تصميم: سيف الدين أحمد، المنصة 2026
الإعلام يعبر عن السلطة، لا الناس

تطوير الإعلام يبدأ بإزالة آثار العدوان

منشور الأحد 12 تموز/يوليو 2026

ليسمح لي يحيى الطاهر عبد الله باقتباس عنوان روايته "الحقائق القديمة صالحة لإثارة الدهشة"، فبإمكان النكات القديمة، أو بعضها، تفسير حقائق جديدة. من تلك النكات أن رجلًا أقسم بالله، في البيت الحرام، ألا يطلق نكتة على أهله الطيبين. وجاءه أحدهم يسأله عن اتجاه القبلة. فنظر الرجل إلى الكعبة، وإلى السماء، وقال: انت شايف يا رب، سامحني.

في مصر الآن نكتة، أو أوهام، اسمها تطوير الإعلام. على لسان رئيس الوزراء، وقبله وبعده رئيس الجمهورية. فأنظرُ إلى السماء، وأقول: انت شايف يا رب، سامحني على العودة إلى مهنة قررت اعتزالها، رسميًّا بكتاب "قبل تشييع الجنازة.. في وداع مهنة الصحافة"، الصادر 2020، وأُجبرَت ناشرته الفلسطينية بيسان عدوان على مغادرة مصر. أعود إلى الكتابة عن الصحافة مستفَزًا، بعد تكرار ظاهرة عنوانها "لا اجتهاد مع النصّ".

بعض مانشيتات صحف الأحد، 5 يوليو/تموز 2026، التزمت بهذا النصّ "أمة لا تعرف المستحيل". الأهرام، على سبيل المثال، غيَّرت مانشيت الطبعة الأولى والذي كان "مصر قوة سلام واستقرار"، وهو نفسه مانشيت الدستور.

في مجالس العزاء تمثيل يبدأ بارتداء أقنعة الحزن. ونحن الآن على أبواب سرادق يُجهَّز لمهنة تُحتضر، ولم يبق إلا إعلان الوفاة. ولا تخلو أي طقوس من تمثيل، فمسرح العبث الحالي مضحك، يدعو إلى الأسى، ولكلٍ دور محفوظ لا يجرؤ على تجاوزه. تسعفني الذاكرة بقول عبد الفتاح السيسي، عام 2016، إن مصر "شبه دولة". وصفٌ صادق. في شبه الدولة لا شيء حقيقيًّا إلا الشعب المنتبه إلى مساخر اللعبة المسرحية. الشعب في المسرح يعرف أن في "الكمبوشة" ملقّنًا يذكّر الممثلين إذا نسوا. إذا سها الممثل انفعل الملقّن وعلا صوته؛ فيسمعه الصف الأول. وكما تخلو المسارح الحديثة من الكمبوشة، فقد تكمبشت رؤوس رؤساء التحرير، ولا يخطئ القارئ تطابقًا في العناوين. فلا اجتهاد مع النصّ.

صورة توضح تغير المانشت الرئيسي في الطبعة الأولى والثانية من عدد الأهرام 5 يوليو 2026

درجات الاستبداد

حتى تحت الحكم العسكري "الرشيد"، لمصادفة وجود رئيس جمهورية مثقف يقرأ ويعرف أقدار الناس، تمتع رؤساء التحرير بأنصبة من النديَّة، تدعمهم مؤهلات مهنية لاتخاذ قرار دون استشارة السلطة. في عام 1968، أيَّد نقيب الصحفيين أحمد بهاء الدين مطالب رافضي الأحكام القضائية الصادرة بحق قادة سلاح الطيران. كتب بيانًا يساند المتظاهرين أمام النقابة، فاستسهل جهاز الأمن اعتقاله، ورفض جمال عبد الناصر قائلًا "بهاء مخُّه كده".

وعندما قرر أنور السادات نقله من رئاسة مجلس إدارة دار الهلال إلى رئاسة "روزاليوسف"، اعتبر ذلك عقابًا، وكتب إلى الرئيس رسالة غاضبة "لقد اخترعت الثورة صحفيين وكتابًا ودكاترة في كل مجال، ولكنني لست أحد اختراعات الثورة... من حقي أن يؤخذ رأيي في أمر يتصل بي شخصيًّا، فلا أقرأه في الصحف دون سابق علم، ولا أتحرك كقطعة شطرنج من مكان إلى مكان وبلا رغبة". ورفض قرار النقل.

