تصميم: سيف الدين أحمد، المنصة 2026
يصبح تجديد الملابس أولوية، باعتبارها وسيلة للتمايز الاجتماعي وإثبات الذات

كيف تجعلنا الموضة أقل حساسية للعالم من حولنا

قراءة سوسيولوجية في علاقة الاستهلاك باللامبالاة تجاه العمال والبيئة

منشور الأحد 19 نيسان/أبريل 2026

مع لهاث الشركات بحثًا عن أيدٍ عاملة أرخص وضرائب أقل وقيود تنظيمية أضعف؛ نشأ انقسام حاد بين أماكن الإنتاج وأماكن الاستهلاك، حيث تنتشر مراكز التسوق والتجارة الإلكترونية وأنماط الاستهلاك المرتبطة بما يعرف بالموضة السريعة، وفي هذه البيئات تصبح السعادة مرتبطة بقدرتنا على شراء المزيد من السلع.

تتطور مجتمعات الاستهلاك حسب قدرتها على تحويل عدم الرضا إلى حالة دائمة لدى أفرادها؛ أي جعل الناس يشعرون دائمًا بأن ما لديهم غير كافٍ وأن عليهم تجديد مقتنياتهم باستمرار، وفق ما يرى عالم الاجتماع البولندي زيجمونت باومان.

وعليه، يصبح تجديد الملابس أولوية، باعتبارها وسيلة للتمايز الاجتماعي وإثبات الذات وتعزيز الثقة بالنفس. لكن الوجه الآخر لهذا النظام هو ازدياد التلوث البيئي وتفاقم المشكلات الاقتصادية والاجتماعية في آنٍ معًا، في أماكن الاستهلاك التي تغادرها الشركات، وفي أماكن الإنتاج التي تنتقل إليها.

آثار جانبية

هذه التحولات العالمية كانت محور بحثٍ ميداني شاركتُ فيه ونُشر مؤخرًا في كتاب خطابات مستهلكي الملابس في إسبانيا، خلال مشاركته في بحث اجتماعي لفهم أنماط استهلاك المواطن الإسباني، في ظل الآثار البالغة لعمليتي الإنتاج والاستهلاك على العمال والبيئة المحيطة؛ اختبر الدكتور باسم محمود، الباحث في جامعة غرناطة، عددًا من الفرضيات والأسئلة، يستعيدها في هذا المقالعن دار تيكنوس الإسبانية؛ حيث ركزنا جهودنا على فهم وجهة نظر المستهلك الإسباني، وكيفية استيعابه لهذه الدوامة الإنتاجية والاستهلاكية التي باتت تحكم عالمنا، مع التركيز على العناصر التي يراعيها الناس عند شراء الملابس، ومدى وعيهم بالآثار الاقتصادية والاجتماعية والبيئية لصناعة الألبسة. شمل البحث ست مدن إسبانية بين أبريل/نيسان وسبتمبر/أيلول 2019، بالاعتماد على مجموعات نقاش مع مستهلكين من خلفيات اجتماعية مختلفة.

تشير نتائج البحث إلى أن مستهلكين كثيرين لديهم معرفة عامة بالعولمة وبانتقال الشركات إلى بلدان ذات تكاليف أقل، ويدركون، بدرجة ما، أن مستويات الرفاه وأنماط الاستهلاك في بلدانهم لا يمكن أن تستمر من دون معاناة عمال في بلدان الإنتاج. لكن هذه المعرفة تبقى غالبًا سطحية وغير دقيقة.

معلومات المستهلكين عن ظروف العمل في صناعة الألبسة تبقى محدودة ومشوشة

يلعب المسار الشخصي دورًا مهمًا في هذه المعرفة. فالأشخاص الذين يسافرون أكثر، ويتقنون لغات أجنبية، ولديهم أصدقاء من بلدان أخرى، وحظوا بمستويات تعليم عالٍ ولديهم دخل أكبر؛ أكثر إدراكًا لهذه التفاوتات العالمية. كما يظهر وعي أكبر لدى من ينحدرون من مناطق شهدت فقدان وظائف بسبب انتقال الشركات إلى الخارج أو بسبب المنافسة مع المنتجات المستوردة.

