تصميم سيف الدين أحمد، المنصة، 2026
الست منيرة ومقهاها في حي الخليفة

حكايات منسية في مقهى الست منيرة

منشور الأحد 13 أيلول/سبتمبر 2026

على بعد خطوات من مقام "السيدة سكينة"، تجلس الست منيرة أمام باب مقهاها الصغير بشارع الخليفة،  تستقبل زبائنه بوجهٍ محمل بالتجارب، وعيون تتأرجح بين البشاشة والأسى، وذاكرة تحمل بقايا أزمنة اندثر أكثرها، ويحاول قليلها الإفلات من مطرقة الهدم العاملة في القاهرة التاريخية على مدار السنوات الماضية باسم التطوير العمراني.

تعتدل منيرة في جلستها وهي تسرد في زهوٍ قصة بطولة جدها الفتوة محمد الإسكندراني الذي حصل على نيشان وتكريم من الملك فاروق، بعد التصدي لـ"الغضنفر" ذلك الهجام وقاطع الطريق الذي عجزت الشرطة عن التخلص منه إلا بعد مساعدة جدها الذي تربص له عدة أيام في الجبل بمنطقة قلعة الكبش حتى استطاع القضاء عليه.

تعرف المرأة، التي تجاوزت عقدها الستين، ما غاب وما خفي من تاريخ المنطقة وناسها، وتحجز مكانة متقدمة بين أقرانها لما تملكه من مخزون تجارب وذكريات، وما أتيح لها من الوجود في الشارع والقدرة على التذكر وسرد الحكايات، فحفظ الذاكرة كان ولا يزال أحد أهم أدوار النساء، في الأحياء الشعبية على الأخص.

بوعي أو بدونه، تتناقل النساء حكايات الماضي القريب، كنوعٍ من مقاومة تجاهل أدوارهن في السرديات المعممة، وهو ما يسمح لنا بالوصول إلى المعرفة الغائبة والمسكوت عنها، وتضمين أصوات النساء المستبعدة، وملء فراغات السردية الرسمية التي دائمًا ما تعكس تاريخًا ناقصًا.

كما نعرف من باتريشا ليفي في بحثها "ممارسة التاريخ الشفاهي النسوي"، فإن الارتباط العضوي بين التاريخ الشفوي والفكر النسوي يتجاوز عملية تضمين معارف النساء، إلى النظر في العلاقة بين الفرد والمجتمع، ومن ثم يُستخدم التاريخ الشفوي طريقةً لتجاوز الفجوة بين التجارب الشخصية للنساء والسياق الاجتماعي الذي تتم خلاله هذه التجارب.

ذاكرة مهددة بالزوال 

يقع حي الخليفة في قلب القاهرة التاريخية، حيث التراكم التاريخي لسلسلة التجمعات العمرانية التي ظهرت تباعًا منذ القرن السابع الميلادي مع تعاقب صعود قوى سياسية وثقافية واقتصادية إلى رأس السلطة في مصر.

هناك التقيت الست منيرة لأول مرة في سياق العمل مع جمعية الفكر العمراني "مجاور" على التحسين العمراني لسوق حي الخليفة في صيف 2022. جلست بالمقهى الذي ورثته عن جدها في جو يسوده التوتر نتيجة أعمال الهدم والحفر المستمرة داخل شارع الخليفة، وشاركت رواده جلسات السمر.

في هذه المرة، كما في مرات الزيارة المتوالية، استمتعت بسرد منيرة لمحات من تاريخ الحي، حيث تتماس ذكرياتها الخاصة مع الذاكرة العامة لحي الخليفة، بل وذاكرة مدينة القاهرة بشكلٍ عام.

شهد حي الخليفة سلسلة من التدخلات العمرانية التي أعادت رسم أجزاء من الحي، تراوحت بين إزالة مبانٍ وإخلاء سكان وتطوير مسارات الحركة والمناطق المحيطة بالمواقع الأثرية. 

