صحفيات الصعيد وأثمان الحقيقة الباهظة
كادت خطبة الصحفية آمنة طايع تُفسخ بعد موجة تعليقات مُسيئة من أهالي قريتها الحميدات بمحافظة الأقصر، على خبرٍ غطّت فيه سوء أوضاع إحدى مدارس البلدة، وُجِّه بعضها لعائلتها مباشرةً، على اعتبار أن "إحنا صعايدة والكلام ده مينفعش معانا".
تعمل آمنة في الصحافة منذ ثماني سنوات مُراسلةً لصحيفة خاصة مقرها القاهرة، تمارس عملها الذي يتركز على مشكلات قريتها في مجتمع محلي يعرفها ويعرف عائلتها، وترى أنه يضع في بعض الأحيان حدودًا لما يُنظر إليه باعتباره مقبولًا للمرأة التي تعمل في المجال العام.
وترسخّت هذه الخلاصة في ذهن آمنة بعد أن "رصدتُ في تقرير صحفي إهمالًا في مدرسة في البلد، واتكلمت مع التلاميذ. وأول ما الخبر اتنشر، بدأت توصلني تعليقات مسيئة"، كما تواصل عدد من أهالي القرية مع إخوتها ليمنعوها من متابعة أخبار القرية، "إخواتي قالولي لو عايزة تكملي في الصحافة متكتبتيش أي حاجة عن البلد".
وتضيف "بدأوا يبعتوا لخطيبي رسايل 'الحق خطيبتك، بيتريقوا عليها على السوشيال ميديا'، وهو اتضايق لأنه اعتبر ده إهانة، وزي ما قال إحنا صعايدة والكلام ده مينفعش معانا".
يوميات صحفية في الصعيد
تأخذ الصحافة في صعيد مصر شكلًا مختلفًا إلى حد ما؛ إذ تركز التغطيات المحلية بدرجة أكبر على أخبار القرى والمراكز والمحافظات، وما يرتبط بها من خدمات ومشكلات يومية وقرارات محلية وأحداث مجتمعية.
ومع أفول نجم الصحف الورقية ومحدودية إمكانيات المؤسسات الصحفية في المحافظات، أصبحت السوشيال ميديا هي المساحة الأساسية لمتابعة هذه الأخبار ونقلها، سواء عبر الصحفيين أو من خلال صحافة المواطن؛ حيث يصبح السكانُ صحفيين من خلال نشر ما لديهم من معلومات وصور وفيديوهات ترصد ما يحدث في محيطهم.
وفي محافظة الأقصر، وحسب حصر أجرته المنصة، هناك 25 صفحة إخبارية على السوشيال ميديا، 5 منها فقط تديرها نساء، إحداهنُّ رضا السيد(*)، وهي أيضًا مراسلة لإحدى الصحف القومية، تتعرض لما تعرّضت له آمنة ولكن على نطاق أوسع "بتجيلي تعليقات بتسيء ليا ولطريقة كتابتي، وفيه منها تعليقات على جسمي" تبدأ بـ"معاكسات" مثل "إيه الحلاوة والجمال دول"، ولكنها تنتهي بتحرش إلكتروني مع تعليقات بذيئة أو صور غير لائقة.
تضيف لـ المنصة "اتأذيت نفسيًا بسبب شغلي. نشرت موضوع عن حادث قتل في قريتي، فبدل ما يناقشوا القضية، هاجمني أقارب الطرفين على فيسبوك، رغم إن زملاء رجالة نشروا الموضوع نفسه، ووصل الأمر لاتصالات بأهلي في البيت. يعني سابوا القضية كلها ومسكوا فيا لمجرد إني بنت وبشتغل صحفية في الصعيد".
ولا تقتصر الإساءة للصحفيات على الصعيد وغيره من المجتمعات المحافظة حول العالم، فقد كشفت دراسة أعدتها اليونسكو والمركز الدولي للصحفيين/ICFJ عام 2020 عن العنف الإلكتروني ضد الصحفيات، أن 73% منهن تعرضن للعنف أو الإساءة عبر الإنترنت بسبب عملهن، و25% تلقين تهديدات بالعنف الجسدي، و18% تهديدات جنسية، بينما تعرضت 20% منهن لاعتداءات خارج الإنترنت مرتبطة بهجمات إلكترونية، في ظل استجابة مؤسسية محدودة، إذ أبلغت ربع الصحفيات فقط أصحاب عملهن بما تعرضن له.
