غزّة بين الواقع والدراما: هل يمكن تمثيل الإبادة؟
لم يكن قول الفيلسوف وعالم الاجتماع والنفس الألماني تيودور أدورنو (1903-1969) الشهير إن "كتابة الشعر بعد أوشفيتز (معسكر الاعتقال النازي) فعل بربري" تحريمًا للفن بقدر ما كان استفزازًا فكريًا موجّهًا إلى حدود التمثيل في أعقاب الكارثة. السؤال ليس عمّا إذا كان ينبغي للفن أن يوجد بعد الفظائع، لكن عن الأشكال الجمالية الممكنة والمسؤولة للتدخل دون تحويل العنف الجماعي إلى مشهد قابل للاستهلاك أو تقديم عزاء أخلاقي زائف.
اليوم يعود هذا السؤال بإلحاح أشد في سياق غزّة: هل يمكن لعمل درامي ميلودرامي مثل صحاب الأرض أن يعيد تجسيد إبادة جماعية لا تزال تتكشف في الزمن الحاضر، فيما يستمر القتل والتهجير والتدمير دون توقف؟
وهم المعرفة
أكتب من موقع التردُّد والالتباس لا اليقين. أفهم الدافع إلى إنتاج أعمال درامية عن غزّة، كما أفهم رغبة كثيرين في رؤية الكارثة واستعادة إنسانيتها في مواجهة عمليات نزع الإنسانية والمحو. غير أنّ هذا الدافع نفسه يكشف مأزقًا أخلاقيًا أعمق. ففي عالم أكثر عدلًا، كان يكفي أن تثير الصحافة الجادة الغضب في نفوس الجماهير، وأن تترجم الجماهير هذا الغضب إلى ضغط سياسي.
فائض الصور قد يولّد إحساسًا بالقرب دون القيام بالعمل المعرفي والأخلاقي اللازمين للفهم
إن لجوءنا اليوم إلى الدراما كي "نجعل الناس يهتمّون" هو في حدّ ذاته إدانة لتطبيع العنف البعيد ضمن أنظمة إعلامية مشبعة حدّ التخدير، حيث تنافس الإبادة الترفيه على جذب الانتباه. ومع ذلك، حين تكون الإبادة جاريةً، فإن الصمت أو الانسحاب ليسا موقفين محايدين أخلاقيًا.
قد تصل الإنتاجات الثقافية أحيانًا إلى جماهير لا تصلها التغطية الإخبارية، فتحوّل الأرقام إلى وجوه والتجريد إلى قرب إنساني. كما أنّ الإرباك الذي تُحدثه هذه الأعمال في الخطاب السياسي والإعلامي الإسرائيلي ليس عرضيًا؛ فهو يشير إلى تصدّع في السرديات المهيمنة، إلى لحظة يُدفع فيها ما يُراد له أن يبقى بعيدًا أو غير قابل للتخيّل إلى حيّز الظهور.
غير أنّ السؤال الحاسم ليس مجرّد ما إذا كانت غزّة تُعرَض، لكن أيّ نوع من الرؤية ينتجه هذا العرض. المشاهدة ليست معرفةً. فائض الصور قد يولّد إحساسًا بالقرب دون القيام بالعمل المعرفي والأخلاقي اللازمين للفهم.
هنا أتذكّر عبارة في فيلم هيروشيما حبيبتي/Hiroshima mon amour لألان رينيه (1959)، حين يقول الرجل الياباني لحبيبته الفرنسية "أنتِ لم تر شيئًا في هيروشيما"، فتجيبه "رأيت كلّ شيء، زرت المتحف أربع مرّات".
يكشف هذا الحوار وهم المعرفة الوسيطية. فزيارة المتحف، ومطالعة الصور المعاد إنتاجها، والأرشيف المنسّق، قد تمنح إحساسًا بالفهم من دون أي تماس حقيقي مع الجوهر التاريخي والسياسي للمأساة. كثير من تلقّي غزّة اليوم يقع في الفخّ نفسه: نشعر بأننا مطّلعون لأننا شاهدنا، من دون أن نُستدرَج إلى المساءلة أو إلى فهم أوضح للبنى التي تُنتج هذا العنف وتعيد إنتاجه.
