الفزاعة الإيرانية لقمع المعارضة البحرينية
لماذا كانت البحرين هدفًا نوعيًا للهجمات الإيرانية في الحرب الأخيرة؟
حين أطلق الحرس الثوري الإيراني دفعته الأولى من الصواريخ والمسيّرات ردًا على الضربات الأمريكية الإسرائيلية على إيران، كانت البحرين بين أولى الدول المستهدفة. وبعد حوالي شهر، في أبريل/نيسان الماضي، أعلنت القيادة العامة لقوة دفاع البحرين أن دفاعاتها الجوية اعترضت ودمرت نحو 188 صاروخًا و468 طائرة مسيرة إيرانية، فيما نقلت هيومن رايتس ووتش عن وكالة أنباء البحرين مقتل شخصين على الأقل وإصابة 46 آخرين، وفي التاسع من يوليو/تموز الجاري، عندما عاد التصعيد العسكري بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، كانت البحرين مرة أخرى في مرمى النيران.
وفقًا للإحصائيات، كانت الإمارات الهدف الأكبر لإيران بنحو 2846 هجومًا أو مقذوفًا، تلتها السعودية بنحو 1234، ثم قطر بنحو 737، فالكويت بنحو 1194 هجومًا، والبحرين في المركز الخامس بنحو 700 هجوم. لكن مقارنة هذا العدد بمساحة البحرين، التي تقل عن ألف كيلومتر مربع، مقابل جارتها قطر التي تزيد مساحتها عن 11 ألف كيلومتر مربع، تُظهر أن الهجوم على البحرين كان كثيفًا بصورة لافتة. فما الذي جعل هذه الدولة الصغيرة، محدودة المساحة والحضور، هدفًا نوعيًا للهجمات الإيرانية؟
كان أول استهداف موثق لمنشأة تابعة للأسطول الخامس الأمريكي في البحرين في 28 فبراير/شباط 2026، مع بداية الحرب الأمريكية الإيرانية، حين ضربت مسيّرة إيرانية منشأة الدعم البحري الأمريكية في البحرين، التي تضم مقر قيادة الأسطول.
ويتخذ الأسطول الخامس الأمريكي، أحد الأساطيل الاستراتيجية التابعة للبحرية الأمريكية، من البحرين مقرًا لقيادته، ويغطي نطاق عملياته مساحة بحرية شاسعة تقارب 8 ملايين كيلومتر مربع، تشمل الخليج العربي والبحر الأحمر وخليج عُمان. وتقول البحرية الأمريكية إن من بين مهامه الرئيسية "مراقبة الأنشطة الإيرانية".
ورغم أن وجود الأسطول الخامس يقدّم تفسيرًا مباشرًا لاستهداف البحرين من جانب إيران، فإن هذا العامل ليس سوى حلقة في تاريخ أطول وأكثر تعقيدًا يربط البلدين. وهو تاريخ أسهم، إلى حد بعيد، في تشكيل سياسات الأسرة الحاكمة في البحرين؛ داخليًا في تعاملها مع المعارضة الشيعية، وخارجيًا في علاقتها بجيرانها والقوى الإقليمية، وكذلك بالقوى الدولية التي استدعتها لحمايتها، وفي مقدمتها الأسطول الخامس الأمريكي.
ربيع البحرين
حفزت الحرب الأخيرة على إيران واستهداف مواقع تمركز الجيش الأمريكي في البحرين، شهية المملكة على شن معركة في الداخل كانت تتوق إليها منذ وقت طويل، فاقتحمت بيوت مواطنين واعتقلت عشرات منهم بسبب مشاركتهم في وقفات سلمية احتجاجًا على الحرب أو حدادًا على مقتل المرشد الأعلى للثورة الإسلامية علي خامنئي، أو حتى لنشرهم مقاطع مصورة لآثار الهجمات على السوشيال ميديا.
ووصل عدد المعتقلين منذ مارس/آذار الماضي، إلى ما لا يقل عن 189 شخصًا، بينهم قُصَّر ونساء ورجال من المذهب الشيعي، فيما سُحبت الجنسية من 69 آخرين بتهمة "التعاطف وتمجيد الأعمال العدائية الإيرانية الآثمة".
