أسوشيتد برس/أريانا كوبيلوس
أحد مؤيدي الحكومة يحمل مجسمًا لشخصية سوبر بيجوت خلال احتجاج يطالب بالإفراج عن الرئيس نيكولاس مادورو، الذي اختطفته قوات أمريكية، كاراكاس، فنزويلا، 4 يناير 2026

منطق "العرّاب" في الفناء الخلفي

اختطاف الرئيس الفنزويلي وتجريم السيادة الوطنية

منشور الاثنين 5 كانون الثاني/يناير 2026

لا يمكن فهم العملية العسكرية الأمريكية في فنزويلا، واختطاف الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته، بمعزلٍ عن الهيمنة الإمبراطورية الأمريكية، والتطبيق الحرفي لمبادئ سياستها الخارجية تجاه ما تعتبره "فناءها الخلفي".

ما حدث انتهاكٌ للقانون الدولي اعتادته القوة العظمى حد الروتين، وتأكيد صارخ على ما يمكن تسميته "مبدأ المافيا" في العلاقات الدولية. فالعرّاب/الولايات المتحدة لن يقبل بوجود متجر صغير في الحي يرفض دفع إتاوة الحماية، ليس لأنه يشكل تهديدًا وجوديًا لإمبراطوريته، بل لأن "الاستقلال الناجح" هو فيروس معدٍ قد ينتقل إلى الآخرين، بالتالي يكون اختطاف رئيس دولة ذات سيادة الرسالة التأديبية القصوى، فالطاعة هي شرط البقاء.

عقيدة مونرو

لوضع عملية الاختطاف في سياقها الصحيح، يجب العودة إلى الوثائق التأسيسية للولايات المتحدة التي لم تخف يومًا نظرتها لأمريكا اللاتينية بوصفها ـملكية خاصة، فمنذ إعلان مبدأ مونرو عام 1823 نصبت واشنطن نفسها وصيًا وحيدًا على النصف الغربي من الكرة الأرضية.

لكن التعبير الأكثر صراحة عن هذه العقلية نجده في الوثائق التي رُفعت عنها السرية لاحقًا، ولنتأمل ما كتبه جورج كينان، رئيس تخطيط السياسات في وزارة الخارجية الأمريكية، في مذكرته الشهيرة (PPS 23) عام 1948 "نحن نمتلك حوالي 50% من ثروة العالم، ولكننا نشكل فقط 6.3% من سكانه، مهمتنا الحقيقية في الفترة المقبلة هي الحفاظ على هذا التفاوت".

لتحقيق ذلك، يدعو كينان للتخلي عن "الأهداف المثالية مثل حقوق الإنسان ورفع مستويات المعيشة والديمقراطية".

هذا هو الدستور غير المكتوب الذي حكم السياسة الأمريكية لعقود، والتدخل في فنزويلا اليوم واختطاف رئيسها استمرار مباشر للانقلاب على جاكوبو أربينز في جواتيمالا (1954) لأنه تجرأ على المساس بمصالح "شركة الفواكه المتحدة"، وكذلك الانقلاب الدموي على سلفادور الليندي في تشيلي (1973).

في الحالة التشيلية، كانت تعليمات الرئيس نيكسون ومستشاره كيسنجر  واضحة كما هي اليوم؛ اجعلوا الاقتصاد يصرخ. الهدف دائمًا واحد، تدمير أي نموذج تنموي يسعى لتوجيه الموارد الوطنية لخدمة السكان المحليين بدلًا من خدمة المستثمرين الأمريكيين.

جريمة مادورو الحقيقية

لماذا فنزويلا؟ ولماذا الآن؟ تخبرنا السردية الأمريكية الرسمية أن السبب هو "الديكتاتورية" و"الفساد". لكن أي طالب مبتدئ في العلاقات الدولية يدرك سخافة هذا الادعاء بالنظر إلى أن الولايات المتحدة تدعم وتسلح بعضًا من أكثر الأنظمة قمعية ووحشية في العالم (في الشرق الأوسط وشرق آسيا) طالما أن تلك الأنظمة تضمن تدفق النفط وتفتح أسواقها للشركات الأمريكية.

جريمة الرئيس الفنزويلي المختطف، ومن قبله هوجو تشافيز، ليست الاستبداد، بل ما تطلق عليه وثائق التخطيط الأمريكية "القومية الراديكالية". الخطيئة الكبرى لفنزويلا هي امتلاكها أكبر احتياطات نفطية مؤكدة في العالم، ومحاولة استخدام عوائد هذه الثروة لتقليص الفقر، ومحو الأمية، وبناء تحالفات إقليمية بينها تحالف ألبا خارج هيمنة الدولار الأمريكي.

