صورة موّلدة بواسطة نموذج الذكاء الإصطناعي DALL-E
لماذا يفضل البعض المخاطرة بأموالهم على الاستثمار الآمن؟

"مستريحون" كل العصور: البونزي لا يموت

منشور الثلاثاء 25 فبراير 2025

لا يزال صوتُ أحد أقربائي عالقًا في أذنيّ، وهو يتحدث عن كيف وقع والدي ضحية لعمليات الاحتيال التي قادها الريان والشريف وأمثالهما، إذ استولوا على مدخراته بعد أن أوقعوه في فخ وعودهم البراقة.

لم يقتنع والدي بحقيقة الاحتيال رغم كل الأدلة التي ساقها له قريبي، وهو خبير اقتصادي، متمسكًا بنظرية المؤامرة التي تعزو استهداف هذه الشركات إلى العداء لكل ما هو إسلامي في مصر. أرجع والدي الهجوم على أصحاب الشركات إلى تعبيرهم عن تدينهم من خلال إطلاق اللحى، لا إلى أساليبهم غير المشروعة.

"نصباية" بونزي الكلاسيكية

تعرف جيلي على مخطط بونزي في مصر من خلال شركات توظيف الأموال التي استنزفت مدخرات المودعين خلال الثمانينيات. ولحماقتي ظننت في شبابي أن المؤمن لا يُلدغ من جحر مرتين، حتى عادت ظاهرة المستريحين لتنتشر في أنحاء مصر خلال السنوات الأخيرة.

يعتمد النصب في هذا المخطط على ركيزتين أساسيتين؛ الأولى، الثقة بالنصاب، سواء كانت بسبب تدينه ومركزه الاجتماعي ومظهره الشخصي، أو حتى واجهة نصبه الإلكترونية، والثانية هي احتياج الضحايا إلى تحقيق أرباح سريعة تفوق بكثير ما تقدمه البنوك التقليدية.

يعتمد المخطط على دورة احتيالية مستمرة، حيث يحصل المستثمر الأول على أرباحه من أموال المستثمر الثاني، والثاني من الثالث، وهكذا دواليك، إلى أن تصل العملية إلى نقطة انهيار حتمية لا يمكن معها الاستمرار، فيختفي النصاب بكل الأموال.

وقد يلجأ بعض المحتالين إلى تنفيذ مشاريع فعلية، مثل محلات الجزارة وتجارة الذهب، أو مزارع المواشي، لتعزيز الثقة وجذب مزيد من الاستثمارات. وفي حالات أخرى قد يستثمر جزءًا من الأموال في البورصة ومشاريع حقيقية، مما يطيل عمر المخطط قبل انهياره الحتمي.

رغم مرور قرن على أول ظهور لهذا المخطط على يد تشارلز بونزي، لا يزال يظهر حتى اليوم في أشكال متعددة، مستفيدًا من تطورات التكنولوجيا والتغيرات الاقتصادية.

"نصباية" الأسبوع

أضحت المنصات الإلكترونية امتدادًا طبيعيًا لأدوات الاحتيال، إذ تستند إلى تعزيز الثقة بالنصاب عبر وسائل رقمية متطورة. وغالبًا ما تعتمد على نجاح نماذج سابقة، تمامًا كما رأينا في الأعوام الماضية مع موجة الاحتيال المرتبطة بالعملات الرقمية.

بحكم عملي في مجال التكنولوجيا، فقد توقفت عن عدّ المرات التي لجأ فيها إليّ أصدقاء يسألون عن جدوى استثمار كل مدخراتهم في عملة رقمية ناشئة، طمعًا في تكرار قصة نجاح أوائل مستثمري البيتكوين.

في الواقع، لا تعنيني كثيرًا تفاصيل عملية الاحتيال لهذا الأسبوع، المتمثلة في منصة FBC، ولا حجم الخسائر الكلية الناتجة عنها. فبالرغم من تعاطفي مع الضحايا، فإن ما يشغلني هو الأسباب التي تؤدي إلى تكرار مثل هذه الخدع المالية.

