فجوات تاريخية تخرج منها الوحوش
عن الفوضى في الفواصل بين انهيار وقيام العوالم والأنظمة
في ثلاثية نجيب محفوظ، أجد كمال أحمد عبد الجواد، ذلك النموذج الحائر، القَلِق، فاقد اليقين والبوصلة الحياتية؛ الممثِّل لتلك الفترة الانتقالية الفارغة، التي يتحدث عنها الفيلسوف الإيطالي أنطونيو جرامشي في كراسات السجن "العالم القديم يحتضر، والجديد لم يولد بعد. في هذا الفراغ تظهر الوحوش".
في هذا الفراغ الانتقالي بين الحربين العالميتين، الذي تشغله الثلاثية (1919 -1944)، والذي كتب فيها جرامشي كتابه (1929- 1935)؛ تتوزع قصص الموت والولادة لعائلة كمال، لتأتي إحدى اللحظات الحاسمة، في نهاية الجزء الثاني "قصر الشوق"، التي تمثل إحدى علامات موت العالم القديم في 23 أغسطس/آب 1927، مع موت سعد زغلول الذي كان يشكل لكمال، كما يشير الراوي "خير ما في روحه من وحيه وتربيته".
عندها يسقط كمال في تلك الفجوة الزمنية المضطربة التي تكمل معه رحلتها في الجزء الثالث "السكرية"، الذي يشهد احتضار العالم القديم بكامله، بوفاة أبيه السيد أحمد عبد الجواد، وتواري وموت الجيل الثاني الذي كان يمثله أبناؤه، وسيطرة أحفاده، أو الجيل الثالث، على المشهد.
الفجوة الزمنية
منذ التسعينيات نعيش في تلك الفجوة الزمنية، بما تتسم به من فوضى، وتحولات جذرية مستمرة، غيرت قواعد لعبة الحياة، وزحزحت أنظمتها الثابتة، فتسلل اللايقين، الذي وصل عند كمال لدرجة الإلحاد وعدم الثقة في عدالة السماء.
فقد العالم ثوابته التي شكلت من قبل توقعاتنا وتوقعات أجيال سبقتنا للغد، ليأتي التاريخ، عبر انتقالاته غير المتوقعة، ليضحك علينا ويدخلنا في ظلام تلك الفجوة الزمنية.
ربما الاستقرار النسبي لخريطة الحياة والسياسة، لعدة عقود؛ كان السبب في استسلامنا وأجيال قبلنا، لهذه الثوابت بوصفها إرثًا أبديًا، ثم سرعان ما ظهر الوجه الآخر لها، وظهرت ثغرات في مفهوم الزمن والتاريخ، الذي لا يسير منتصرًا فقط للأمام، وأصبحنا معلقين بين زمنين: احتضار القديم وانتظار ولادة الجديد، كما يشير جرامشي، نعاني من الأعراض المرضية لهذا الفراغ الانتقالي، نروض الوحوش التي تكاثرت، في نفوسنا، ومن حولنا، في ظلام هذا الثقب التاريخي.
أمام هذا الوضع المأزوم، لم أجد أقوى وأنصع من مقولة جرامشي السابقة، لتبث العزاء وتمنحنا عين الطائر لنعاين بها موتنا وقيامتنا معًا.
السيولة أيضًا
مع سقوط جدار برلين، ظهر مصطلح آخر وسط المثقفين، وهو "السيولة"، لتفسير التحولات المتسارعة من تفتت الكتلة الشرقية، الذي كان نذيرًا بسياسة دولية جديدة تحكمها الهيمنة القطبية، بجانب الغموض والقلق الذي أصبح يلف مستقبل العالم.
في كتابه الحداثة السائلة لزيجمونت باومان، رصدٌ اجتماعيٌّ لهذه الحالة من الفوضى وفقدان المعنى. يكتب في تعريفه للسيولة "قصة سفر، قصة التوسع التدريجي المتواصل للمسافة التي تفصل الظرف الحياتي الحالي، عن نقطة انطلاقه".
ثم يضيف مُصِرًّا على استخدام مصطلح "القصة" بمفهومها التلقيدي كحكاية تحمل المفاجأة، يتقاسم بطولتها القديم والجديد معا، كبطلي قصة جرامشي تماما "قصة وضع إنساني يصير مختلفًا عما نعرفه أو ظننا أننا نعرفه، تلك القصة سجلت محاولة فهم الجديد عبر استيعاب تباعده الوليد عن القديم".
يشرح الكتاب كيفية تفكك البنى الاجتماعية الصلبة، التي كانت تؤطر جريان الحياة وتمنحها الشكل المتعارف عليه، كالأسرة والوظيفة الدائمة، وعلاقات الحب، وتحولها إلى أشكال جديدة متغيرة، تبتعد باستمرار عن نقطة الأصل التي خرجت منها.
إنها رحلة فقْد دائم كما يشير باومان، أدت إلى هشاشة في العلاقات الإنسانية، وطغيان نزعة فردانية، لا تتغذى إلا على الاستهلاك، سواء للمادة أو المعنى، بجانب سيطرة طبقة نيوليبرالية جديدة، عابرة للقارات، على مقدرات الدول والشعوب والأفراد، في ظل العولمة.
فهذه القصة، كما يذكر، بطلها الرئيسي هو "الوضع الحياتي المتراجع، حتى ولو عبر نفيه أو رفضه أو عدم الاعتراف به".
