ما تكشفه EVE Online عن اقتصاد الحرب
رغم أن لعبة EVE Online لا تحظى بانتشار جماهيري واسع؛ فإن حروبها الافتراضية لا تغيب عن النقاشات، سواء في وسائل الإعلام أو غيرها، بسبب الخسائر الحقيقية التي يُمنى بها لاعبوها، وتقدر بمئات الآلاف من الدولارات.
تدور أحداث اللعبة داخل عالم افتراضي مفتوح عبر خادم عالمي موحد يتشاركه مئات الآلاف من اللاعبين. وهي لا تعتمد على سيناريو محدد أو نظام فوز وختام تقليدي، إنما يمنح مستخدموها حرية اختيار مساراتهم؛ سواء عبر التعدين، أو التجارة، أو القرصنة الفضائية، أو إقامة تحالفات سياسية وعسكرية للسيطرة على قطاعات كاملة من المجرة، وهو هدف اللعبة النهائي.
يكمن عنصر القوة والمخاطرة في نظام الاقتصاد المالي للعبة؛ إذ يُصنع كل منتج داخل هذا العالم بأيدي اللاعبين، وتُحدد قيمته وفق قوى العرض والطلب، مع ربط العملة الافتراضية للعبة باشتراكات وشحنات قيمة يمكن قياسها بالدولار الأمريكي. ويترتب على تدمير أي سفينة فضائية في المعارك فقدانها النهائي مع حمولتها دون إمكانية استعادتها، ما ينقل الخسائر المالية من الشاشات إلى الواقع، ويتسبب أحيانًا في ضياع استثمارات تُقدر بمئات الآلاف من الدولارات في معركة واحدة.
عندما تنفجر سفينة من طراز Titan، وهي الأضخم في اللعبة، تتجاوز الخسارة مالكها الفردي لتمتد إلى شبكة إنتاج كاملة؛ تبدأ من عمال المناجم الذين يقضون مئات الساعات في جمع المعادن والغازات النادرة، مرورًا بالمصنعين الذين يستغرقون أسابيع لمعالجتها وتجميعها، وصولًا إلى الفرق اللوجستية التي تنقل المكونات عبر مناطق فضائية خطرة عرضة للقرصنة.
بمجرد تدمير إحدى هذه السفن، ينشأ طلب فوري وهائل في السوق لشراء المواد الخام لصناعة البديل في دائرةٍ تشبه الآلية التي يعتمد عليها اقتصاد الحرب، إذ يؤدي فقدان الأصل أو استهلاكه إلى طلب إنتاج بديله، فتستفيد الجهات التي تورد البدائل.
هذه الآلية تتكشف داخل EVE بصورة أوضح وأكثر قابلةً للتتبع، من دون أن يعني ذلك أن المعارك الافتراضية تماثل الحروب التي تقتل البشر وتدمر المجتمعات، أو أن أرباح السلاح تفسر وحدها أسباب اندلاعها.
كيف يعمل اقتصاد EVE
لا يمكن فهم أرقام الخسائر في EVE من دون معرفة الطريقة التي تُنتج بها الأصول داخل اللعبة، إذ تدور الأحداث في كونٍ واحدٍ مشترك يتصل به عشرات الآلاف من اللاعبين -أغلبهم من الرجال- عبر الخوادم نفسها.
لا تمنح اللعبة اللاعبين السفن والأسلحة والذخيرة جاهزة، بل هم من ينتجونها عبر سلسلة تبدأ باستخراج الخام ونقله وتكريره، وتنتهي بتحويله إلى مكونات وسفن حين تُدمَّر واحدة منها تختفي نهائيًا، ويضطر مالكها أو التحالف الذي يملكها إلى شراء بديل أو إعادة تشغيل سلسلة الإنتاج من بدايتها.
تعتمد هذه الدورة على عملتين؛ الأولى الآيسك/ISK وهي عملة الاقتصاد الداخلي، ويحصل عليها اللاعبون من التعدين والتجارة والتصنيع والمهام، والثانية البليكس/PLEX وهي رمز تبيعه شركة CCP Games مقابل مال حقيقي، ويمكن تداوله داخل اللعبة مقابل الآيسك أو استخدامه لدفع الاشتراك.
هذا التبادل يخلق سعرًا داخليًّا يسمح بتقدير تكلفة استبدال الأصول بالدولار، من دون أن يحوّل وقت اللاعبين إلى أجر أو يتيح سحب قيمة أصولهم في صورة نقود.
