
الحقيقي والمتوهم في مسألة "ملء الفراغ السياسي"
هل تتحول الرغبة في ملء الفراغ إلى قدرة؟ إن المتعارف عليه من الخبرة الإنسانية أن الرغبات لا تتحول إلى قدرات بالضرورة، وإن تحولت فإنها لا تأتي بما يكافئ صاحب الرغبة، لتظل دومًا هناك مساحة فارغة بين ما نرغب فيه، وما نحققه بالفعل.
لا يخص هذا الأمر الحياة الشخصية فقط، إنما الحياة العامة، وفي قلبها الممارسة السياسية، في سعيها الحثيث إلى ملء الفراغ. إذ أن أي محاولة في هذا الاتجاه يمكن أن تنجح في حالات معينة، وتفشل في أخرى، لأسباب عدة، بعضها لا تكون له علاقة بنيِّات وتصرفات من يرغب في ملء الفراغ ويسعى إلى ذلك.
وهنا نجد أنفسنا أمام سؤال آخر: هل يمكن أن يكون هناك فراغ دولي متوَهَّم؟ إنه السؤال الصعب حقًا، ففي الشؤون الداخلية، يمكن أن يحدد كثيرون الفراغ من خلال تحليل المعلومات المتوفرة، التي مهما بلغت درجة سريتها، وضن حاملوها بها على المختصين المتلهفين على جمعها أو الساعين إليه، وكذلك على الرأي العام، فإن تسربها ليس مستحيلًا، وإن لم يحدث فليس صعبًا التكهن ببعضها من خلال مراقبة دقيقة لتصرفات مسؤولين وتحليل قراراتهم وتصريحاتهم، أو بوح هؤلاء في جلسات خاصة ببعض الأسرار، التي لا تلبث أن تتسرب إلى دوائر مقربة، ومنها إلى دوائر أوسع.
لكن في النظام الدولي يصبح الأمر أكثر صعوبة، إذ لا تفصح أجهزة الاستخبارات عن شيء، وبذلك لا تسرب من معلوماتها إلا ما تريد، وهو لا يزيل غموضًا بل يزيده. فكيف لمحلل سياسي أو مؤرخ أن يعرف الحقيقة كاملة دون أن تتوفر له كل المعلومات، ويطلع على أهداف كل الأطراف؟
أغلب الحكومات المتيقنة من أنها مسؤولة أمام شعوبها، لا يمكنها أن تزعم وجود فراغ ما ينجم عن تصرفاتها
إن هذه عملية غاية في الصعوبة، وتصبح لبعض المحللين ضربًا من المستحيل، لأن موعد الإفراج عن المعلومات المخفية، المحدد لدى بعض أجهزة الاستخبارات ووزارات الخارجية، لا يجعل لمن يبحثون عن المعلومة الحقيقية في وقتها قدرة على فهم خلفياتها وسياقاتها.
لكن هناك سياسات دولية محددة، تشير بشكل واضح، وبغض النظر عن المعلومات المخفية المرتبطة بها، إلى أن الفراغ السياسي مسألة قائمة، بل قد تكون معلنة، ولا مواربة فيها، مثلما رأينا في حال دول تعلن هزيمتها في حروب، وأخرى تعلن انسحابها من أقاليم، أو تتخلى سياسات كانت تُمكِّنها سابقا من السيطرة، وكانت تتمنى بقاءها، أو الاعتراف لمنافسين بأنهم تمكنوا من حيازة القوة، وآن أوان ترك الدفة لهم.
أغلب الحكومات المتيقنة أو المتأكدة من أنها مسؤولة أمام شعوبها، لا يمكنها أن تزعم وجود فراغ ما ينجم عن تصرفاتها، حربية كانت أو دبلوماسية، بل إنها تحرص على سدِّ أي فراغ، أو الزعم بذلك، بغية أن يكون لها نصير ظاهر لها من شعبها، ليكون بوسعها أن تتصرف في ثقة.
لكن الأمر لا يقف عند حد الأوضاع الداخلية، بل إن ما بين الدول نفسها، وفي إطار إقليمي ودولي، يبين أن "الفراغ السياسي" كان عنصرًا مهمًا، سواء نَجَم، وبشكل مفاجئ، عن تصرفات دول في لحظة ما، أو كان ابن تدبير مدروس، وكان أصحابه، يقدرونه، ويعرفون جيدًا كيف يملأونه، بما يحقق مصالحهم، في إطار تنفيذ استراتيجيات يعرف من يرسمون جيدًا كل ملامحها أين يضعون أقدامهم.
في العموم فإن اصطلاح "سياسة ملء الفراغ" صار من قبيل المسلمات التي يتناولها ويتداولها كثيرٌ من الساسة وباحثي العلوم السياسية، سواء بمعطاها وحمولاتها التاريخية، أو بما يتصورونه عمَّا يجب فعله من أجل عدم ترك مساحات خاوية أو خالية في ممارسات السياسة، فضلًا عن التفكير فيها.
وإذا كان التفكير في ملء الفراغ لا يمكن أن يصل إلى الكمال، مهما أوتي من قدرة، فإن هناك من يظل يتوهم أنه في الممارسة أو التطبيق العملي قادر على بلوغه. وبذا لا يتصور أن فراغًا يمكن أن ينشأ، أو نقصًا يمكن أن يطرأ، على فعل سياسي ما.
ويزيد هذا التوهم مع ميل الحكم إلى الاستبداد. إذ لا يمكن للغارق فيه من أهل القرار أن يؤمن أبدًا أن هناك عوارًا شابَ ما قدره وقرره، حتى إن جيء إليه بالبرهان الناصع، فوقتها سيسعى، قدر استطاعته الذهنية والسلطوية، لإثبات أن البرهان نفسه هو ما يعاني من عوار أو نقص.
لكن الوضع يختلف كثيرًا في نظم الحكم المنحازة إلى المصلحة العامة، مهما كان مستوى ذكاء، وسوية نفس، من يتولون مقاليد الأمور، عنها في نظم مستبدة، لا تراعى صالح الناس. وعلى المنوال ذاته، وبدرجة ما، يمكن التفرقة في النظام الدولي، بين ذلك الذي يقوم على التعددية وتوزان المصالح والاعتماد المتبادل، وبين من ينفرد فيه طرف واحد بالقوة الكاسحة، وتكون لديه نزعة للسيطرة والهيمنة.
مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.