وفي السياق نفسه، أظهر تقرير للأمم المتحدة أن 45% من الصحفيات والعاملات في الإعلام يفرضن رقابة ذاتية على حضورهن عبر منصات التواصل لتجنب العنف الرقمي، ارتفاعًا من 30% عام 2020. وتنسجم هذه النتيجة مع ما رصده تقرير لليونسكو من ارتفاع الرقابة الذاتية عالميًا إلى نحو 63% بين 2012 و2025، في مؤشر على أن العنف الرقمي لا يستهدف سلامة الصحفيات فقط، بل يضيِّق أيضًا مساحة حرية التعبير والعمل الصحفي.
من أجل بيئة آمنة
مع صعوبة الموازنة بين متطلبات العمل الصحفي وضغوط المجتمع المحيط، تجد بعض الصحفيات أنفسهن أمام اختبار لا يتعلق فقط بقدرتهن على ممارسة المهنة، وإنما أيضًا على تحمل تبعاتها خارج نطاق العمل، خاصة عندما تتداخل العلاقات الاجتماعية ويصبح المجتمع أكثر تقاربًا ومراقبةً لتفاصيل الأفراد، وهو ما يضاعف من حدة الضغوط.
45% من الصحفيات والعاملات في الإعلام يفرضن رقابة ذاتية على حضورهن عبر منصات التواصل لتجنب العنف الرقمي
في هذا السياق، جاءت مبادرة جندريست التي تعمل على قضايا الجندر وحقوق النساء، كمحاولة لخلق مساحة آمنة لتمارس فيها الصحفيات مهنتهن بلا انتهاكات. ووفق منسقة المبادرة في أسوان يمنى حسن؛ فإن عملها يركز بشكل مباشر على قضايا العنف الرقمي ودعم الصحفيات.
وتضيف يمنى حسن لـ المنصة "نتابع هذه القضايا من خلال الكتابة الصحفية، وإنتاج محتوى توعوي ونسوي يركز على توثيق الانتهاكات وفتح نقاش حول أثرها على النساء العاملات في المجال الإعلامي".
من ضمن مهام المبادرة متابعة ما تتعرض له الصحفيات على السوشيال ميديا، ورصد الانتهاكات التي يتعرضن لها والتعامل مع الحالات التي تلجأ بشكواها إلى المبادرة، "الشكاوى نادرة بسبب الخوف من الوصم الاجتماعي، لكن احنا بنرصد التعليقات على صفحات الصحفيات".
وبناء على هذا الرصد فإن أكثر أنماط الانتهاكات تكرارًا هي التشهير بالصحفية، والتعليقات المرتبطة بكونها امرأة، والتهديد أو التحرش، ومحاولات الضغط عليها للتراجع عن تناول موضوعات بعينها.
أطلقت المبادرة حملة صحفية بعنوان "صحفيات بلا حماية"، ركزت على واقع الصحفيات في مصر والتحديات التي يتعرضن لها، سواء من ناحية العنف الرقمي، أو التمييز داخل بيئة العمل، أو غياب آليات الحماية والدعم.
ترى يمنى أن الخطوات المطلوبة لحماية الصحفيات رقميًا، تبدأ من التدريب المستمر على الأمان الرقمي وتوثيق الانتهاكات بشكل قانوني وآمن، بالإضافة إلى وجود شبكات دعم قانوني ونفسي للصحفيات وتطوير سياسات واضحة داخل المؤسسات الصحفية لحماية العاملات.
من جانبها، تشير الدكتورة هاجر فوزي، الباحثة بكلية الإعلام وتكنولوجيا الاتصال بجامعة قنا، إلى "منظومة كاملة من الانتهاكات والتمييز" تواجهها الصحفيات في صعيد مصر، تبدأ من القيود الاجتماعية على حركتهن، خاصة في التغطيات الميدانية التي تتطلب التنقل ليلًا أو حضور مناسبات يغلب عليها الطابع الذكوري، مثل الجنازات وجلسات الصلح، حيث قد يتعرضن للانتقاد والتعليقات السلبية.
ولا تتوقف الانتهاكات، وفق الأكاديمية المصرية، عند المجتمع، إذ تمتد إلى بيئة العمل نفسها، حيث قد تُستغل الصحفية مهنيًا باعتبارها وسيلة لجذب الإعلانات، بما يحولها من فاعل مهني إلى أداة لتحقيق مكاسب مادية.