هذا الرد لم يكن استجابة أمنية طارئة بقدر ما كان استخدامًا جديدًا لأداة حاضرة منذ سنوات. فمنذ احتجاجات فبراير 2011 ظلت المنامة تنظر إلى طهران كمحرك خارجي للاضطرابات الداخلية.
جذور الارتياب البحريني من إيران أقدم من احتجاجات 2011
في فبراير 2011، وصلت عدوى الربيع العربي في تونس ومصر إلى البحرين، وخرج مئات الآلاف من البحرينيين إلى دوار اللؤلؤة في العاصمة المنامة، مطالبين بإصلاحات سياسية، والإفراج عن المعتقلين الشيعة، ووقف انتهاكات حقوق الإنسان والتجنيس السياسي، قبل أن تتصاعد المطالب إلى إسقاط الأسرة الحاكمة، وقدرت السلطات المشاركين في الاحتجاجات التي استمرت لأسابيع بما يقارب ثلث سكان البلاد.
بعد يومين فقط من بدء الاحتجاجات وسقوط قتيلين في المواجهات مع الشرطة، أعلن الملك حمد بن عيسى آل خليفة، في كلمة بثها التليفزيون الرسمي في 16 فبراير، تشكيل لجنة لمناقشة الإصلاحات المقترحة. لكن قبل أن تبدأ اللجنة عملها لجأت الحكومة للحل الأمني، وطلبت من مجلس التعاون الخليجي إرسال قوات "درع الجزيرة"، فأرسل 1200 جندي سعودي و800 جندي إماراتي تمكنوا من قمع الاحتجاجات باستخدام العنف، وفي 18 مارس توجت هذا النجاح بهدم نُصب دوار اللؤلؤة، رمز الحراك الشعبي.
واتهمت البحرين إيران بدعم الاحتجاجات التي قادتها الأغلبية الشيعية، رغم أن اللجنة البحرينية المستقلة لتقصي الحقائق، والتي كلفها العاهل البحريني الملك حمد بن عيسى آل خليفة في 29 يونيو/حزيران 2011 للتحقيق في أحداث شهري فبراير ومارس من عام 2011، لم تجد دليلًا مباشرًا على تورط طهران. لكن الدعم الإيراني العلني لبعض شخصيات المعارضة عزز شكوك المنامة، التي باتت ترى في إيران تهديدًا داخليًا مستمرًا، رغم أن المعارضة الشيعية البحرينية نأت بنفسها عن طهران.
ومع قوة أثر هذه اللحظة المفصلية من تاريخ الشعب البحريني في تشكيل علاقة آل خليفة بإيران إلا أن جذور الارتياب البحريني في الجارة الشرقية أقدم بكثير من احتجاجات 2011. فالبحرين واحدة من دول قليلة حول العالم تحكمها أقلية دينية، فهي "ملكية دستورية" تحكمها نخبة سنية، بينما يشكل الشيعة أغلبية سكانها، بما يقارب الثلثين.
البحارنة والغزو السني
تَشَكّل الواقع السياسي للبحرين عام 1766، حين تمكن آل خليفة، وهم أحد فروع قبيلة بني عتوب، من بسط نفوذهم في منطقة الزبارة على الساحل الغربي لشبه جزيرة قطر، قبل أن يوسعوا سيطرتهم إلى البحرين بقيادة أحمد بن محمد آل خليفة، المعروف بـ"أحمد الفاتح"، عام 1783. ومنذ ذلك الحين، تأسست علاقة تراتبية بين الحُكَّام الوافدين والسكان الأصليين، إذ كان معظم السكان الأصليين، أو "البحارنة"، من الفلاحين الشيعة العاملين في زراعة النخيل وليسوا من التكوينات القبلية للمحيط العربي.
انتهج آل خليفة سياسة "التجنيس السياسي" لعشرات الآلاف من أبناء القبائل السنية
وبحسب باحثين في تاريخ البحرين، ظلت القوة والتمييز الديني وأولوية طبقة "الشيوخ" من السمات الثابتة لحكم آل خليفة، حيث تعرض الفلاحون الشيعة لانتزاع منتظم لفائض إنتاجهم، ولعقوبات بدنية شديدة حين حاولوا الاحتجاج.