تعبر الست منيرة عن شعورها بالأسى لما يتعرض له الحي من عمليات الهدم المنظم للمنازل، وما ترتب عنه نزع الشعور بالأمان عن الحياة اليومية، لكنها في الوقت نفسه تشير إلى كونها مشمولة بالرعاية والأمان لمجاورتها السيدة سكينة.

تُقر منيرة بنظرة واقعية لضرورة الانصياع للتغيير العمراني، إن كان في صالح الناس، غير أنها تلوم على عمليات التحسين العمراني التي تمت في شارع الخليفة، كونها أضرت أهل المنطقة من أصحاب المحال التجارية والمقاهي أكثر مما أفادتهم.

على سبيل المثال، جرى توحيد واجهات المحال، وهو ما أثر على مقهى منيرة بشكل مباشر؛ أزالت إدارة الحي التندة عن واجهة المقهى، فاستحالت إمكانية الجلوس أسفلها في النهارات الصيفية، وهو ما أثر بدوره على تراجع الإيرادات اليومية.   

هنا تحديدًا تظهر واحدةٌ من أفكار باتريشا ليفي، حول العلاقة بين الباحث والمبحوث. هذه العلاقة التي تظل في حالة نمو وتغير مستمر نتيجة التقلبات التي تطرأ على الميدان البحثي. فما يبدأ بالتعارف، ويُبنى على التفاعل البناء، قد ينتهي إلى الجفاء وعدم الاستلطاف، وهو ما حدث بالفعل في علاقتي بالست منيرة التي ربطت بين حضوري إلى المقهى وبين إزالة المظلة عن واجهته.

وفي محاولة لترميم علاقتي بها، وإلى جانب زياراتي المتباعدة للمقهى، كان عليّ الاستعانة بالزميلة إسراء أسامة الباحثة المتخصصة في توثيق ودراسة التراث غير المادي، وبالفعل نجحت إسراء في بناء علاقة بحثية ممتدة مع الست منيرة وإجراء عدة مقابلات معمقة ما بين عامي 2023-2024، نفذت من خلالها إلى أزمنة اجتماعية مندثرة عصية على التوثيق. 

مجاورة آل البيت وخدمتهم

تعتز منيرة بمجاورتها مقام السيدة سكينة بنت الحسين بنت علي بن أبي طالب، حفيدة فاطمة الزهراء بنت النبي. تحرص في كل عام على إقامة صوان يجتمع فيه المنشدون والمداحون ومحبو الست سكينة من المنطقة وخارجها الذين يقصدون مقامها للتبرك وطلب المدد وتقديم النذور والعوايد.

اعتادت منيرة في شبابها أن تجوب الموالد التي تحفظ مواعيدها عن ظهر قلب، بالأخص مولد إبراهيم الدسوقي في دسوق والليلة الكبيرة التي تمتلئ بالمرح والبهجة، إلى جانب مولد الرفاعي الذي يتميز دون غيره بوجود الرفاعية والحواة الذين يحملون على أيديهم وحول أكتافهم الثعابين التي يمررونها على أجساد الناس دون أن تصيبهم بأذى.

لا يمكن تصور حياة نساء القاهرة التاريخية دون النظر إلى تعلقهن التاريخي بزيارة الأضرحة والأولياء، وبالنظر إلى كتاب المرأة في مصر المملوكية يمكننا تتبع الرحلات اليومية لنساء القاهرة التاريخية إلى زيارة القرافة، حيث اعتدن الخروج إلى القرافة في المواسم والأعياد وفي ليالي الجمعة من كل أسبوع.

عالم نسائي مندثر في الخليفة

حكت منيرة في إحدى المرات عن صباها وعملها كوافيرة. تعلمت الشغلانة على يد أسطى قديم، وشقت طريقها في المهنة حتى باتت إحدى أبرز أسطوات الكوافير في الخليفة وصاحبة محل في شارع محمد كريم خلف قسم الشرطة. تتردد عليها نساء شارع محمد علي لما وصلت له من إتقان الصنعة.