هذا ما يسمي "خطر المثال الجيد"؛ واشنطن لا تخشى أن تغزو فنزويلا ولاية فلوريدا على سبيل المثال، لكن نجاح فنزويلا في السيطرة على مواردها قد يلهم دولًا أخرى في المنطقة لتقليدها، وسبق وحذَّر وزير الخارجية الأمريكي الأسبق دين أتشيسون من الثورة الكوبية بقوله "إن تفاحة فاسدة واحدة قد تفسد البرميل كله".

بالنسبة لأمريكا، "الفساد" هنا يعني الاستقلال، لذا كان لا بد من "استئصال" الرئيس الفنزويلي كإجراء وقائي لمنع انتشار عدوى السيادة الوطنية.

للأقوياء فقط

من الناحية القانونية البحتة، ما حدث انتهاك صارخ للمادة 2 بند 4 من ميثاق الأمم المتحدة التي تحظر التهديد باستخدام القوة أو استخدامها ضد سلامة الأراضي أو الاستقلال السياسي لأي دولة، كما يصنف اختطاف رئيس دولة باعتباره عملًا حربيًّا (Act of War).

لكن ما يخبرنا به التاريخ، أن القانون الدولي بالنسبة للولايات المتحدة مثل بيت العنكبوت؛ يمسك بالضعفاء ويمزقه الأقوياء. تروج واشنطن لمصطلح "نظام دولي قائم على القواعد/Rules-Based International Order". والفرق بين هذا المصطلح وبين القانون الدولي جوهري، فالأخير يستند إلى معاهدات ملزمة للجميع، أما النظام القائم على القواعد، فهي تلك التي تضعها الولايات المتحدة، وتغيرها متى شاءت، وتفرضها على الآخرين.

وفقًا لهذه "القواعد"، يحق لواشنطن تغيير الأنظمة التي لا تعجبها، ويحق لها ممارسة الإرهاب الدولي كما فعلت في نيكاراغوا خلال الثمانينيات، وهو ما أدانته عليه محكمة العدل الدولية، وتجاهلته أمريكا ببساطة. ومن ثم فإن اختطاف الرئيس الفنزويلي ليس إلا تطبيقًا عمليًّا لهذا الاستثناء؛ نحن فوق القانون لأننا نحن القانون.

النهب المنظم

لا يمكن فصل السياسة عن الاقتصاد. يشير توقيت العملية بوضوحٍ إلى أطماع جيواستراتيجية، ففي عالم يتسم بتقلص موارد الطاقة واحتدام المنافسة مع الصين، لم تعد الولايات المتحدة قادرةً على تحمل وجود حكومة في كاراكاس تمنح عقودًا نفطية لشركات صينية أو روسية.

الهدف المباشر لما بعد الاختطاف هو الخصخصة؛ سيتم تنصيب حكومة انتقالية (اختير أعضاؤها بعناية في السفارة الأمريكية)، وستكون مهمتها الأولى تحرير الاقتصاد، وهو تعبير ملطف لبيع شركة النفط الوطنية (PDVSA) والموارد المعدنية للشركات الغربية بأسعار بخسة.

سبق ورأينا هذا السيناريو في العراق بعد 2003، وها هو يتكرر الآن في عملية سطو مسلح على دولة، والضحية ليس الرئيس فقط، بل مستقبل الأجيال الفنزويلية التي ستُحرم من ثرواتها الطبيعية.

بين الخضوع والفناء

اختطاف الرئيس الفنزويلي رسالة موجهة لكل شعوب الجنوب العالمي بأن الديمقراطية مسموحة فقط طالما اتفقت نتائجها مع المصالح الأمريكية. السيادة مقبولة فقط طالما لم تعارض أرباح الشركات الأمريكية.

أمام هذه اللحظة المظلمة في التاريخ المعاصر، حيث تُطبّعُ البلطجة الدولية وتُغلف بورق هدايا حقوق الإنسان، لا أمل من مناشدة ضمير الإمبراطورية، فالإمبراطوريات ليس لها ضمير، وما يحكمها هو المصالح، إنما يكمن الأمل في بناء تضامن أممي حقيقي بين الشعوب، وفي فضح آليات القوة والهيمنة بلا هوادة.

فنزويلا اليوم هي الضحية، لكن إذا مرَّ هذا الاختطاف دون مقاومة عالمية ودون ثمن سياسي باهظ تدفعه واشنطن، فإن القائمة ستطول، ولن يكون أي بلد يسعى لقراره المستقل بمأمن من "يد العرّاب" الطولى.

مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.