يتفاقم هذا القلق حين نضع هذه الأعمال ضمن الاقتصاد السياسي للأنظمة الإعلامية التي تنتجها وتبثّها. يُعرض مسلسل صحاب الأرض خلال شهر رمضان، ذروة موسم المشاهدة التليفزيونية في العالم العربي. المفارقة صارخة. فرَمضان، بوصفه زمنًا تقليديًا للتهذيب الروحي والتأمّل الأخلاقي، يتحوّل إلى موسم مكثّف لاستهلاك الصور، بما فيها استهلاك الكارثة. إدراج الإبادة ضمن برمجة رمضان يطويها داخل إيقاعات السوق الإعلامية، حيث تُغلَّف المعاناة وتُوقّت وتُسوّق وفق منطق المشاهدة الليلي. لم يعد السؤال فقط عمّا نراه، بل متى وكيف ولماذا نراه.
التطبيع مع المأساة
يركّز صحاب الأرض، من إخراج بيتر ميمي، على تشابك حيوات فلسطينية في غزّة، مع ارتكاز السرد خصوصًا على مسار طبيبة مصرية تؤدّي دورها منّة شلبي، ومدني فلسطيني يؤدّي دوره إياد نصّار، تتقاطع طرقهما وسط القصف والتهجير وانهيار الحياة اليومية. وعلى خلفية أحياء مدمّرة ومستشفيات مثقلة وبيوت مفكّكة، يؤطّر العمل العنف الجماعي الجاري عبر مسارات شخصية حميمة للعناية والفقد والصمود الأخلاقي.
حين تكون الكارثة جارية، يصبح التمثيل ذاته مشكلة أخلاقية. إدراج العنف المتواصل ضمن حبكات محكمة ذات أقواس عاطفية ونجوم معروفين وتماسك جمالي يهدّد بتحويل كارثة غير منتهية إلى موضوع سردي قابل للاحتواء. يذكّرنا جورجيو أجامبين بأن هناك فجوة لا تُجسر بين عيش الكارثة وتمثيلها. فما هو جوهري في تجارب العنف الأقصى هو تحديدًا ما يقاوم التعبير الكامل.
الدراما، بحكم شكلها، تميل إلى ملء هذه الفجوة بتماسك سردي. وفي ذلك تستبدل الحدث بتمثيله، كأنّ غير القابل للتمثيل يمكن تمثيله على نحو وافٍ. الرهان هنا ليس فقط على الأمانة للواقع، بل على خطر أن يمنح التمثيل تسوية عاطفية حيث لا يجوز أخلاقيًا أي إغلاق أو تعزية.
بعد سنتين وأكثر من 4 أشهر من التعرّض المتواصل لصور العنف الخام، لا تؤدّي إعادة تمثيل الإبادة بالضرورة إلى تعميق الفهم. قد تراكم الإنهاك وتُنتج تعاطفًا مستنزفًا. حذّرت الناقدة والمخرجة الأمريكية سوزان سونتاغ في كتابها ألم الآخرين/Regarding the Pain of Others من أنّ التعرّض المتكرّر لصور المعاناة قد يقود إلى إنهاك التعاطف وإلى وهم الانخراط الأخلاقي من دون أثر سياسي.
قد تُحرّك المأساة المتخيّلة المشاهدين وتقلقهم، لكنها في الوقت نفسه قد تمنح تطهيرًا عاطفيًا يحلّ محلّ الالتزام السياسي الفعلي. بهذا المعنى، يغدو التمثيل بديلًا عن الفعل بدل أن يكون محفّزًا له.
