الحب القديم للكرة.. عاد ليرد إلينا الجميل
عشنا أيامًا مشحونة، تغيرت فيها جغرافيا الشوارع، والمقاهي، وعلاقات الجيرة. خرجنا مؤقتًا من الحياة اليومية ومنغصاتها، وظهر الأمل مرة أخرى خلف بابٍ كنا نسيناه، ليلضم بين جموعنا الشاردة والتائهة في الشوارع تبحث عن خرم إبرة للفرح. انفجر الأمل كخطة بديلة للحياة، دون أي وعود سوى أنه أصبح جزءًا من حكاية يومنا العادي. مسيرة أمل استعادت ارتجال مسيرات الحشود خلال يناير. الحب القديم الذي منحناه لتشجيع الكرة، عاد ليرد لنا الجميل، ويمنحنا أيامًا من الانسجام والرضا.
انفجار صراخ رواد المقاهي مع كل مباراة في المونديال، واحتفالهم بتسجيل كل هدف. اهتزاز فضاءات الشوارع المشحونة سلفًا بالضجيج والملل والزبالة والمعارك الجانبية وميكروفونات الباعة. ليست شحنات الصراخ تفريغًا لنوبات من العصاب القومي، إنما إعادة شحن لبطارية الوجود، واستعادة أحد أدوار النفس في التماهي مع الآخر الذي يمثلها في الملعب، وخروجها من وضعية الكمون المعتادة إلى الوقوف على حافة الترقب والمغامرة، على الخط الفاصل بين الفوز والهزيمة، الذي لم نعد نلحظه في أمور حياتنا الأخرى.
نفق تحت المدرجات
في بداية رحلتي صغيرًا مع تشجيع الكرة، أصابني هوس التطرف والعصاب. وفي رحلة تنوير مضادة، انفصلت عنها تمامًا. كانت تمثل لي أفيون الشعوب، ويجب أن أتخلى عن أي تماهٍ مع عناصرها، وأتعامل معها كلعبة بيني وبينها مسافة. لكني فشلت في النهاية. ربما التماهي مع المستطيل الأخضر ومَن يجرون داخله هو الأهم، هذه الانفعالات الطفولية التي تفجرها اللعبة لا توفرها أي سياقاتٍ أخرى بهذا القدر من الإخلاص والنقاء. هناك طاقة طفولية حرشة، عادت ولمستُها في نفسي خلال مباريات كأس العالم بعد أن تخلصت من جانبها المُسَيَّس، وعاد إليها هذا الجزء البريء والتحرري.
يشحن المشجعون وقتهم الطويل على حس المباراة القادمة بالنقاشات الحامية والتشكيل المرتقب
أعبر النفق تحت مدرجات ستاد الإسكندرية، يدي في يد أخي الكبير، في الطريق إلى المستطيل الأخضر، أطارد هذا الأمل المراوغ، حيث هدير وقع الأقدام في المدرجات ونشوة هذا المسرح الإغريقي المنصوب الذي ستعرض عليه إحدى مآسي الحياة بوجهيها الدامع والضاحك.
بدايةً من المرحلة الإعدادية، بصحبة أخي الذي كان مدمنًا على تشجيع فريق الاتحاد. نذهب للاستاد مبكرين، ثم ننتظر في طابور طويل يحيطه راكبو الخيول، حتى تُفتح الأبواب، ثم المرور في النفق المظلم، ثم مرة واحدة تنكشف تلك المساحة الخضراء التي ستشهد وقائع الدراما. لم ألمس مشاعر استثنائية كتلك المشاعر، جيشانٌ مفاجئ في صدري يمنعني عن الكلام.
كانت تعليمات أخي ألَّا أُظهر ميولي "الأهلوية" وسط مشجعي الاتحاد، لم تكن تجمعات الألتراس بشكلها الحالي قد ظهرت بعد. عندما كان فريق الأهلي يسجل هدفًا، يظهر الكثير من الجواسيس أمثالي، المندسين وسط مشجعي الاتحاد.
يشحن المشجعون وقتهم الطويل، على حس المباراة القادمة، بالنقاشات الحامية والتشكيل المرتقب، كل منهم يفتح أمامه إحدى الجرائد اليومية، وبجانبه جهاز راديو ترانزيستور، ليتابع به وصف المباراة. يحفظ المشجعون حياة النجوم عن ظهر قلب. نجم الكرة أكثر قربًا من أي نجم آخر، تشاهده على الطبيعة، وسحره لا يأتي من وجوده خلف شاشة، بل من تأديته دوره ومساهمته في فوز الفريق. ويمكن أن تعاتبه أو تشتمه، مثل ابنك أو أخيك، لو لم تتحقق لك تلك المتعة التي كنت تنتظرها منه.