شركات التسليح لا تبيع معظم إنتاجها لأفراد وإنما عبر عقود عامة طويلة الأجل تمولها عائدات الضرائب والديون السيادية
أعرف هذا الحساب من تجربتي الشخصية، لأنني أُجريه في معظم الليالي التي أدخل فيها إلى اللعبة. أعمل في زاوية متخصصة من اقتصادها، أقود سفينة استكشاف منفردًا إلى مناطق غير آمنة، وأمسح الفضاء بحثًا عن مواقع مخفية، ثم أخترق الحاويات الموجودة فيها وأنقل محتوياتها. يعتمد العائد على قدرتي على العثور على مواقع مربحة، وعلى البقاء متخفيًا والتحرك بسرعة قبل أن يكتشفني لاعب آخر في النظام النجمي ويدمر سفينتي بما تحمله.
من المهم هنا الإشارة إلى أن نشاط اللاعبين لا يُعد عملًا مأجورًا، إذ لا تشتري CCP قوة عملهم مقابل أجر، إنما ينتج نشاطهم جانبًا أساسيًّا من قيمة اللعبة ومحتواها المتجدد، فاللاعبون يصنعون السفن والأسواق والتحالفات والحروب والروايات التي تجذب الآخرين إلى المشاركة، بينما تملك الشركة المنصة وشروط الوصول إليها وتحوّل استمرار هذا النشاط إلى إيراد.
لو لم تُدمَّر السفن، لتراكمت الأصول وتراجع الطلب على إنتاج بدائل جديدة. CCP لا تحصل على مقابل مباشر عند انفجار سفينة، لكنها تستفيد من دورة البناء والخسارة وإعادة البناء التي تبقي اللاعبين نشطين، وقد تدفع بعضهم إلى تمديد اشتراكه أو شراء البليكس.
بروفة مثالية للحروب
تُسجل خسائر السفن في قواعد بيانات عامة يديرها اللاعبون، مثل zKillboard وEVE-Kill، وتنشر CCP تقارير دورية عن الإنتاج والتجارة والأسعار داخل اللعبة، ما يجعل دورة التدمير والاستبدال قابلة للتتبع.
كما أن عالم EVE يمثل مسرحًا لحروب استنزاف بين تحالفات كبيرة، قد تمتد لأشهر وتدمر أصولًا تتجاوز قيمتها خسائر المعارك التي تصل إلى عناوين الصحف. حتى في الفترات التي لا تشهد حربًا واسعةً، تستمر الاشتباكات وتُدمَّر السفن، بما يجدد الحاجة إلى استخراج الموارد ونقلها وتصنيع البدائل.
لهذه الأسباب ولغيرها، جذبت اللعبة اهتمام الباحثين العسكريين الذين رأوا فيها بيئةً يمكن من خلالها فهم الحرب والأنظمة المعقدة.
اقترحت بعض الأطروحات المرتبطة بالجيش الأمريكي الاستفادة من EVE في تصور البيئات التي تتعدد فيها القوى والتحالفات ومصادر المعلومات. لكن الدراسات التي تناولتها لا تتوقف عند التكتيكات القتالية نفسها، إنما اتجهت إلى تحليل الشروط التي تجعل القتال ممكنًا وتحدد نتائجه، مثل حجم القوة، وتشكّل التحالفات، وشبكات الدبلوماسية، وأنماط الخسائر المسجلة في بيانات المعارك.
النسخة التي تكلّف أرواحًا
إلى جانب كل ما سبق، توفر دراسة EVE مسارًا اقتصاديًّا محددًا مرئيًا وقابلًا للتتبع، يبدأ بإنتاج الأصل وينتهي بتدميره ثم بالحاجة إلى بديل. صحيح أنه لا يفسر أسباب اندلاع الحروب واقعيًّا، ولا يساوي بين المعارك الافتراضية والنزاعات التي تقتل البشر وتدمر المجتمعات، لكنه يوضح ما يحدث اقتصاديًّا بعد بدء التدمير.
منذ 28 فبراير/شباط 2026، تخوض الولايات المتحدة وإسرائيل حربًا ضد إيران وحلفائها الإقليميين تسببت في آلاف القتلى والجرحي إلى جانب خسائر مادية ربما تتجاوز ما خلفته الحرب الروسية الأوكرانية من خسائر تقدر بـ195 مليار دولار من الأضرار المادية المباشرة الموثقة، و588 مليار دولار لإعادة الإعمار.
هذه الحروب نتاجُ تاريخٍ طويلٍ من التنافس داخل نظام رأسمالي عالمي غير متكافئ، تتصارع فيه الدول والكتل على الأسواق والموارد والطاقة وطرق التجارة ومجالات الاستثمار والنفوذ العسكري والسياسي.