حتى تحت الحكم العسكري "غير الرشيد"، لوجود رئيس موتور يكره الحقيقة، فإن هناك هامشًا يسمح بمراجعته، وربما بإقناعه. في كتابه "محاوراتي مع السادات" سجل أحمد بهاء الدين أنه حين كان رئيس تحرير الأهرام، لاحظ أن السادات "يكره الأهرام فعلًا"، وأنه طالبه بتصفية مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية "لازم تشوفلك فيه طريقة". وكذلك تصفية مجلة "الطليعة"؛ لأنها تنشر "المواد الشيوعية والماركسية الصارخة". وبهدوءٍ ظل يدافع عن المركز والمجلة. واستمر صدورها أيضًا أثناء رئاسة إحسان عبد القدوس لمجلس الإدارة، وقد "تعرَّض لنفس الضغط وقاومه". ثم تولى يوسف السباعي رئاسة مجلس إدارة الأهرام، "فنفَّذ هذه الخطة"، وأغلق مجلة الطليعة.

تنفيذ توجيهات رئيس عسكري يحتاج إلى عسكري أصغر في التراتبية، فاستجاب للأمر الجنرال يوسف السباعي.

أحمد بهاء الدين خرج من التجربة بأن "رؤساء الدول قابلون للمناقشة". الأهم أن يكون رئيس التحرير المناقِش مهنيًّا، تغنيه مواهبه عن الانحناء والاستجداء، مرفوع الرأس في المنصب وخارجه. من ضيق المناصب إلى فضاء الشارع خرج هؤلاء، يحيطهم احترام لائق بأسمائهم بهاء، هيكل، إحسان، محمود أمين العالم، كامل زهيري، فتحي غانم، رجاء النقاش، عبد الرحمن الشرقاوي.

من يطور ماذا

في أبريل/نيسان 2024، أعلنت أسماء رؤساء تحرير الصحف القومية، ومنهم من هم بلا أرشيف يُذكر. فسألت زميلًا يعمل في مؤسسة كبرى منذ عام 1990 عن رئيس تحرير صحيفته، من يكون؟ قال إنه يسمع السؤال، ويعيد توجيهه إلى زملائه، ولا أحد يعرفه.

دعوة الرئيس لفتح المجال الإعلامي تعني أنه مغلق، فهل يحقُّ لأحد أن يسأله عمن أغلقه؟

عيون أمثاله مكسورة بفوائض العطايا. يستجدون السفر، للهاث وراء الرئيس، ويحمّلون ميزانيات المؤسسات المثقلة بالديون ما لا تطيق من أعباء. ولا يؤدون عملًا، فالهيئة العامة للاستعلامات توزّع النصّ، من خلال وكالة الأنباء الحكومية، ويتم تقطيعه إلى قصاقيص، إحداها تأخذ شكل تقرير، وقصقوصة تنشر في صيغة عمود رأي، وقطعة تنشر في صفحة كاملة مع صور لا تهم القارئ. مشهد لا يقل بؤسًا عن اصطفافهم أمام باب الفندق، جزءًا من التشريفة أمام الأجانب. وفي المؤتمر الصحفي قد يقرأ أحدهم سؤالًا وزَّعه رجل "الكمبوشة".

لا أمل في الصحف القومية. أما الصحافة الورقية الخاصة فليست مستقلة. هي جزء من آلة رأسمالية أكثر شراسة من التعسف الحكومي. خلال حكم حسني مبارك نالت الصحف الخاصة والحزبية استقلالًا معقولًا سمح لصحيفة "العربي" الناصري بسؤال عن الصفة الدستورية لسوزان مبارك، والسؤال عن الرجل الملازم لمبارك في سيارته، فضلًا عن سيناريوهات توريث الحكم، في تحليلات ضافية أعاد نشرها محمد طعيمة، في كتابه جمهوركية آل مبارك، بمقدمة ثابتة كتبها صنع الله إبراهيم لطبعاته المتوالية.