كان كابتن بوبو من نجوم فريق الاتحاد في السبعينيات والثمانينيات، يقف بعد اعتزاله أمام أحد المقاهي على محطة ترام الإبراهيمية، يسوِّق لنجوميته، يستعرض جسده أمام مرايا لا يراها سواه. القاهرة، دون الإسكندرية، تصنع نجمًا مختلفًا، تمنحه من مركزيتها، وتطيل بقاء صورته في ذاكرة الجماهير.
زيزو وبيبو ورُوقة
أول النجوم الذين تعلقت بهم كان زيزو، أو عبد العزيز عبد الشافي، كنت في الحادية عشرة، قبل إصابته وتركه الملاعب مبكرًا. البداية هدف التعادل الذي أحرزه برأسه من نقطة الجزاء في مرمى الزمالك، قبل احتساب الديبة الحكم الدولي ضربة جزاء على مروان كنفاني حارس الأهلي، ليسجلها فاروق جعفر، معلنًا فوز الزمالك، وتُلغى المباراة والدوري بسبب شغب جماهير الأهلي. كذلك أهدافه الثلاثة في المباراة النهائية بمرمى العراق في كأس فلسطين بالعراق 1972.
أتقصى بدقة أخبار إصاباته المتكررة، كأن الإصابة قدر الموهبة، يصبح قريبًا من نفسي، يشارك نجوم السينما، مثل عبد الحليم حافظ، هذا الضعف الجسدي الذي يمنح تعاطفًا مضاعفًا. رغم أن نجومية لاعبي الكرة لها حس ذكوري، وليس لها أي ظلال رومانسية، لكن "زيزو" منحها هذه الظلال ببنيته الجسدية الهشة، ومن بعده بيبو، رغم بنيته القوية، فإنه امتلك كاريزما النجم المُعرَّض للاعتزال؛ بسبب إصاباته المتكررة.
نضال نجومنا الأساسي انصب على الصعود من أسفل السلم الاجتماعي
"بيبو" ثاني النجوم الذين تعلقت بهم. نجوميته الاستثنائية انتشرت على مساحات واسعة من الخيال الجمعي للشباب والكبار، دعت كاتبًا معروفًا باعتزازه بنفسه، وهو يوسف إدريس، أن يكتب مقالًا في الأهرام بـ"مفكرة الاثنين" منقبًا في أصول هذه الموهبة، التي شكلت ظاهرة في ذلك الوقت، إثر لقاء جمعه بالخطيب بمكتبه في الأهرام.
لم تكن كاريزمية نجومنا مركبة، ليس لها "تاتش" النضال الشيوعي، مثل سقراط نجم البرازيل في السبعينيات، التي تحولت إلى آلة دعاية مزدوجة، سواء في مخيلة مشجعي الكرة أو الفقراء. نضال نجومنا الأساسي انصب على الصعود من أسفل السلم الاجتماعي، للنجم وأسرته، وتثمين رحلة الهروب من الفقر.
كانت الموهبة هي سبيلهم الوحيد، أما الآن رغم نجومية محمد صلاح الطاغية وموهبته، فإنه لا يتماس مع هذا المكان النفسي العميق الذي يمثل فيه عند محبيه. تظل نجوميته مبهرة لكن طافية على السطح رغم رحلة معاناته من نجريج حتى ليفربول. ربما لأنه أصبح نموذجًا منفردًا ينحصر تأثيره في آلية المهارة والنجاح. كاريزمته تخفي رحلة الصعود، رغم حضورها، لأنها لم تعد ضمن مثيرات الحلم الجماعي كما السابق، تحولت الكرة إلى لعبة طبقية، ونضحت على كل عناصرها من مشجعين ومحبين، وميديا.
عربة صالح سليم الحمراء
المرة الأولى التي أرى فيها نجم كرة عن قرب كان محمود الخواجة لاعب الزمالك في السبعينيات، كان في زيارة بيت صديقي، الذي كان أبوه عضوا بمجلس الأمة، ورأيته يسير بصحبته في شارعنا. كان يشبه الخواجات، له بنية جسدية قوية، يتبختر في الشارع يرتدي في قدمه سابو أنيقًا، موضة تلك السنوات، ومن حوله التف المشجعون الزمالكاوية والأهلاوية، ثم استقل عربة فارهة مثل عربة صالح سليم الحمراء التي كان جرى وراءها يومًا فاروق جعفر.
في حديث تليفزيوني قديم أُجري مع فاروق جعفر، تحدث عن رحلته من حواري القاهرة، حتى وصوله للاحتراف في أمريكا. منذ صغره كانت عينه على الكابتن صالح سليم، أسطورة الملاعب في الخمسينيات والستينيات. هذا اللاعب الأرستقراطي الذي تحول إلى رمز، وله كاريزما مستمرة حتى الآن تفوق أي تصنيف طبقي أو سياسي في تلك الحقبة. هذه الكاريزما لم تقف حائلًا بينه وبين إظهار انفعالاته، ففي إحدى مباريات الأهلي والاتحاد بالإسكندرية عام 1973، رشق جمهور الدرجة الثالثة، حيث أجلس، طاقم الأهلي ومدير الكرة، صالح سليم، واحتياطييه الجالسين على دكة خشبية بالحجارة، فتصدى صالح سليم لهم.
