تصميم: سيف الدين أحمد، المنصة 2026
دول الخليج تتطلع نحو سنغافورة

معجزة الحياد السنغافوري

منشور الأحد 5 تموز/يوليو 2026

تُعامل سنغافورة في أدبيات التنمية بوصفها معجزة اقتصادية، هي من البلدان القليلة في الجنوب العالمي -غير الغنية بالموارد الطبيعية-التي يحظى سكانها بدخل مرتفع بل ربما بالغ الارتفاع.

تتشابه سنغافورة مع دول خليجية في بعض الملامح، من حيث الموقع الجغرافي المهم، كما أنها تمثل النموذج الملهم لبعضها مثل الإمارات وقطر وحتى المملكة العربية السعودية لتنوع اقتصادها بعيدًا عن الاعتماد المفرط على البترول والغاز لاقتصادات تقوم على اجتذاب رؤوس الأموال وتصدير الخدمات مرتفعة القيمة المضافة. 

طالما ركزت التحليلات على مؤسسات وسياسات سنغافورة التي مكنتها من تبوء المكانة التي تحتلها اليوم، إلا أن واحدًا من أهم أسرار نجاحها الاقتصادي هو قدرتها على تجنب التورط في الحروب الإقليمية، وهو الدرس الذي على الخليج أن يعيه بشدة إذا أراد تحقيق نجاح مماثل.

سر الثراء السريع 

وصلت سنغافورة إلى ما هي عليه انطلاقًا من مستويات فقر ملموسة عند الاستقلال في 1963. فمن 485 دولارًا للفرد في 1963 وصل نصيب الفرد في الناتج المحلي السنغافوري إلى 90 ألفًا و670 دولارًا في 2024.

الرئيس عبد الفتاح السيسي وقرينته انتصار السيسي مع رئيس سنغافورة ثارمان شانموجار أتنام وقرينته جين يوميكو إيتوجي

استند البلد الآسيوي الصغير في المقام الأول على تهيئة الظروف لتطوير اقتصاد قائم على تصدير الخدمات، بدءًا بالشحن والتفريغ وخدمات المواني، وهي الميزة الجغرافية التي ورثتها من الحكم الاستعماري البريطاني كونها مطلة على مضيق ملقا، ومن ثم انطلقت إلى التخصص في خدمات أكثر مهارة وذات قيمة مضافة أعلى خاصة في مجال الاستثمارات المالية والخدمات المصرفية وخدمات التأمين. يكفيك عزيزي القارئ معرفة أن سنغافورة، الدولة ذات الـ6 ملايين نسمة، صدَّرت خدمات بقيمة 400 مليار دولار في 2024.

تجنب الحروب.. تفسير بديل

يميل الكثيرون إلى التركيز على الإصلاح المؤسسي مدخلًا لتفسير قدرة سنغافورة على جذب الاستثمارات الضخمة التي أهلتها لهذا النجاح الاقتصادي، فهو بلد يتلقى سنويًّا ما يفوق 100 مليار دولار من تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر منذ 2017 (باستثناء عامي كورونا).

ما يدعم تضخيم دور الإصلاح المؤسسي في تفسير الحالة السنغافورية هو التصنيف المتقدم لجودة المؤسسات العامة في هذا البلد، سواء ما يتعلق بخلوها من الفساد أو بكفاءة أجهزة الدولة العاملة في مجالات كإنفاذ التعاقدات وحماية الملكية الخاصة وحكم القانون. لكن هناك تفسيرًا آخر لهذا النجاح الاقتصادي، ربما يكون أقل شيوعًا، ويتعلق بطريقة البلاد في إدارة سياستها الخارجية منذ الاستقلال في 1963.

تستحق السياسة الخارجية لسنغافورة الاهتمام، خصوصًا وأنها لم تعش دائمًا في محيط مستقر، إذ عانت منطقة جنوب شرق آسيا من اضطرابات شديدة، سواء داخلية أو صراعات عسكرية دولية في فترة الحرب الباردة، لعل أبرزها حرب فيتنام.

عسكريًّا اعتمد حكام سنغافورة على الاستثمار في جيش صغير لكنه شديد التطور يعتمد على التجنيد الإجباري، والاستخدام الكثيف للتكنولوجيا، كما أن الإنفاق العسكري طالما كان مرتفعًا كنسبة من الناتج، وإن هبط من نطاق 4 إلى 5% من الناتج في سنوات حرب فيتنام وما تلاها من اضطرابات إقليمية إلى نحو 3% في العقد الأخير، وهي نسبة لا تزال مرتفعة.