لكن اللافت أن هذه المعرفة لا تتحول بالضرورة إلى رغبة في تغيير أنماط الاستهلاك. فمعلومات المستهلكين عن ظروف العمل في صناعة الألبسة تبقى محدودة ومشوشة. وعندما طُرح هذا الموضوع خلال مجموعات النقاش، كان الصمت الطويل يتخلله أحيانًا ذكر أخبار سمعوا بها عن الاستغلال أو ساعات العمل الطويلة أو عمالة الأطفال أو الأجور المنخفضة.

أما المعرفة بالآثار البيئية لصناعة الملابس فكانت أضعف بكثير. يعرف بعض المشاركين أن هذه الصناعة ملوِّثة، خصوصًا للمياه والهواء، لكنهم لا يعرفون شيئًا تقريبًا عن حجم الانبعاثات الكربونية الناتجة عنها أو عن التلوث الناتج عن صباغة الأقمشة. ومع ذلك، فاللافت هو غياب الفضول لمعرفة المزيد. فكثير من المشاركين عبّروا صراحة عن رغبتهم في عدم معرفة التفاصيل، لأن المعرفة الأعمق قد تولد شعورًا بالذنب يجعل عملية الشراء أقل راحة.

بهذا المعنى، يبدو الجهل أحيانًا خيارًا واعيًا لإدارة الشعور الأخلاقي. فالتفكير في ظروف الإنتاج أو في التلوث البيئي قد يفسد متعة الاستهلاك. لذلك يُفضِّل كثيرون إبقاء هذه القضايا بعيدة عن أذهانهم، خصوصًا عندما تبدو آثارها بعيدة زمنيًا أو جغرافيًا.

خلق الحاجة

لفهم هذه الظاهرة يمكن العودة إلى فكرة طرحها باومان حول التمييز بين القريب والبعيد. فالقريب هو المجال الذي يشعر فيه الإنسان بأنه في بيته، حيث يفهم ما يجري ويشعر بأنه معني به. أما البعيد فهو فضاء يحدث فيه ما يبدو خارج قدرتنا على الفهم أو التأثير، ولذلك لا نشعر بضرورة الاهتمام به.

غالبًا ما تقع ظروف العمل في مصانع الملابس أو الآثار البيئية لصناعتها ضمن هذا البعيد. أما عندما تظهر آثار اقتصادية أو اجتماعية داخل المدينة أو الحي، فإنها تتحول فجأة إلى قضية قريبة تستحق الاهتمام.

ذا كان الناس يدركون، أن لهذه الصناعة تبعات خطيرة، فلماذا لا يغيرون سلوكهم الاستهلاك

هنا يبرز مفهوم آخر استخدمه باومان هو أديافورا/adiaphora، أي تحويل بعض الأفعال أو العلاقات إلى أمور خارج الاعتبار الأخلاقي. يحدث ذلك عندما نُقصي جماعات أو مناطق كاملة من دائرة الاهتمام، بحيث لا نشعر بأننا ملزمون أخلاقيًا بالتفكير في ما يحدث لها. هذه الآلية تساعدنا على الحفاظ على نمط حياة مريح، لكنها في الوقت نفسه تجعل العالم أكثر قسوة لأنها تضع الآخرين خارج نطاق مسؤوليتنا الأخلاقية.

لكن إذا أدرك الناس ولو جزئيًا أن لهذه الصناعة تبعات خطيرة، فلماذا لا يغيرون سلوكهم الاستهلاكي؟

تتعدد الأسباب التي تدفعنا لشراء الملابس، الرغبة في التميز أو التقليد، متابعة الموضة، تحسين المظهر، أو ببساطة الشعور بالحاجة إلى الشراء. هذا التبرير الأخير "أنا بحاجة إليه"، كان الأكثر حضورًا في خطابات المشاركين في البحث. لكن عند التدقيق في معنى هذه الحاجة نجد أنها غالبًا ما تكون حاجة اجتماعية ولدت من داخل ثقافة استهلاكية تشجع على التجديد الدائم.

تعرف الشركات جيدًا هذه الآليات النفسية والاجتماعية. ولذلك تطارد المستهلكين بالإعلانات والتنزيلات والعروض الموسمية وتغيّر خطوط الموضة باستمرار. ومع انتشار المؤثرين على السوشيال ميديا وتعاون شركات الأزياء مع شركات التكنولوجيا، أصبح من الصعب على أي مستخدم للإنترنت تجنب الرسائل التسويقية. يكفي التوقف لحظة أمام صورة منتج على شاشة الموبايل حتى تبدأ الخوارزميات بعرضه مرارًا وتكرارًا.