إذا كان مشروع ما يحقق أرباحًا أعلى بكثير من الفوائد التي تقدمها البنوك فلماذا لم تتجه للاستثمار فيه وتحقيق تلك العوائد المزعومة

في مقال نشره البنك الدولي، يصف الاقتصادي الهندي كاوشك باسو ما يُعرف بـ"البونزي المتخفية"، وهي أنماط احتيالية أكثر تطورًا يصعب اكتشافها مقارنةً بمخطط بونزي الكلاسيكي. فرغم بساطة كشف المخططات التقليدية، لا يزال الآلاف يقعون ضحية لها. أما الأنواع الأكثر تعقيدًا، فتتخذ أشكالًا مختلفة مثل اقتطاع الشركات جزءًا من رواتب موظفيها مقابل أسهم وهمية أو إطلاق مشاريع تعتمد على العملات الرقمية المزيفة.

هناك عدة عوامل مجتمعية تعزز انتشار هذه الظواهر، أبرزها ضَعف ثقة المواطنين بالمؤسسات المالية الرسمية. تجلى ذلك بوضوح خلال أزمة سعر الصرف في مصر العام الماضي، حيث تجنب المواطنون إيداع مدخراتهم الدولارية في البنوك. إضافة إلى ذلك، فإن ارتفاع معدلات التضخم يسرّع من تآكل المدخرات، مما يدفع الأفراد للبحث عن استثمارات ذات عوائد مرتفعة، حتى لو كانت محفوفةً بالمخاطر.

نتيجة لهذه العوامل، سيظل ظهور مخططات احتيالية مثل FBC وغيره متكررًا. وستواصل الجهات الرقابية جهودها في محاولات دائمة لاكتشاف الأساليب الجديدة التي تستخدمها "البونزي المتخفية" في الأسواق المالية، في لعبة لا تنتهي بين المحتالين والمنظّمين.

لهذا خلق الله الجهات الرقابية

مع الطفرة الحالية في التطور التكنولوجي، من ضمنها أنظمة الدفع الرقمية والتداول في البورصة والتقسيط، وغيرها من أدوات التقنية المالية/ FinTech، أصبحت الساحة مليئة بالمنصات الإلكترونية، ليس في مصر فحسب، بل في مختلف أنحاء العالم.

ومع ذلك، لا يمكن لأي من هذه المنصات العمل بشكل قانوني دون الحصول على موافقة من الجهة الرقابية المسؤولة في البلد الذي تعمل فيه. في مصر، تتولى الهيئة العامة للرقابة المالية هذه المهمة، إذ تشرف على ضمان أمان واستقرار أي مؤسسة مالية تعمل في السوق المصرية.

الأمن الذي توفره الهيئة لا يقتصر على الجانب الرقمي فقط، بل يشمل أيضًا أمان الاستثمار نفسه، إذ لا يمكن لأي منصة أن تحصل على ترخيص للعمل في السوق المصرية دون اجتياز اختبارات دقيقة تضمن نزاهة عملياتها.

هناك العديد من الإشارات التحذيرية التي ينبغي لأي مستثمر أن ينتبه إليها قبل المغامرة بأمواله. رغم أن المنطق أصبح عملة نادرة في عالم اليوم. فمثلًا، إذا كان مشروع ما يحقق أرباحًا أعلى بكثير من الفوائد التي تقدمها البنوك، فلماذا لم تتجه البنوك نفسها للاستثمار فيه وتحقيق تلك العوائد المزعومة؟ الحقيقة أن أي استثمار بلا مخاطر حقيقية هو في الواقع عملية احتيال مقنّعة.

كحد أدنى، يجب على أي مستثمر أن يتحقق من الجهات الرقابية في بلده قبل أن يضع أمواله في أي منصة استثمارية. وإذا لم تكن المنصة مرخصة، فعليه إعادة النظر في قراره قبل أن يصبح ضحية لمحتال جديد، سواء كان ذلك عبر منصة إلكترونية أو مجرد صاحب سلسلة محلات جزارة يدّعي تحقيق أرباح خيالية. 

إن تكرار هذه المخططات الاحتيالية ليس مجرد نتيجة لغياب الوعي الفردي، بل هو انعكاس لبنية اقتصادية تعزز الوهم بفرص الثراء السريع في ظل أنظمة مالية غير عادلة. ومع استمرار هذه الديناميكيات، لن تكون المواجهة مع المحتالين مسؤولية الجهات الرقابية وحدها، بل تتطلب وعيًا جماعيًا بأهمية بناء أنظمة اقتصادية أكثر استقرارًا وعدالةً، بحيث لا يضطر الأفراد للبحث عن فرص غير مضمونة لتحقيق أمنهم المالي.