لا تقدم EVE Online نسخة مصغرة من الحرب الواقعية لكنها تجعل إحدى آليات اقتصاد التدمير أوضح مما تبدو عليه في الواقع
لكن ذلك لا يعني أن الحروب تندلع ببساطة لأن رأس المال يحتاج إلى تدمير فائضه أو خلق طلب جديد. هذه صياغة ميكانيكية تختزل النزاعات في وظيفة اقتصادية لاحقة، وتتجاهل الصراعات السياسية والتاريخية والاستراتيجية التي تحدد توقيتها ومسارها.
أيًّا كانت القوى التي تقود هذه النزاعات، فإنها تولّد دورة التدمير وطلب الاستبدال نفسها التي تظهر في EVE. لكن الطلب هنا لا يأتي من مشترين أفراد يحسبون عائدهم من الآيسك، بل من الدولة. فشركات التسليح لا تبيع معظم إنتاجها لأفراد، إنما عبر عقود عامة طويلة الأجل تمولها عائدات الضرائب والديون السيادية، وتحدد الحكومات ميزانياتها قبل سنوات. الدولة ليست متفرجةً على هذه الدورة، بل هي المؤسسة التي تضمن الطلب وتتحمل المخاطرة المالية، بينما يبقى الربح الناتج خاصًا.
توضح وجهة الأموال كيفية عمل هذه الدورة؛ ففي السنة المالية التي أعقبت اندلاع حرب إيران، طلبت إدارة ترامب ميزانية للبنتاجون بقيمة 1.5 تريليون دولار لعام 2027، خُصص أكثر من نصفها لإعادة تخزين الذخائر وأنظمة الأسلحة التي استُهلكت بالفعل في إيران. وبلغت قيمة الطلبيات المتراكمة لدى شركات الصناعات العسكرية الكبرى مثل لوكهيد مارتن 194 مليار دولار بحلول منتصف 2026، بينما ارتفعت لدى آر تي إكس إلى 271 مليار دولار، بزيادة سنوية قدرها 25%، مع زيادة إنتاج رايثيون من الذخائر بأكثر من 40%.
كما قفزت أسهم شركات الصناعات العسكرية خلال ساعات من الضربات الأولى. فقد أغلق سهم نورثروب جرومان مرتفعًا بنسبة 6% في أول جلسة تداول بعد بدء الحرب، وارتفع سهم آر تي إكس بنحو 5%. وتلت ذلك خلال أسابيع عقود جديدة، منها صفقة بقيمة 1.1 مليار دولار لصواريخ سايدواندر، وعقد مع البنتاجون بقيمة 35 مليار دولار على مدى سبع سنوات لإعادة تخزين الصواريخ الاعتراضية.
لم تكن هذه الأموال ساكنة في انتظار الحرب. فقد تحركت بمجرد أن بدأ التدمير، ومولت بميزانيات كانت في الأصل التزامات عامة قبل أن تتحول إلى ذخائر، وما زالت تتحرك حتى الآن نحو أسلحة سيُستخدم أغلبها على الأرجح، ثم يُدمّر أو يُطلب من جديد. ويضمن هذه الدورة دافعو ضرائب لم يختاروا يومًا أن يكونوا جزءًا منها.
لا يفسر اقتصاد السلاح لماذا تخوض الولايات المتحدة وإيران وروسيا وأوكرانيا حروبها، إنما تظهر، من خلال العقود وأسعار الأسهم وبنود الميزانية، الكيفية التي تتحول بها المواجهة الجيوسياسية بصورة منتظمة إلى سوق مضمونة لعدد محدود من الشركات. هذا النمط يتكرر بدرجة يصعب ردها إلى المصادفة، من دون أن يتطلب ذلك وجود مؤامرة أو قصد واعٍ من كل طرف مشارك فيه. فالآلية لا تحتاج إلى أن يقصدها أحد كي تعمل.
لا تقدم EVE Online نسخة مصغرة من الحرب الواقعية، لكنها تجعل إحدى آليات اقتصاد التدمير أوضح مما تبدو عليه في الواقع. داخل اللعبة، يمكن تتبع الأصل من لحظة إنتاجه إلى تدميره ثم إلى الطلب على بديله. أما في الحرب، فتختفي السلسلة نفسها خلف أرقام الموازنات ودفاتر الطلبيات والأرباح. ويظهر الصاروخ أولًا في حسابات شركة، قبل أن يصبح ذخيرة تُستخدم فوق مدينة، وتظهر إعادة الإعمار على أنه تقدير مالي وفرصة استثمار قبل أن تعني منزلًا دُمّر وحياةً ينبغي بناؤها من جديد.
أيضًا في EVE يتحمل اللاعبون خسارة أصول افتراضية داخل اقتصاد تملكه الشركة وتحدد قواعده، بينما تضمن الدولة في اقتصاد الحرب الطلب من المال العام، وتحصل شركات خاصة على عقود الإنتاج، وتتحمل المجتمعات الضرائب والديون والدمار والموت.