كان "رُوقة" أو فاروق جعفر ينتظر في الشارع مرور صالح سليم بعربته الحمراء، فيترك الفُورة (الدور أو المباراة بعُرف الشارع) ويجري وراءه كما يجري الأطفال وراء عربة رش المياه، ليطول أي شعاع من هذا البريق. موهبة فاروق جعفر الكروية فتحت له كل الأبواب المغلقة ليصير نجمًا، يُشار له بالبنان، ويركب العربات الفارهة والمميزة، كما سماه الراحل نجيب المستكاوي "فاروق أوناسيس" أسوة بالمليونير اليوناني أوناسيس، الذي كان مثلًا للثراء في هذا العصر.
صباح في المدرجات
لم تكن هناك أحداث كروية مهمة في السبعينيات سوى خسارة مصر بطولة إفريقيا 1974 التي نظمتها، رغم تقدمها بهدفين على زائير في الدور قبل النهائي، وقبلها زيارة فريق سانتوس، ومعه بيليه، الذي أشار وهو على سلم الطائرة بعلامة النصر، وأشار بأنه سيسجل هدفين، وبالفعل سجل هدفين من خمسة أهداف فاز بها فريقه على الأهلي. وكان هناك لاعب آخر اسمه إيدو، سجل هدفًا معجزة "موزة" قريبًا من راية الكورنر.
هناك ذروة أخرى مُنتظرة هي لحظة تسجيل الهدف لكنها ذروة بلا خيال تختلف عن ساعات التوقع قبل المباراة
أما في الستينيات، فكان هناك أكثر من حدث أهمها هزيمة وستهام بطل أوروبا من الزمالك 5-1. كانت مناسبة عائلية وقومية تجمع فيها كل الأقارب. سجل حمادة إمام هاتريك. أيضًا هزيمة منتخب الأهلي والزمالك أمام ريال مدريد 7-1، وظهور المطربة صباح في المدرجات مع زوجها آنذاك أحمد فراج مذيع البرنامج الديني نور على نور. ثم فوز الإسماعيلي بكأس إفريقيا أمام فريق الإنجلبير عام 1969.
كان أقارب أمي الكبار يستغربون من حزني على هزيمة فريقي؛ "هما بيدفعولك فلوس؟". كانت خالة أمي الصغيرة والجميلة، التي لم يفتها قطار الزواج بعد، تقف إلى جانبي وتشاركني هذا الحب المجهول الذي تمنحه وتدخره لشريك المستقبل، والتماهي معه.
رعدة في المدرجات
كلما اقترب موعد المباراة، وكانت تقام عادة في الثانية والنصف ظهرًا، تسري رعدة في المدرجات، تنتقل عبر هذه الأجساد المتراصة، فهذه الكتلة التي أنت واحد منها، لها مجسات وعيون لا مرئية. تعرف أن أتوبيس اللاعبين وصل. يتسلل اللاعبون واحدًا واحدًا من ذلك الباب البعيد خلف المرمى لدخول غرفة الملابس تحت الأرض، تلتهب المدرجات، يتسابق المشجعون في تحديد أسماء اللاعبين، وتحيتهم. كل نجم له سمت محدد وروح تراها على بُعد عشرات الأمتار.
بنزول اللاعبين أرض الملعب للتسخين تصل الجماهير لذروة هذا اليوم الطويل. ربما هناك ذروة أخرى مُنتظرة؛ لحظة تسجيل الهدف، لكنها ذروة بلا خيال، تختلف عن ساعات التوقع قبل المباراة. أحيانًا يشم الجمهور رائحة الهدف من بعيد، وربما بإرادته يُصنع هذا الهدف. لم أسمع صوتي يومًا، وسط المدرجات، كأني أصرخ في حلم صامت.
تبدأ الشمس في الانكسار، ويغطي أرض الملعب ظلٌ خجول، يشعرك أن هذا المستطيل الأخضر ليس فقط مكانًا للعب الكرة، ولكن للاسترواح والمصالحة مع النفس.
أحيانًا كان يتسلل إحساسٌ عدمي عندما تنفصل عن الشاشة التي تذيع أي مباراة، وتراها فقط كرة تتقاذفها الأقدام، كثيرًا ما يحدث هذا الانفصال، ليس عن الكرة فقط، ولكن عن أشياء كثيرة نجد أنفسنا متورطين في حبها بقوة. لا يدوم هذا الانفصال كثيرًا، فأي حب يقوم على التماهي معه، وهو السبب في كثير من المشاعر التي تحركنا.
مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.