نجحت رهانات حكام سنغافورة في تجنب التورط عسكريًّا في أي صراع طيلة العقود الماضية رغم اضطراب الإقليم الشديد

في مقابل الاستثمار بقدرات البلاد الدفاعية، فإن سنغافورة اتخذت خطًّا لا تحيد عنه منذ استقلالها، وهو عدم الانحياز في أي من الصراعات العسكرية أو السياسية، سواء داخل الإقليم أو على المستوى العالمي. لم تنخرط قط في أي تحالف عسكري ولم تسمح بإقامة قواعد عسكرية دائمة على أراضيها. فقط تعاونت عسكريًّا مع الولايات المتحدة وبريطانيا لتطوير جيشها لكن دون التزامات طويلة الأجل تتجاوز تسهيلات لوجستية تقدمها للقوات الأمريكية في المنطقة.

يعود هذا الموقف المتحفظ نسبيًّا إلى انتهاج سنغافورة سياسة إقامة علاقات متوازنة مع العمالقة المحيطين بها، بدءًا من الصين والولايات المتحدة فالهند وصولًا إلى إندونيسيا وماليزيا وتايلاند وفيتنام. ونجحت رهانات حكام سنغافورة من حيث تجنب التورط عسكريًّا في أي صراع طيلة العقود الماضية رغم اضطراب الإقليم الشديد في بعض المراحل، وفي الوقت نفسه نجحت العلاقات المتوازنة في تجنيبها التعرض هي نفسها لأي مخاطر أمنية أو عسكرية كبيرة كان يمكن لها أن تؤثر بالسلب على تخصص البلاد في خدمات التجارة والمال والسياحة، وكلها تفترض قبل كل شيء الأمن والاستقرار.

على الخليج تعلم الدرس 

قالت العرب قديمًّا لا يجتمع الماء والنار في إناء واحد.. وقالت ما هلك امرؤ عرف قدر نفسه.

صورة من احتفال لجنود أمريكيين في قاعدة عريفجان العسكرية الأمريكية في الكويت

كثيرًا ما تشير المؤسسات الخليجية إلى معجزة سنغافورة مثالًا يستحق أن يُتبع، وهو أمر يمكن تفهمه ليس فقط في سياق الصعود السريع لهذا البلد الآسيوي، لكن أيضًا تشابهه مع دول خليجية في الاعتماد على الموقع الجغرافي في تصدير الخدمات، وهو ما يؤمل في الحالات العربية. في حالة سنغافورة كانت الخدمات فرصةً للصعود من الفقر، وفي حالة الخليج كانت مدخلًا مهمًا لتنويع الإيرادات بعيدًا عن التركيز على النفط.

على هذا الأساس ارتسمت دول خليجية عدة مسارًا مشابهًا في الإصلاح المؤسسي، لكنها في الوقت نفسه تورطت في استضافة قواعد عسكرية أمريكية أدركت عبئها خلال الحرب الأخيرة على إيران وما سببته لها من أضرار في البنية التحتية وتهديدًا لنشاطها التجاري والخدمي.

لا يستقيم أن تجمع دولة استراتيجيةً سياسيةً أو عسكريةً نشطةً في الإقليم تستند إلى عقد تحالفات عسكرية، وخوض غمار مغامرات إما مباشرة أو من خلال وكلاء ومرتزقة في بلدان الجوار مع استراتيجية تنويع وتنمية اقتصادية تقوم بالأساس، وقبل كل شيء، على تقديم خدمات ترتبط بالتجارة والمال والسياحة، التي بدورها تتطلب أمنًا واستقرارًا. إما هذه وإما تلك.

بل لقد اقتضى عدم الانحياز لدى سنغافورة الإحجام عن لعب أي دور وساطة نشط في الصراعات الإقليمية العديدة التي ضربت ولا يزال بعضها يضرب جنوب شرق آسيا، فنجد أنها استضافت مفاوضات ومباحثات ويسّرت التفاعل بين أطراف لكن دون أن تصبح وسيطًا منخرطًا في إنهاء الصراع، خصوصًا وأن الوساطة تحمل الكثير من المخاطر كما رأينا في الغارة الإسرائيلية الحمقاء على قطر في 2025.  

كانت إسبرطة في اليونان القديم سوط عذاب على جيرانها لكنها لم تكن مركزًا للتجارة ولا للفن ولا للسفر والعلم. في المقابل كانت أثينا أكثر انفتاحًا وأكثر ثراءً، وحققت لنفسها وللبشرية إنجازات ضخمة في مجالات الفن والفلسفة في فترة سلام طويلة تحت حكم بركليس الشهير.

ما إنْ تخلت أثينا عن سياساتها المسالمة وتورطت في سلسلة لا تنتهي من الصراعات العسكرية، انتهى بها المطاف إلى الإفلاس والأفول والسقوط في يد أعدائها قبل أن تخرج من التاريخ وتصبح مزارًا أثريًّا.