كيف تتحرر المعارضة من زمن مبارك؟
الإجابةُ شبهُ متفقٍ عليها بـ"نعمٍ" قاطعةٍ على سؤال: هل تتحمل قوى المعارضة المدنية الديمقراطية في مصر جزءًا من المسؤولية عما آلت إليه الحياة السياسية؟ ورغم تفاوت التقديرات حول حجم هذه المسؤولية، وتعدد العوامل الأخرى، على رأسها سياسات السلطة وممارساتها، تظل الإجابة المبدئية والبديهية ثابتة دون شك.
لكن السؤال الأهم والأجدى، وربما الأكثر نفعًا إذا شئنا الانتقال من المربع الصفري أو السالب الذي نقف فيه، هو ماذا تستطيع المعارضة المدنية الديمقراطية تقديمه لتجاوز الحالة الراهنة من ضعف وهشاشة وعجز؟ هذا السؤال الذي يستحق جهدًا جماعيًا دون إلغاء ولا جور على النقد الواجب والمستحق، شرط أن يكون جادًا وموضوعيًا، تكاد الإجابات الجادة تغيب عنه، أو تبقى في أفضل الأحوال محدودةً، في ظل كل ما هو معلوم بالضرورة من إغلاق المجال العام، وحصار حريات التنظيم والحركة والتشريعات المقيدة، واستخدام سلاح السجن وغيرها من الأسباب التي ساهمت بشكل رئيسي في انصراف واسع عن المشاركة السياسية المنظمة.
رياح.. ولا أشرعة
رغم الازدياد الملحوظ للمعارضة الاجتماعية في السنوات الأخيرة لسياسات السلطة، فإنها لم تنعكس على المعارضة السياسية، سواء الحزبية أو الجبهوية، وهو أمر يستحق التأمل والتفكير والتفسير. صحيح أن جانبًا كبيرًا من العزوف عن المشاركة في العمل السياسي المنظم يرجع لكونه في كثير من الأحوال مغامرة غير مضمونة العواقب تهدد الأمان الشخصي للمشاركين، بقضاء سنوات في السجون لأسباب لا تمت للجرائم الحقيقية بصلة.
إلا أن هناك جوانب أخرى لا يمكن التغاضي عنها، سواء فيما يتعلق بالثقة في قدرة تشكيلات المعارضة السياسية القائمة على التأثير أو الفعل، أو مواقف سابقة لها ولقادتها ورموزها كانت محل خلافات أثرت بدرجة أو أخرى على مصداقيتها، بما في ذلك حملات تشوية متعمدة في بعض الأحوال، أو لأسباب تتعلق بمدى الديمقراطية الداخلية لتلك التنظيمات ومدى اتساق خطابها المعلن مع ممارساتها الداخلية.
هذا الضعف له أسباب ذاتية أيضًا لا يجب إنكارها أو تجاهلها
هشاشة المعارضة المدنية الديمقراطية ليست جديدةً، كما أنها لم تستفد بالشكل الأمثل من الفرص التي أتيحت لتجاوزها بعد ثورة يناير. بالتالي لا يجب إنكار أسباب الضعف أو تجاهلها؛ ليس من أجل البحث عن سبل تجاوز أزمات اللحظة الراهنة فقط، إنما بحثًا عن دور وأثر حقيقي في مستقبل هذا البلد لقوى مدنية ديمقراطية لها جذور شعبية واجتماعية بشكل حقيقي.
واجبات مؤجلة
شهدت مصر منذ 25 يناير 2011 وحتى الآن أحداثًا كبيرة وجسيمة، وخاضت قطاعات عديدة في المجتمع المصري تجاربَ ذات أثر عميق سواء كان ملحوظًا ومحسوسًا على السطح أم لا.
في خضم التغيرات الاجتماعية والاقتصادية العميقة، وأيضًا التحولات الكبيرة دوليًّا وإقليميًّا، بدا غائبًا عن القوى والتيارات السياسية دراسة كل ذلك والتفكير في آثاره المباشرة وغير المباشرة، فضلًا عن تطوير برامجها وخطابها ومواقفها بناءً على هذه المستجدات، لتكون هذه الخطوة الأولى نحو تحسين وضعها، ليس فقط على الصعيد النظري، وإن كان مهمًا، إنما باعتباره مقدمة لما هو عملي أيضًا.
بدا ذلك كله جانبيًا، لم تتوفر مراجعات حقيقية معلنة تعبر عن حصاد نقاشات جماعية منظمة، ولم يطرح تطوير برامجي أو سياسي أو فكري لدى أغلب إن لم يكن كل التنظيمات السياسية المعارضة، ولم نلحظ تغيرًا واضحًا في خطاب ومواقف أغلبها التي تبدو، رغم أن بعضها تأسس فعليًّا بعد ثورة يناير، لا تزال في زمن حكم مبارك.