ليست هذه البرمجة الوجدانية عرضية. فقد بيّن باحثو الميلودراما والسينما السياسية كيف توجّه الموسيقى واللقطات القريبة والوجوه المألوفة استجابات المشاهدين العاطفية. صحيح أنّ هذه الأدوات قد تولّد تعاطفًا، لكنها في الوقت نفسه تنظّم كيفية الشعور بالمعاناة وتفسيرها. وفي سياق مآسٍ جارية، قد يبدو هذا "الإخراج العاطفي" تدخّليًا أو إشكاليًا أخلاقيًا، لأنه يؤطر عنفًا حقيقيًا غير مكتمل ضمن منطق جمالي يعد بالحلّ الدرامي.
يذكّرنا عالم النفس الأمريكي دوري لوب، والناقد الأدبي شوشانا فيلمان، في كتابهما المشترك Testimony: Crises of Witnessing in Literature, Psychoanalysis and History بأن الشهادة ليست مجرّد نقل للمعلومات، لكن حدث أخلاقي يُقحم المستمع في علاقة مسؤولية. قد تُحاكي إعادة التمثيل لغة الشهادة من دون أن تطلب تكلفتها الأخلاقية: الالتزام والمساءلة والتفكّر التاريخي. والنتيجة إحساس زائف بأن واجب الشهادة قد أُنجز، فيما تظلّ البنى التي تُنتج العنف على حالها.
تتعقّد الرهانات الأخلاقية أكثر حين نضع المسلسل ضمن سياقه السياسي. ففي بيئة إعلامية مُحكَمة الضبط، حيث تُقيَّد الاحتجاجات العلنية والتضامن السياسي الصريح مع فلسطين، قد تتحوّل التعاطفات المعروضة على الشاشة إلى بديل رمزي عن فعل سياسي مُقيَّد في المجال العام. الدراما لا تعمل تلقائيًا بوصفها مقاومة؛ بل قد تؤدّي دور صمام أمان وجداني يفرغ الغضب من دون ترجمته إلى مطالب جماعية أو مساءلة مستدامة.
تسليع الكارثة
على مستوى أعمق، لا تتعلّق المسألة فقط بكيفية تمثيل غزّة، بل بكيفية إعادة تشكيل الحرب نفسها في عصر الصور. يطرح جان لوك نانسي سؤالًا حاسمًا: ما الحرب اليوم، وماذا تفعل بنا؟ لم تعد الحرب شيئًا يحدث هناك ثم ينتهي، إنما غدت شرطًا يتسرّب إلى إدراكنا وزمننا وحياتنا اليومية عبر الشاشات.
السؤال ليس ما الحرب فحسب، لكنه ما الذي تصنعه الحرب منّا كمشاهدين وذوات وفاعلين سياسيين. حين تُحوَّل الكارثة إلى سرد قابل للاستهلاك، تواصل الحرب عملها فينا عبر وسيط ثقافي يبدو إنسانيًا، لكنه يطبّع المشاهدة بوصفها العلاقة الأخلاقية الأساسية بغزّة: الشعور بدل السؤال، المشاهدة بدل الفعل.
من هذا الموقع، لا أرفض المسلسل باسم طهارة أخلاقية مجرّدة، ولا أدّعي الحكم على نوايا صنّاعه. إن امتناعي عن مواصلة المشاهدة هو موقف إزاء اقتصاد جمالي وسياسي يحوّل كارثة غير منتهية إلى مادة قابلة للاستهلاك.
السؤال في النهاية هو: كيف يمكن لتجسيد فني مسؤول أن يتشكّل حين تكون الكارثة جارية؟ كيف يمكن للإنتاج الثقافي أن يرفض تحويل الدمار المعاش إلى سرد قابل للاستهلاك، وأن يقاوم تغليف الإبادة الجارية ضمن أقواس درامية مألوفة، وأن يتجنّب تقديم عزاء سردي حين يكون الفعل السياسي أكثر إلحاحًا؟
لن تُفتدى غزّة بصور درامية أو سينمائية أفضل، لكن بكسر القيود السياسية، ولن ينتهي هذا الألم إلا بإنهاء الاستعمار الاستيطاني في فلسطين.
مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.