تستعرض منيرة مهارتها في التمييز بين شعور النساء وقدرتها على التعامل معها جميعًا، بالإضافة إلى قدرتها على مجاراة التغيرات التي تطرأ على قصات الشعر النسائية من جيل بعد جيل، حتى أن بعضًا من طلبة كليات ومعاهد السياحة والفنادق تدربوا على يدها. كما تشير إلى خبرتها في تجهيز العرائس، حيث كانت تضطر في موسم الزواج الصيفي للعمل على تجهيز 8 عرائس في ليلة واحدة، وفي هذه الحالة كانت تعتمد على الصبي (المساعد) في إتمام عدة خطوات وتكتفي بوضع اللمسات النهائية.

كما تنقل لنا صورة من حياة النساء داخل الحمامات الشعبية التي تلاشى وجودها تدريجيًّا من القاهرة القديمة، وتسرد كيف كانت نساء الخليفة يقضين الساعات داخل الحمام في تنظيف أجسادهن وحفها وعمل نقوش الحنة، وتشير إلى عمليات التداوي المعروفة بـ"فركة كعب"، التي تتم على يد "بلانة" تضغط على منطقة الحوض بحركات احترافية تساعد على تشافي الرحم وتزيل عنه "نفخة الشيطان" بعد العادة الشهرية وبعد الولادة، بالإضافة إلى زفة العروسة إلى الحمام التي تدخل البهجة على جميع النساء.

بقايا من زمن الفتونة

تتذكر منيرة جدها محمد الإسكندراني، الذي كان يمتلك المقهى ولم يرث عنه والدها الصنعة، إذ كان يعمل في المصانع الحربية، ليتولى أخوها إدارة المقهى من بعد موت الجد. وإثر وفاة الأخ، اضطرت هي لتحمل مسؤوليته بمساعدة زوجها "عم علي"، خاصة أن مهنتها الأصلية كوافيرة كان قد تراجعت، بل ومضى زمان رواجها بعدما انتقلت العوالم من شارع محمد علي إلى منطقة الهرم، فتغيّر معها مصدر دخلها الأساسي.

جدها الإسكندراني كان فتوة الخليفة؛ تصور لنا منيرة مشاهد من عالم الفتوات الذين عرفناهم عبر روايات نجيب محفوظ، خاصة ملحمة الحرافيش.

وإن كان العصر انقضى، فإن ظلًا له لا يزال قائمًا في سرد منيرة عن جدها وسطوة حضوره في الحي، ودوره الرئيسي في زفة مولد السيدة سكينة، والمحبة الكبيرة التي يكنها له أهل الحي بعد أن سخر قوته من أجل نصرة المظلوم والضعيف. ويتذكر كبار السن في المنطقة كيف تصدى جدها للجزار الذي بطش ببائع الخضار، وكيف أمر "فتوة الحتة" برد الضربة للجزار المعتدي أمام الجميع.

على هذا النحو تشتبك منيرة مع الصورة الذهنية السائدة عن الفتوة باعتباره أداةً للبطش تارة ويد العدالة تارة أخرى، فللفتوة اليد العليا داخل حارته، يتصرف فيها تصرف الحاكم المطلق ينهب الأقوات ويفرض الإتاوات، لكنه في الوقت نفسه يرد الحقوق إلى الضعفاء ويفرج عن الناس كرباتهم في الأزمات ويسد حاجتهم في الموالد والمناسبات.

بينما تتوارى هذه العوالم مع هدم البيوت وتغير ملامح الحي، تظل ذاكرة منيرة واحدة من القلائل التي تحفظ ما لم تكتبه السرديات الرسمية عن الخليفة وأهله وناسه.