لا مجال للتعميم هنا؛ هناك بعض مراجعات، وبعض تطوير، واجتهادات وتحليلات من البعض الآخر، لكنها تبقى دون ملامح لتجارب متبلورة ومعلنة نابعة من عمل سياسي منظم بشكل جماعي. ورغم أن ذلك قد يبدو ترفًا من وجهة نظر البعض، أو ليس أولوية برأي البعض الآخر، في ظل كل التحديات والمشكلات والقيود التي تواجهها القوى المعارضة في مصر، فإن هذه المراجعات، وهذا التطوير، هما الخطوة الأولى لتغيير أوضاع المعارضة، ليس فقط على الصعيد النظري، وإن كان مهمًا، وإنما باعتباره مقدمة لما هو عملي أيضًا.
أدوات جديدة
ليست القيود المفروضة على الحياة السياسية بجديدة، فمصر لم تحظَ عبر تاريخها الحديث بحرية سياسية ومناخ ديمقراطي ومجال عام مفتوح إلا على سبيل الاستثناء.
قد يبدو الفارق كبيرًا في حجم القيود وكثافتها وتقنينها وطرق وأساليب ممارستها والأثمان المدفوعة بسببها، لكن المعارضة امتلكت أساليب لمواجهة ذلك على مر العصور، وكانت لكل مرحلة أدواتها الجديدة والمبتكرة.
الأوضاع القائمة رغم صعوبتها ومخاطرها تحتاج لمساحات جادة من الانفتاح السياسي
لا يعقل في ظل الأوضاع الراهنة أن تقف أدوات المعارضة قاصرةً ومحدودةً عند ما صار تقليديًّا مثل التظاهر والمؤتمرات المحاصرة في المقرات أو البيانات التي لا يقرأها إلا قلة، وذلك لا يعني أن تلك ليست حقوقًا ينبغي الدفاع عن الحق في ممارستها، أو أدوات قد تصلح في بعض الأحوال، لكن دون الاقتصار عليها.
من هنا تأتي أهمية أن يكون واضحًا ومحددًا للمعارضة من هو جمهورها، وما القطاعات التي تستهدفها بخطابها ومواقفها، بالطبع حسب الطبيعة الفكرية والسياسية لكل حزب وبرنامجه وانحيازاته، لأن هذا على الأرجح ما سيحدد بدرجة كبيرة الوسائل والأدوات الأنسب والأكثر ملاءمة، وبما في ذلك القدرة على التواصل مع الأجيال الجديدة بالأدوات الأقرب والآليات الأنسب لهم.
تجديد المعارضة
لا إمكانية لأي مما سبق، وهو ليس إلا بداية ممكنة، بغير أمرين معًا؛ قدرة على الاعتراف المشترك بالمسؤولية والأخطاء من طرف قيادات ونخب المعارضة المدنية الديمقراطية، والاستعداد لمشاركة أطراف أكثر تنوعًا وأجيال أكثر حداثةً لا في النقاش فقط إنما في الفعل والقرار.
في الوقت نفسه؛ لا بد من بعض الموضوعية في النقد الواجب والمستحق، فلا يتحول أحيانًا إلى ما يقرب من السلخ والجَلد، خصوصًا من أولئك المحسوبين على المعارضة الذين يقدمون النقد من خارج الأطر القائمة، بدلًا من أن يساهموا ويشاركوا إذا كان لديهم الاستعداد لذلك، أو يبادروا لدورهم وواجبهم في طرح أو محاولة أو حتى التفكير في أطر جديدة وبديلة تعبر عن رؤاهم وتصوراتهم وأفكارهم.
المؤكد في كل الأحوال أن الأوضاع القائمة رغم كل صعوباتها ومخاطرها تحتاج لمساحات جادة من الانفتاح السياسي، وذلك لن يتحقق فقط بالمناشدات والمطالبات، وإنما بوجود أطراف منظمة قادرة على الضغط من أجل ذلك والسعي له.
المؤكد أيضًا أن هناك فراغًا سياسيًّا قائمًا منذ سنوات، لا تستطيع المعارضة بأوضاعها الراهنة أن تملأه مهما كانت طيبة نواياها وإخلاص القائمين عليها، لذلك فهي تستحق مراجعة جادة لتلك الأوضاع، وتطويرًا حقيقيًّا لأفكارها وخطابها وأدواتها بما يمكنها من إعادة اكتساب ثقة ومصداقية لدى قطاعات اجتماعية مختلفة، وبناء جاد لمكوناتها وأطرها التنظيمية. بالمقابل لن يستطيع منتقدوها ملء الفراغ إلا بمشاركتهم في تطوير أوضاع تلك المعارضة أو طرح أفكارهم وتجاربهم البديلة.
مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.
