخلال السنوات السبع الماضية، شهدت زراعة القطن تباطؤًا، مما يجعلنا نمر ببعض الصعوبات في الوقت الحالي. ولغرض دراسة مسألة زراعة القطن في موقعها الميداني، ترغب الحكومة السوفيتية في إرسال هؤلاء المتخصصين الثلاثة إلى مصر"(****).
إلا أن هذا الانفتاح الاقتصادي البريطاني سرعان ما اصطدم بتوجس سياسي من صعود البلشفية وخطر تمددها في الشرق الأوسط، لتظهر الشكوك الرسمية في خطاب وجهه أوفي إلى المندوب السامي اللورد اللنبي بتاريخ 7 يوليو 1921، فإلى جانب التوضيح بأن الاتفاقية التجارية لا تمنح السوفيت حق الدخول التلقائي لمصر، حذر من أنشطة مريبة تخرج عن الهدف المعلن للزيارة، حيث جاء في الخطاب: "ستلفت حكومة صاحب الجلالة انتباه الحكومة المصرية إلى أن خبرتها مع الوفود السوفيتية لا تجعلها تعتقد أن هؤلاء الخبراء سيقتصرون في أنشطتهم على دراسة زراعة القطن، وفي ظل هذه الظروف، ربما يكون من الحكمة أن تحجب الحكومة المصرية الإذن بهذه الزيارة".
واستنادًا إلى هذه التوصية، انتهت المراسلات برفض الزيارة بسبب التوجس من تحول الخبراء الزراعيين إلى عملاء سريين ينشرون الدعاية البلشفية داخل مصر في وقت كانت المنظمات الاشتراكية تشهد فيه نشاطًا، بينما تلخصت الأسباب الفنية في عدم وجود فائدة عملية للزيارة نظرًا لاختلاف المناخ ومواسم النمو بين مناطق الزراعة السوفيتية التي تعتمد على أصناف سريعة النمو من السلالات الآسيوية والأمريكية، والظروف المصرية التي تتطلب مواسم نمو طويلة لزراعة القطن طويل التيلة.
أكدت الهواجس البريطانية الخلفية الحافلة لـنيكولاي كليشكو -مُحرر الطلب- الذي صُنّف لدى الأجهزة البريطانية كأحد أخطر "كوادر التخريب والدعاية الشيوعية"؛ إذ تشير وثائق الخارجية والسجلات الأمنية البريطانية إلى أن كليشكو:
"عاش في إنجلترا قبل ثورة 1917 كمنفي سياسي، وتزوج من امرأة إنجليزية، وكان على تواصل مع أكثر أنواع الفكر الاشتراكي راديكالية وتقدمية. وفي عام 1918 تم ترحيله مع مكسيم ليتفينوف إلى موطنه الأصلي، ليعود مجددًا عام 1920 برفقة ليونيد كراسين كسكرتير للبعثة التجارية الروسية وشخص يتمتع بالحصانة الدبلوماسية.
وفي عام 1923، تم التثبت من السبب الحقيقي لوجوده في بريطانيا العظمى؛ حيث ثبت أنه كان المسؤول عن تنظيم الدعاية التخريبية، مما دفع اللورد كرزون إلى إبلاغ البلاشفة بأن وجوده لم يعد مرغوبًا فيه، ليتم سحبه على الفور.
عُيّن بعد ذلك لفترة في وزارة الخارجية بموسكو، ثم أُرسل كأداة تابعة للأممية الشيوعية إلى الصين، حيث عمل هناك مع ميخائيل بورودين خلال عامي 1924 و1925 كأحد أبرز العُملاء الثوريين. وأخيرًا، وبعد أن كُشفت أنشطته مجددًا، تم إبعاده بناءً على طلب السلطات البريطانية، قبل أن يعود إلى إنجلترا مجددًا خلال الأسبوعين الماضيين".
لم تقتصر السياسة الاستعمارية لإدارة اقتصاد القطن على أساليب كبح قيمة القطن المصري المعتمدة على التسعير الجبري وتلاعبات البورصة، بل امتدت لتشمل شبكة أوسع من أدوات استخلاص القيمة، بدءًا من شبكات الوساطة المالية والبنوك التجارية، مرورًا بشروط الرهن العقاري والديون، وصولًا إلى عمليات الاستيلاء على الأراضي.
ستمثل الآليات المصرفية لاستخلاص القيمة محور المقال القادم حيث عملت كأداة مركزية لمصادرة فائض قيمة الأرض والعمل البشري، حالت دون جعل اقتصاد القطن مصدرًا محتملًا للتراكم الرأسمالي الوطني معززة مكانته أداةً لتغذية التراكم في الصناعة والقطاع المالي في المركز.
(*) الأرشيف الوطني البريطاني، سجلات وزارة الخارجية (FO 141)، ملف رقم FO 141/636/6، الوكالة البريطانية بالقاهرة: "سوق القطن بالإسكندرية" (Alexandria Cotton Market)، برقية رقم 705 بتاريخ 4 يوليو 1917، وثيقة 219/8.
(**) الأرشيف الوطني البريطاني، سجلات وزارة الخارجية (FO 141)، ملف رقم FO 141/450/9، دار الإقامة البريطانية بالقاهرة: مذكرة مستلمة من السيد "كارفر" إلى السيد "سكوت" بعنوان "شراء العقود في القرى" (Buying Over Contracts in Villages)، ختْم المندوب السامي بتاريخ 1 نوفمبر 1923، ملف رقم 291/17.
(***) الأرشيف الوطني البريطاني، سجلات وزارة الخارجية (FO 141)، ملف رقم FO 141/636/6، الوكالة البريطانية بالقاهرة: "سوق القطن بالإسكندرية" (Alexandria Cotton Market)، ملف سري رقم 219.
(****) الأرشيف الوطني البريطاني، سجلات وزارة الخارجية (FO 141)، ملف رقم FO 141/450/9، القاهرة، 1921، ملف رقم 13534: "رغبة الحكومة السوفيتية في إرسال خبراء زراعة القطن إلى مصر".