في هذا السياق يمكن الحديث عن نوع من الاستهلاك القهري، يتجاوز المنطق البسيط القائم على "الاستخدام ثم الاستبدال". فكثيرٌ من الناس يشترون ملابس لا يستخدمونها أصلًا، وتبقى معلقة في الخزانة مع بطاقة السعر.

أنماط المستهلكين

أحد محال الملابس بمدينة 6 أكتوبر، نوفمبر 2024

اعتمادًا على النقاشات التي أُجريت في البحث يمكن التمييز بين أربعة أنماط رئيسية لمستهلكي الملابس.

النمط الأول هو الممتثل، وهو الأكثر انتشارًا. هنا يسود منطق البحث عن المنتج الأرخص والأسرع شراءً، من دون التفكير كثيرًا في الآثار الاجتماعية أو البيئية. ويظهر هذا النمط لدى من يشترون الملابس بشكل متكرر بدافع العادة أو الترفيه أو الملل.

النمط الثاني هو غير المبادر، ولدى أصحاب هذا النمط قدر من الوعي بالمشكلات المرتبطة بصناعة الملابس، لكنهم يعتقدون أن المسؤولية تقع أساسًا على الحكومات أو الشركات أو النقابات، وأن ما يفعله المستهلك الفرد لن يغير شيئًا يذكر.

أما النمط الثالث فهو المتألم، هنا يظهر شعور بالمسؤولية والذنب تجاه هذه الصناعة، ويحاول بعض الأفراد تعديل سلوكهم، شراء أقل، أو اللجوء أحيانًا إلى الملابس المستعملة، أو اختيار منتجات يعتقدون أنها أكثر استدامة. لكن هذه الممارسات تبقى غير ثابتة وغالبًا ما تتراجع أمام إغراءات السعر أو الموضة.

وأخيرًا هناك النمط الناشط، وهو الأقل انتشارًا. في هذه الحالة يحاول الأفراد التوفيق بين قناعاتهم وممارساتهم اليومية، فيقللون استهلاكهم ويقاطعون بعض الشركات ويبحثون عن بدائل أكثر استدامة.

تشير نتائج البحث إلى أن النمط السائد هو الممتثل، يليه غير المبادر، بينما يبقى النشطاء أقلية صغيرة. وهذا يتوافق مع ثقافة الاستهلاك المعاصرة التي تعزز نموذجًا اقتصاديًا يقوم على الإنتاج المتزايد والاستهلاك المتسارع.

كما كشفت النقاشات عن مجموعة من التبريرات التي يستخدمها الناس لتبرير استمرار هذا النمط من الاستهلاك: إلقاء المسؤولية على الحكومات أو الشركات، الاعتقاد بأن الأجور في بلدان الإنتاج مناسبة لظروف المعيشة هناك، ضعف القدرة الشرائية الذي يدفع إلى شراء الأرخص، أو غياب الثقة في البدائل التي تقدمها الشركات تحت شعار الاستدامة.

لكن السؤال الأهم يبقى: ماذا يمكن أن نفعل؟

لا توجد إجابة بسيطة. إلا أن تقليل استهلاك الملابس يبدو خطوة ضرورية إذا أخذنا في الاعتبار الآثار البيئية وحدها. أما تحسين ظروف العمل في صناعة الألبسة فيتطلب تعاونًا بين الحكومات والشركات والنقابات والمستهلكين.

ومع ذلك، فإن التحدي لا يتعلق فقط بالاقتصاد أو البيئة، بل أيضًا بثقافة الاستهلاك نفسها. فهذه الثقافة لا تكتفي بتشجيعنا على شراء المزيد، بل تجعلنا أقل حساسية تجاه العواقب التي يتحملها الآخرون. وربما يكون إدراك هذه الآليات هو الخطوة الأولى نحو استعادة قدر من المسؤولية الأخلاقية في عالم أصبحت فيه المسافة بين الخزانة ومصانع الإنتاج بعيدة بما يكفي لكي نتجاهلها.

مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.