ومنذ القرن التاسع عشر، وفرت بريطانيا للحكام السنة مظلة حماية خارجية ضمنت استمرار سلطانهم، ثم جاء النفط في ثلاثينيات القرن العشرين ليمنح الدولة موارد ضخمة حررتها من الاعتماد على النخب التجارية ومكنتها من توسيع أجهزتها البيروقراطية والأمنية. وعلى مدار سنوات احتفظت الأسرة الحاكمة بالسيطرة على الوزارات السيادية والأجهزة الأمنية والعسكرية معتمدةً على عناصر موالية للنظام.
وعندما تولى حمد بن عيسى آل خليفة الحكم في مارس 1999، ورث دولة تعيش أزمة سياسية حادة. إذ شهدت البحرين منذ ديسمبر/كانون الأول 1994 موجات احتجاج متكررة قادتها الأغلبية الشيعية للمطالبة بإصلاحات سياسية. وبعد عام ونصف من وصوله إلى الحكم، طرح حمد مشروع "ميثاق العمل الوطني" ، ليُعلن في 14 فبراير 2002، قيام ملكية دستورية حديثة.
لكن الإصلاحات لم تحل المعضلة الأساسية وظلت صورية إلى حد كبير، بينما استمر آل خليفة في انتهاج سياسة "التجنيس السياسي" عبر منح الجنسية لعشرات الآلاف من أبناء قبائل سنية من السعودية ودول أخرى، وإدماج أعداد كبيرة منهم في الأجهزة الأمنية، ما مكنهم من إعادة رسم الدوائر الانتخابية بما يحد من الثقل الانتخابي للأغلبية الشيعية، بينما احتفظوا بسيطرة شبه كاملة على الوزارات السيادية والأجهزة الأمنية والعسكرية.
وإلى جانب كل ذلك، بنت الدولة رواية وطنية تعتبر حكم آل خليفة ضمانة للاستقرار، وتعاملت مع مطالب الأغلبية الشيعية بحذر شديد، بوصفها قابلة دومًا للاتصال بـ "الخطر الإيراني".
"الخطر الإيراني"
منذ ستينيات القرن الماضي خلقت مطالبات إيران التاريخية بالبحرين شعورًا مزمنًا بعدم الثقة. ورغم اعتراف طهران لاحقًا باستقلال البحرين وقبولها نتائج مسح الأمم المتحدة عام 1971، ثم توقيع البلدين اتفاقية للجرف القاري، ظلت التوترات قائمة، قبل أن تتفاقم بعد الثورة الإيرانية عام 1979 ومحاولة الانقلاب الفاشلة في البحرين عام 1981، التي اتُّهمت فيها جهات مرتبطة بطهران. ومنذ ذلك الحين، ترسخت لدى المنامة صورة إيران باعتبارها قوة مهددة للاستقرار الإقليمي ولحكم آل خليفة.
انتقلت المنامة من الارتهان إلى عدو إقليمي لإيران إلى الاحتماء بآخر
شهدت العلاقات فترة هدوء نسبي مطلع الألفية، خصوصًا مع زيارة الرئيس الإيراني محمد خاتمي إلى المنامة عام 2003، وطرح مشروع خط أنابيب غاز بين البلدين، لكن هذا المسار تراجع مع تعمق التحالف البحريني الأمريكي وتوسع الوجود العسكري الأمريكي في المملكة بعد 2001، بما في ذلك تمركز الأسطول الخامس، الذي ظل مصدر توتر رئيسي مع إيران. ثم عادت الأزمة إلى الواجهة عام 2007، عندما وصف رئيس تحرير صحيفة كيهان الإيرانية البحرين بأنها "مقاطعة" إيرانية، مفجرًا أزمة دبلوماسية رغم محاولات طهران اللاحقة احتواءها.
أما احتجاجات 2011 فدفعت العلاقات إلى مستوى جديد من التوتر ضاعفته خطوات البحرين الإقليمية وتحالفاتها الدولية بالإضافة إلى حقائق جديدة طفت على السطح.
ففي 2020 أظهر تقرير للمجلس الأطلسي، بعد تحليل أكثر من 250 صورة، أن أغلب الأسلحة والمعدات التقليدية وغير التقليدية التي ضُبطت في حوزة الميليشيات المسلحة داخل البحرين، دخلت عبر عمليات نقل غير مشروعة مصدرها إيران. كما دعم النظام الإيراني تنظيم "سرايا الأشتر"، الذي تأسس عام 2012، وصنفته البحرين "تنظيمًا إرهابيًا" عام 2014، وأظهرت تقارير أنه تلقى تدريبًا ودعمًا من الحرس الثوري الإيراني وجماعات شيعية إقليمية مرتبطة به.
