كيف سُجن صبري نخـ
لا يا عزيزي. ليس في العنوان خطأ.
فقد عانينا لعقودٍ من أزمة عدم وجود إجابات لأي سؤال عما يجري في مصر، الآن أصبح طرح الأسئلة في حد ذاته مخاطرة.
الدولة تفعل وتقرر ما تشاء وقتما تشاء، ليس من حق أحد طرح أسئلة. هذا ما تعلمناه بالطريقة الصعبة ومن رأس الذئب الطائر، فأسئلة عن النشاط الاقتصادي لمؤسسة ما أو مصدر أموال رجل أعمال معين قد تكون طريقك السريع إلى الحبس 15 يومًا، على ذمة التحقيقات مع مراعاة التجديد في الميعاد بتهمة نشر أخبار كاذبة وتكدير السلم العام.
تعلَّمنا بالتجربة أن بعض الأسئلة لا يليق طرحها، وبعضها ستحزنك معرفة إجابتها، وبعضها لا يعرف أحدٌ إجابتها، وكلها لن يسمعها أحد. تعلمنا أن المواطن الصالح هو الذي يتابع الأخبار، كما يتابع النشرة الجوية، يسمع ما يُقال ويمضي.
منذ القبض على صبري نخنوخ، بقائمة اتهامات خطيرة تتضمن اعتداءات وتعذيبًا وتهريبَ وغسلَ أموال وتجارة آثار، وكثيرون لا يعرفون لماذا قُبض عليه الآن بينما كان يفعل كل ذلك يوميًا على مدار سنوات، وليس من المتوقع أن يعرفوا ذلك قريبًا، فحتى الآن لم يعرف أحد السبب الحقيقي للقبض عليه في 2012، ولا كيف أفرج عنه ضمن قوائم العفو الرئاسي في 2018.
لماذا توغل وتغول لهذا الحد ليصبح أحد أكبر رجال الأعمال في البلد وضيفًا دائمًا على موائد المسؤولين والنافذين. لن يشرح لك أحد ما حدث، ولا يعتقد هذا الأحد أن من حقك أصلًا أن تعرف.
قائمة الممنوعات
لا تسأل عن أسباب قرار اقتصادي لأنك ستكون ضد الدولة وترغب في إسقاطها، لا تسأل عن قضية تشغل الرأي العام لأنك ستُتهم بالبحث عن الإثارة والسعي وراء الترند، لا تطلب معلومات أكثر في أي موضوع لأن الوقت دائمًا غير مناسب. لا تسأل عن أسباب استبعاد محمد شحاتة وأحمد الشناوي فيغضب حسام حسن ويفشل المنتخب في الفوز بكأس العالم الذي يفوز به كل مرة.
أشياء كثيرة يمكن الإفصاح عنها، لكن هناك قناعة بأن من يطلب اليوم حقَّهَ في المعرفة، سيطلب غدًا المشاركة، وربما المحاسبة بعد غد، لذلك الأفضل أن تركز عزيزي المواطن في جدول الشيفتات وليه انت اللي شايل الشغل كله مش هدير. تتابع مباريات كأس العالم، أو تنشئ صورة كارتونية لك بالـAi وتغير بها صورة البروفايل، واترك لنا باقي الأشياء.
تحدث في الفن كما تشاء لكن لا تسأل عن موضوع احتكار الإنتاج ودور العرض
نعرف أن الدولة -أي دولة- لا تستطيع الإفصاح عن كل شيء، وأن هناك أشياء يجب حجبها لاعتبارات ترتبط بالأمن القومي وأشياء أخرى. المشكلة أننا لم نعد نعرف أين ينتهي الكتمان الاضطراري، وأين يبدأ الغموض غير الضروري.
لا فارق كبير بين مواطن ونائب في البرلمان ووزير في الحكومة وإعلامي في التليفزيون، يفكر الجميع كثيرًا قبل طرح أي سؤال، لأنك لا تعلم إن كان سؤالك ضمن الأسئلة المسموح بها أم لا. هناك أسئلة آمنة. من نوع: لماذا خسر الأهلي الدوري؟ ليه الصيف حار جدًا هذا العام؟ وإيه اليوم الحلو ده؟ هذه أسئلة لن تغضب أحدًا، ومسموح بطرحها لإشباع غريزة الناس في طرح الأسئلة.
لكن ليس لدرجة أن تسأل مثلًا عن خلفيات أي قرار سياسي أو اقتصادي، تحدّث في الرياضة لكن لا تسأل عن أسباب سحب أرض نادي الزمالك، أو هل تسدد وزارة الشباب مديونيات النادي فعلًا، أو من يموّل صفقات الأهلي. تحدّث في الفن كما تشاء لكن لا تسأل عن موضوع احتكار الإنتاج ودور العرض أو تهميش نجم معين بسبب رفضه أمرًا معينًا.
الأمر معقد؟ لا بأس توقف عن السؤال بشكل عام، لن أضمن لك أنك حينها ستعيش سعيدًا، لكن على الأقل ستعيش.
شجرة المعرفة
لا يطلب المواطن معرفة أسرار الجيوش، ولا محاضر الاجتماعات المغلقة، ولا تفاصيل الملفات الحساسة، يريد فقط أن يفهم، يريد أن يعرف لماذا اتُخذ قرار يؤثر على حياته، وما الذي جرى في قضية شغلت الرأي العام. أن يطمئن إلى أن هناك من يحترم عقله بالقدر الكافي ليشرح له ما يمكن شرحه.
حب الأوطان لا يعني أن نتوقف عن السؤال بل ألا نتوقف عنه أبدًا
بدأ الناس يتعلمون من التجارب، كثير من القصص تبدأ كبيرة ثم تنتهي بلا خاتمة. بعض القضايا تشغل الرأي العام أيامًا، ثم تختفي وكأنها لم تكن، بعض الشخصيات تملأ الدنيا ضجيجًا، ثم تغادر المشهد فجأة، ويظهر غيرها فجأةً أيضًا، لا مقدمات، لا معلومات، لا شروح، ومع الوقت سيفقدون الشغف والاهتمام ويتوقفون حتى عن طرح الأسئلة، الأسئلة لن تفيد، في كل الأحوال لن تجد إجابات، لكنها قد تضر.
قد ترى السلطة أن هذا هو المطلوب أصلًا، لكن المواطن الذي لا يسأل ليس بالضرورة مواطنًا راضيًا، أحيان كثيرة يكون مواطنًا يائسًا أو خائفًا، والفرق كبير، الأول يثق فيما جرى حوله، والثاني اقتنع أن جهده في البحث عن الحقيقة لن يغير شيئًا، فتوقف عن المتابعة والاهتمام.
مصر الكبيرة، بتاريخها وثقلها وإرثها، تستحق علاقة أكثر نضجًا بين الدولة والمجتمع، علاقة لا تقوم على أن يعرف طرفٌ كل شيء، و أن يجهل الطرف الآخر كل شيء، بل على قدر معقول من الثقة.
الثقة التي تُبنى عندما يشعر المواطن أن فضوله ليس جريمة، وأن رغبته في الفهم ليست مؤامرة، وأن سؤاله عن بلده ليس دليلًا على قلة الوطنية، لكنه أبسط أشكالها، وأن حب الأوطان لا يعني أن نتوقف عن السؤال، بل ألا نتوقف عنه أبدًا.
أو كما قال الفيلسوف الفرنسي الشهير فولتير: يمكنك أن تحكم على الإنسان من أسئلته وليس من إجاباته.
مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.
