تصميم سيف الدين أحمد، المنصة 2026
ما زال قطاع واسع من المواطنين يعانون في الحصول على معاشهم بكرامة

الحكومة وعقوبة "التقدم في العمر"

منشور الثلاثاء 11 آب/أغسطس 2026

رغم الوعود المتوالية بحل الأزمة، ما زال قطاع واسع من المواطنين يعانون في الحصول على معاشهم بكرامة منذ بدء تطبيق منظومة التأمينات الإلكترونية الجديدة في فبراير/شباط الماضي، دون أن تُثمر المناقشات التي جرت في لجنة القوى العاملة بمجلس النواب، بحضور مسؤولي الهيئة العامة للتأمينات الاجتماعية، عن أي حلول، في انتهاك صريح لحق المواطن في الحصول على مستحقاته بطريقة آدميته.

هل تستحق هذه المشكلة كل هذا الوقت لحلها؟ أم أنه سوء تعامل مع حقوق كبار السن بشكل عام، وعدم تقدير لمدى احتياجاتهم وما يمثل المعاش من أهمية، خصوصًا أن المعاش ليس هبة أو إعانة اجتماعية، بل هو أقل القليل الذي يحصل عليه المواطن نتيجة الوفاء بالالتزامات القانونية وسداد الاشتراكات السنوية عبر سنوات العمل المضنية؟

تعد هذه القضية بطريقة معالجتها نموذجًا كاشفًا عن  فلسفة وطبيعة تعامل مؤسسات الدولة مع كبار السن، باعتبار احتياجاتهم مشكلةً وعبئًا.

فنظريًا، يُفترض أن يمثل قانون "رعاية حقوق المسنين" الصادر في أبريل/نيسان 2024 مظلةً قانونيةً متكاملةً لمن هم أكبر من 65 عامًا (سن المعاش سنة 2040)، تضمن لهم حقوقًا أساسية تشمل الرعاية الصحية والدعم الاجتماعي وتيسير الحصول على الخدمات الحكومية، والحماية من الإهمال والعنف والاستغلال. لكن رغم مرور أكثر من عامين على إقرار القانون، لم تصدر لائحته التنفيذية بعد، بالمخالفة لمادته الثانية التي تُلزم رئيس الوزراء بإصدارها خلال ستة أشهر من نشر القانون، أي قبل 4 أكتوبر/تشرين الأول 2024.

موادُّ مهملةٌ

يثير تعطّل القانون يثير علامات استفهام: هل صدر بغير رضا الحكومة؟ لا يبدو احتمالًا مُرجَّحًا بالنظر إلى واقع التشريع في مصر، الذي تلعب فيه الحكومة دور صانع القوانين ومقترحها وممررها عبر البرلمان. هل أدركت الحكومة بعد صدوره أنها غير قادرة على الوفاء بالالتزامات المحدودة جدًا الواردة فيه؟

اعتمد القانون وقبله الدستور كلمة "المسنين" بما تحمله من دلالات سلبية، تؤشر على نهاية الرحلة

بلغ عدد المسنين الذين تتجاوز أعمارهم 65 سنة نحو 9.8 مليون مسن عام 2025، بنسبة 9.1% من إجمالي سكان مصر، مقارنة بـ9.3 مليون مسن بنسبة 8.8% من إجمالي السكان عام 2024. والعدد قابل للزيادة مستقبلًا بسبب التغيرات الديموغرافية.

ولأنهم من الفئات الضعيفة التي تحتاج حماية خاصة ومتميزة بسبب أوضاعهم الصحية والمادية، تزايد الاهتمام بحقوق كبار السن على المستويين العالمي والمحلي.

تتكون المادة 83 من الدستور المصري من جزءين، أولهما يضع على عاتق الدولة ضمان سبعة التزامات متعلقة حقوق المسنين، أهمها توفير معاش مناسب يكفل لهم حياة كريمة ودون أي شروط مرتبطة بالقدرة أو الحاجة المالية، وكذلك ضمان حقوقهم صحيًا واقتصاديًا واجتماعيًا وثقافيًا وترفيهيًا وتمكينهم من المشاركة في الحياة العامة. أما الجزء الثاني جاء أقل من حيث قوة الإلزام وخاص بمراعاتهم عند تخطيط المرافق العامة، وتشجع منظمات المجتمع المدني على المشاركة في رعاية المسنين.

معضلة التسمية

اعتمد القانون وقبله الدستور كلمة "المسنين" بما تحمله من دلالات سلبية، تؤشر على نهاية الرحلة والحاجة إلى المساعدة وكثرة الأمراض، بعكس "كبار السن" التي قد تحمل دلالات لها علاقة بالمعرفة والخبرة والحكمة والإلهام. فالتوجهات العالمية الحديثة، ومنها اللجنة المعنية بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التابعة للأمم المتحدة تبنت استخدام كبار السن لكونها خالية من التمييز والوصم الاجتماعي، والتركيز على المرحلة العمرية كجزء طبيعي من تطور الإنسان دون ربطها بالمرض أو الضعف.

في نفس السياق، من هو الشخص الذي يصبح "كبير السن"، حيث تعتمد بعض الدول سن التقاعد والإحالة للمعاش، والذي عادة ما يكون 60 أو 65 عامًا، وهو ما أخذت به مصر بالرغم أن بعض المهن قد يكون من الصعب ممارستها في عمر أقل من ذلك بكثير، مثل العاملين في الزراعة أو البناء.