وفي ديسمبر 2020، صنفت وزارة الخارجية الأمريكية سرايا المختار ككيان إرهابي عالمي، ووصفتها بأنها تنظيم يعمل في البحرين مدعومًا من إيران. وفي اليوم نفسه أدرجته الخزانة الأمريكية على قائمة العقوبات.
وفي السياق نفسه، ظل ارتباط المنامة الوثيق بالولايات المتحدة والسعودية والإمارات يحدد، إلى مدى بعيد، سياستها تجاه طهران، فعزز تطبيعها العلاقات مع إسرائيل في 2020، وتوقيعها اتفاقية تعاون أمني مع دولة الاحتلال في 2022، ومشاركتها في التحالف الذي قادته واشنطن ضد الحوثيين في اليمن في 2023، موقعَها داخل المحور الإقليمي المناوئ لمحور الممانعة الذي يمثله إيران وحلفاؤها في المنطقة، وهو المحور الذي طالما وصفه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بـ "محور الشر".
عزل "الوفاق"
استخدم آل خليفة سردية الخطر الإيراني حجةً لقمع الحقوق السياسية للأغلبية الشيعية، ثم جاء العدوان الأمريكي-الإسرائيلي الأخير على إيران ليمنحهم غطاءً استثنائيًا؛ وحولته السلطة إلى ورقة سياسية لتوصيف الهوية الطائفية كتهمة والتعاطف مع خامنئي إلى خيانة عظمى. ووسعت من مداهمة المنازل والاعتقالات وسحب جنسيات من مواطنين.
ورغم المساحة المفتوحة التي منحتها الحرب الأخيرة للسلطات البحرينية لممارسة قمعها ضد المعارضين، فهذا القمع ليس جديدًا؛ فقبل الحرب وبينما كانت المعارضة تعمل من داخل المؤسسات الرسمية، كان الخيار الأمني هو الأقرب للسلطة.
ففي 2016 حلت السلطات البحرينية جمعية الوفاق الوطني الإسلامية، وصادرت أموالها رغم أنها كانت تعمل بشكل علني، ونجحت في انتخابات 2006 و2010 في حصد أغلبية المقاعد التي تمثل الدوائر ذات الأغلبية الشيعية.
وكانت علاقتها بالسلطة متقلبة بين المشاركة والحوار من جهة، والتوتر والصدام من جهة أخرى، خصوصًا بعد 2011، حين اتهمتها السلطة بتأجيج الاضطرابات والارتباط بأجندات خارجية، وهو ما نفته الجمعية باستمرار، مؤكدة تمسكها بالعمل السياسي السلمي.
مثّل حل "الوفاق" نقطة تحول حاسمة في المشهد السياسي البحريني، لأنه لم يقتصر على إقصاء أكبر ممثل سياسي للشيعة، بل فتح الباب لإغلاق المجال العام أمام العمل السياسي المعارض كله.
وبعد عامين، أصدرت البحرين قانوني العزل السياسي والمدني، اللذين يحظران على أعضاء الجمعيات السياسية المنحلة، مثل الوفاق ووعد وأمل، الترشح للانتخابات أو العمل في مجالس إدارة الجمعيات المدنية مدى الحياة، دون أي مجال للطعن. وبذلك نجح آل خليفة في إخراج أكثر من نصف المشهد السياسي في البلاد من المجال العام بقوة القانون.
ما يكشفه هذا السجل الممتد منذ تأسيس حكم آل خليفة في البحرين حتى اليوم، هو أن هاجس الخطر الإيراني شكّل، إلى حد بعيد، سياسات الدولة الخارجية والداخلية معًا. فمن هذا المنظور، انتقلت المنامة، بحكم موقعها الجغرافي ووزنها السياسي المحدود، من الارتهان إلى عدو إقليمي لإيران إلى الاحتماء بآخر، مرورًا باستضافة الوجود العسكري الأمريكي وتطبيع العلاقات مع إسرائيل، وقمع كل حراك سياسي للأغلبية الشيعية في البلاد.