أمام هذه الحداثة السائلة لا نملك سوى الانجراف، عاجزين عن التوقف أو اتخاذ موقف نقدي، ربما تحولنا إلى نسخة حديثة من حيرة وشك وخوف كمال عبد الجواد.
تشاؤم باومان وتفاؤل جرامشي
الحروب والثورات، كالربيع العربي، أطاحت بما كان صلبًا من قبل، لتبدأ سلسلة من الانهيارات لأنظمة سياسية قديمة، مع عدم ظهور أنظمة جديدة، نتج عن ذلك فراغات في مفهوم السلطة، عشناها لسنوات، وظل أثرها باقيًا، تبعتها صراعات داخلية جسدت المفهومين معًا: سيولة باومان والفراغ الانتقالي لجرامشي.
تتدخل الحروب أحيانًا لتسرِّع عجلة التاريخ، لتحقيق أهدافه، بوصفه عاقلًا ينشد الحق وإرساء ميزان العدالة التي هي جزء من الإيمان بجدوى الحياة، فالتاريخ يستمد قوته من وقوفه كشبح خلف الحق.
لم يبشِّر باومان، كما جرامشي، بنهاية هذه السيولة وبُعد المسافة التي تفصل الظرف الحياتي الحالي المتردي عن نقطة انطلاقه. ليست هناك ولادة في حداثته السائلة، بل فقدٌ/موتٌ دائم، وتخلٍّ، بلا أمل في المستقبل باستعادة التوازن وسيطرة الإنسان وعقله وتصوراته، من جديد، على اتزان العالم، بعكس جرامشي الذي ضَمَّن المستقبل الذي ينتظر فيه ولادة الجديد في نظرته، كأنه قادم لا محالة، حتى ولو تأخرت دورته.
قارب جرامشي بين زمنين يحصر بينهما هذا الفراغ/الفجوة بـ: ما قبل وما بعد؛ كتأريخٍ لحدث كبير. صنع أسوارًا حول هذه الفجوة، التي تعيش فيها الوحوش، وقد تحولت بدورها إلى رهينة مؤقتة بين زمنين.
أما عند باومان، تحول هذا الفراغ الانتقالي إلى جريان ممتد بلا نهاية ودون توقف للتحولات، ودون أسوار ، أو بوابات تمنع سيولته، ووحوشه. فالأزمة مستمرة دون ظهور عالم جديد، وتحمُّل الأزمة لن يكافَأ بالضرورة بولادة منتظرة.
نزع باومان عن حداثته السائلة الموت والميلاد في نظرته للتاريخ. أما عند جرامشي الذي يملك الأمل، صاحب تعريف "تشاؤم العقل، وتفاؤل الإرادة" فالازمة في طريقها للانفراج، حتى ولو طال أمدها، فسرعان ما يسترد التاريخ وعيه ويصحح نفسه.
القديم يحمل من الجديد والعكس
لا يتحدث جرامشي عن فترة زمنية بعينها، بل عن بنية تاريخية متكررة، حالة من حالات تجسدات التاريخ، فمقولته تنطبق على كل لحظة انتقال حضاري غير مكتمل، يشكل أزمة، كما يقول شرَّاحه.
ربما اكتمال إحدى دورات التاريخ، وبالتالي ولادة الجديدة وسيطرته وموت القديم؛ لا يحدث بهذا النقاء والوضوح، فكل قديم يحمل شيئًا من ولادة الجديد يصارع للبقاء، وكل جديد يحمل شيئًا من موت القديم، يسارع للفناء.
ربما هذه الثنائية: الموت/الولادة متلازمة تاريخية أكثر منها حالة عرضية، والشيء الأساسي فيها والبرهان الشبحي الذي يظهر ليختفي؛ هو صورة الجديد التي تنسخ القديم، ولكن سرعان ما يأخذ القديم ثأره ويعود ليشغل، عبر الموت، ركنًا ركينًا من هذا الجديد.
ما يحدث الآن وبوتيرته المتسارعة وخروج الوحوش من كل الأصناف والأنواع، من هذه الفجوة التاريخية الممتدة منذ التسعينيات، ومحاصرتها لحياتنا، وأفكارنا، وصولًا للحب وسيطرة الهشاشة واليأس على تجارب حياتنا؛ جعل من مقولة جرامشي النموذج التاريخي الآمِل الذي يمكن أن يتكون من خلاله صراع متكافئ ما بين القديم والجديد.
نعيش الآن هذه الفجوة الانتقالية أكثر من أي وقت مضى، فهي ليست فقط محصورة بين زمنين، بل هناك زمن مفتوح على مصراعيه، زمن ما بعد السيولة، وما بعد زمن الوحوش، ننتظر مُعلقين بأي بشارة بعالم جديد، حتى ولو كانت كاذبة. زمن بلا ضفتين، كزمن جرامشي المتفائل، نعيد فيه استخدام مصطلحات ترسم كروكيًا سريعًا لأولوياتنا، وخريطة مقاومتنا، ألاَّ نكون لقمة سائغة للوحوش.
ثم يدخل الذكاء الاصطناعي، والروبوتات، كالشريك المخالف، ليعقد المشهد، في تحديد هذه المسافة مع نقطة الأصل، كونه أكبر من نقطة انطلاق يقاس بها التحول والتوسع، لم يعد الظرف الحيات المتردي نقطة أو سياق اجتماعي أو سياسي، بل أصبح هذا المرجع البعيد الذي نبتعد عنه؛ هو الإنسان نفسه، بلحمه وشحمه ودمه.
مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.