لماذا يكون الكلام الحكومي عن تطوير الصحافة لغوًا؟ هل يمكن للحكومة أن تعلن عن لقاءات ومؤتمرات وندوات ونقاشات مع مجلس القضاء الأعلى لتطوير القضاء؟ ليست الصحافة وظيفة حكومية تعطي وليَّ النعم حقًّا في الكلام، أو المشاركة، في تطوير أدائها. من مهام الإعلام، خصوصًا الصحافة، مراقبة أداء البرلمان والحكومة، فمتى كانت الحكومة مهمومة بسلطة لا يصح وجودها على الضفة نفسها؟

التقدم للخلف

جانب من احتجاجات الصحفيين ضد اقتحام قوات الشرطة لمقر نقابة الصحفيين - مايو 2016

في أكتوبر 2016، رفضت الأهرام نشر مقال المدينة الفاضلة للدكتور أسامة الغزالي حرب. اعتبر العاصمة الإدارية "نكبة"، عبئًا على الاقتصاد، ولا يفهم سرَّ اهتمام السيسي ببنائها "بقرارات منفردة، لم نسمع أن البرلمان ناقشها أو صادق عليها". فوجئ بمنع المقال، وفي اليوم التالي نشره في صحيفة خاصة، وأتيح للكاتب أن يتكلم عن المنع في برامج تلفزيونية. كانت إعادة النشر، والكلام عن المنع، ترفًا نفتقده الآن. لا فرق بين إعلام حكومي أو خاص، فالنظام يكره الصحافة. أريد المصارحة بأنه يحتقرها، حتى جعلها أصداء خطاب واحد، يستهدف قارئًا واحدًا لا يقرأ. هل يمكن الادعاء الآن بأن مواطنًا مصريًّا يشتري صحيفة، لأنها تخصُّه؟

النظام، الذي يتهم الشعب بالعمى عن رؤية الثياب الأنيقة للملك العاري، يعتبر الصحافة مشكلة، ويعجز خياله عن إدراك حقيقة أن إعادة الحياة إلى الصحافة أولى خطوات حل المشكلات الكثيرة. من العبث اعتقال مواطن بسبب تغريدة أو تصريح بحقيقة. في نهاية 2015 قال المستشار هشام جنينة رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات إن تكلفة الفساد 600 مليار جنيه. وفي مارس/آذار 2016 أُعفي من منصبه. وفي عام 2018 تعرَّض للضرب المبرّح على أيدي بلطجية برَّأتهم المحكمة. ومن محكمة إلى أخرى، سُجن خمس سنين؛ لإدلائه بتصريحات "مسيئة للدولة"، منها اتهامات فضفاضة كالانضمام إلى جماعة إرهابية، ونشر أخبار كاذبة، وتكدير الأمن والسلم العام، وإضعاف الثقة المالية في الدولة.

فماذا يفعل الصحفي الذي لا يملك حصانة المستشار؟ وما علاقة الحكومة بتحديد ما يجب وما لا يجب؟ ألا تكفي نصوص الدستور؟

في أغسطس/آب 2025 اجتمع السيسي مع رئيس الوزراء مصطفى مدبولي، ومسؤولي الهيئات الإعلامية والصحفية لوضع تصور للإعلام. ما علاقتهم بمهنة أساسها الاستقلال؟ بعدها قرر رئيس الوزراء تشكيل لجنة لتطوير الإعلام، لا أعرف ماذا أنجزت. المشهد العمومي يقول إن سؤال الحرية ممنوع، والعدوان على الصحافة مستمر، ولو من دون تسميته عدوانًا. ثم جاء كلام السيسي، يوم 4 يوليو 2026، عن "فتح المجال أمام الإعلام الموضوعي"، مع توجيه وزير الدولة للإعلام إلى عقد اجتماع سنوي، "مبدئيًّا في 3 ديسمبر/كانون الثاني من كل عام" لتطوير الإعلام.

معنى الكلام أن المجال مغلق، فهل يحقُّ لأحد أن يسأل الرئيس عمن أغلقه؟ أما حكاية "الإعلام الموضوعي" فتوجِّه الأمور إلى مجرى إرشادي، تعبوي، لا علاقة له بالنقد ولا بالمراقبة.

أخشى أن يقال إن الصحافة "كانت" مهنة، بدأت في عهد محمد علي، وانتعشت تحت الاحتلال البريطاني، وانتهت في جمهورية العاصمة الإدارية.

يعمل ايه التطوير الحكومي للصحافة في وطن ضايع؟ انت شايف يا رب، سامحني.

مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.