الاختلالات ليست قاصرة على بعض الممارسات كتلك التي يعاني منها أصحاب المعاشات في الحصول عليه

وتبنت منظمة العفو الدولية رؤية قائمة على أن كِبَر السن هو مفهوم اجتماعي يتغير في سياقات وأوضاع معينة. ويصح هذا بشكل خاص نظرًا لأن الناس يعيشون حياة أطول وفي صحة أفضل، ما يغيّر التصورات والقوالب النمطية حول كبار السن في مجتمعات عديدة. وقد يُنظر إلى الأشخاص في أواخر الأربعينيات أو الخمسينيات من عمرهم على أنهم عمال كبار في السن ويواجهون التمييز عندما يتقدمون بطلبات للحصول على وظيفة جديدة. بيد أن الشخص نفسه قد لا يُنظر إليه ككبير في السن في دائرته الاجتماعية أو في عيادة الطبيب.

قبل تناول المشاكل التي يواجه كبار السن في مصر وطريقة تعامل القانون والحكومة معها، علينا التذكير بأن الجمعية العامة للأمم المتحدة اعتمدت مجموعة من المبادئ متعلقة بكبار السن، ارتكزت على الوقاية من الفقر وتهيئة ظروف معيشية ملائمة.

وتأتي في مقدمة هذه المبادئ الاستقلالية، بمعنى أن يتحكم في حياته وموارده، وله الحق في العمل والحصول على ما يكفي من متطلبات المعيشة والوصول إلى الخدمات الأساسية. كذلك مبدأ المشاركة، فهم ليسوا متلقين أو تابعين، يجب أن يكون لهم دور في صياغة وتطبيق السياسات التي توثر بشكل مباشر في أسلوب معيشتهم، وبما يتيح تبادل المهارات والمعلومات التي اُكتسبوها طوال حياتهم. كما رسخت مبدأ الرعاية القائم على ضمان الحماية والدعم عند الحاجة، بما يضمن لهم السلامة الجسدية والذهنية والوقاية من الأمراض.

فجوة الحقوق

نعود إلى واقعنا المصري، فالاختلالات أكثر من مجرد أخطاء للسيستم تتعلق ببعض المشكلات المتفرقة مثل معاناة أصحاب المعاشات في الحصول عليها، بل تبدأ مع طريقة تحديد قيمة المعاش، والفجوة الرهيبة بين الأجر والمعاش، وتدني نسب زيادته السنوية بشكل غير معبر عن معدلات التضخم الفعلية، فضلًا عن ملايين المصريين الذين قضوا حياتهم كعمالة غير منتظمة أو خارج نطاق الحماية التأمينية، بالتالي بلا دخل ثابت، مما يلقي بهم في دائر الفقر.

الدستور نص على معاش وليس مساعدة، ولم يجعلها مشروطة، أو يمنحها بشهادة "فقر"

عمل قانون رعاية المسنين على تقسيمهم إلى نوعين طبقًا للقدرة المالية، لا الحالة الصحية أو السن مثلًا. وترتب على هذا التقسيم منح امتيازات وإعفاءات لنوع وحرمان النوع الآخر منها، بدون النظر إلى تدرج الإمكانيات المادية للكبار السن وأسرته، أو أهمية الخدمة المقدمة وضروريتها.

فلدينا "المسن الأولى بالرعاية"، غير القادر على بنفسه أو بمعرفة أحد أفراد أسرته على تأمين ما يكفيه لسد الحد الأدنى من الاحتياجات الأساسية، فيحصل بالتالي على مساعدة ضمانية شهرية في حال عدم حصوله على معاش تضامني. أما النوع الثاني، وهم -حسب التعريف- ليسوا الأولى بالرعاية، فحُرموا من كثيرٍ من الحقوق والإعفاءات مثل إعفاءات المواصلات العامة وغيرها.

تخلق هذه الطريقة عدة إشكاليات: لماذا نوفر فقط الحد الأدنى من الاحتياجات، لما لا يكفي المسن أن يعيش جياةً كريمةً؟ كما أن الدستور نصَّ على معاش لا مساعدة، ولم يجعلها مشروطة، أو يمنحها بشهادة "فقر". إن استخدام مساعدة ضمانية شهرية يجعل الأمر صوريًا وغير مستقر ولا يرتبط بالاحتياجات الفعلية. كان من الأفضل أن تكفل الدولة معاشًا تضامنيًا لمن ليس لديه معاش، ويكون مرتبطًا بالحد الأدنى للمعاشات أو الأجر السائد.

نفس الأمر في مجال الصحة، من حيث ضرورة أن تسهل نظم التأمين الصحي الحصول على العلاج والرعاية والحماية من الأمراض، وهي أمور لا يمكن أن تتم دون توفير موارد مالية كافية، ولا يمكن تصور تحققها مع ضعف المخصصات المالية للصحة في الموازنة العامة.

حقوق كبار السن لا تقتصر على إعفائهم من نصف تذكرة المترو والأوتوبيس أو حتى الإعفاء الكامل منها، رغم أهمية ذلك، كما أن إلقاء العبء على كاهل الأسر والجمعيات الخيرية فقط خطيئة كبرى وجريمة في حق هذه الفئة الضعيفة، فتهرّب بعض مؤسسات الدولة من التزاماتها لا يعفيها من المسؤولية بشكل كامل عن رعاية كبار السن وتوفير الاحتياجات الأساسية للحياة بكرامة ودون تمييز.

مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.