وتوضح أن نقد المحتوى قد يتحول إلى هجوم شخصي يتناول مظهر الصحفية أو حياتها الخاصة، أو إلى حملات تشهير وضغوط تستهدف دفعها للتراجع عن تناول موضوعات معينة. وتنصح الصحفيات بعدم اعتبار التنمر والإساءة الرقمية جزءًا طبيعيًا من المهنة، مع توثيق ما يتعرضن له والاحتفاظ بالرسائل والتعليقات والحسابات المسيئة، وطلب الدعم المهني والقانوني بدلًا من مواجهة هذه الانتهاكات بمفردهن.
النقابة مساعدًا قانونيًا
وإلى جانب المبادرات المجتمعية، تتولى نقابة الصحفيين تقديم الدعم القانوني اللازم لمن تتعرض من الصحفيات لحملات تنمر أو إساءة تتجاوز التناول المهني لعملها. لكن رغم ذلك، تندر الشكاوى المتعلقة بحملات الإساءة، وفق إيمان عوف، عضوة مجلس نقابة الصحفيين ورئيسة لجنتي المرأة والحريات.
وأوضحت إيمان عوف لـ المنصة أن النقابة تعاملت بالفعل مع ثلاث شكاوى مماثلة، قدمّت خلالها الدعم القانوني والنفسي للصحفيات اللاتي تعرضن لهذا النوع من الإساءات، دون إعلان، لكن "تم التعامل معها قانونيًا وبالتنسيق مع الجهات المعنية، مع الحفاظ الكامل على سرية البيانات، وتم إحالة جميع القضايا إلى المحاكم".
وتفسّر الصحفية النقابية ذلك بقولها إن التربص بعمل النساء في مجالات معينة من بينها الصحافة، جزء من سياق اجتماعي واقتصادي عام تحكمه عادات وتقاليد كثيرة، تؤثر على قدرة النساء بشكل عام، وليس الصحفيات فقط، على الإبلاغ عن هذه الوقائع.
وتشير أيضًا إلى أن نظام الشكاوى قد لا يضمن دائمًا حمايةً كافية، سواء للشهود أو للمبلِّغات، وقد يسبب تسريب البيانات والمعلومات في بعض الحالات حرجًا أو حساسية، خاصة إذا كانت الصحفيات من الجنوب. وهنا تشير إلى أن خطة النقابة تعتمد بشكل كبير على تنشيط اللجان النقابية في المحافظات، بهدف تعزيز التواصل المستمر مع الصحفيات، وفتح آفاق لتقديم الشكاوى مع ضمان حماية بياناتهن.
تكامل بين المؤسسات
فيما يوضح محمود الهواري، المدير التنفيذي لشركة المناصرة والمدافعة للمحاماة والاستشارات القانونية لـ المنصة "من خلال عملي في مهنة المحاماة، وتعرفي على عدد من الصحفيات بحكم طبيعة العمل، استشارتني صحفيات تعرضن لمضايقات وتحرش لفظي وتهديدات أثناء العمل الميداني، فضلًا عن التشويه والتشهير عبر السوشيال ميديا".
لم تتطور إحدى هذه الاستشارات لتصل إلى بلاغ رسمي، "خوفًا من نظرة المجتمع لهن، أو من الدخول في مشكلات وخلافات متكررة، أو حتى من تبعات الحصول على حقوقهن، خاصة عند تناول قضايا حساسة مثل النزاعات القبلية أو الثأر"، يوضح الهواري لـ المنصة.
فيما تعلن إيمان عوف جاهزية النقابة الكاملة لتلقي الشكاوى والتعامل معها، مع تقديم الدعم القانوني والنفسي للزميلات اللاتي يتعرضن للعنف الإلكتروني. وتشدد على أن النقابة تتبنى الدفاع عن حق الصحفيات في بيئة عمل آمنة، وتسعى بكل جهدها لتوفير هذه البيئة سواء داخل المؤسسات أو خارجها.
أما آمنة، فبعد نقاشات وشد وجذب مع خطيبها، أصرَّت على عدم حذف ما كتبته عن قريتها "قلت له إنت لك كامل الحرية في تقبل عملي من عدمه، بس مش هسيبه". لكنهما توصّلا في النهاية إلى مواءمة تقضي بتجنب ظهورها المباشر في القضايا التي قد تثير المشاكل، لتواصل خدمة أهل قريتها بعيدًا عن العمل الصحفي، عبر التواصل مع المسؤولين وإرسال الشكاوى إليهم ومتابعة مراحل حلها.
مرت آمنة بفترات اكتئاب بسبب التجاوزات التي تعرضت لها، لكنها في كل مرة كانت تعاود العمل مرة أخرى "أنا مؤمنة إن ليا دور مهم وهكمل فيه للنهاية".

