بعد 12 سنة من التجاهل.. دعوات بقانون يحظر الحبس في قضايا النشر ومراجعة التشريعات الحالية
اتفق المشاركون في ندوة عقدتها لجنة الحريات بنقابة الصحفيين، مساء أمس السبت، على ضرورة الإسراع في إقرار مشروع قانون منع الحبس في قضايا النشر ومراجعة التشريعات المنظمة للعمل الصحفي لتتوافق مع الدستور وتضمن حماية حرية الرأي والتعبير، وذلك بعد نحو 12 عامًا من تجاهل أول مشروع قانون متماسك بدأ إعداده عام 2014.
وعقدت اللجنة ندوة نقاشية حول مشروع قانون منع الحبس في قضايا النشر الذي يعد أحد مخرجات لجنة التشريعات والحريات ضمن أعمال المؤتمر السادس للنقابة، الذي عقد خلال الفترة من 14 إلى 16 ديسمبر/كانون الأول 2024 للنقاش حول قضايا مهنة الصحافة وأوضاع الصحفيين في مصر وصولًا إلى توصيات لتحسين أوضاع المهنة.
وأكد المشاركون على ضرورة تكثيف التحرك البرلماني لدعم المشروع، وفتح نقاشات موسعة بشأنه بمشاركة قانونيين، مع ضرورة مراجعة القوانين المرتبطة بمكافحة الإرهاب والجرائم الإلكترونية، بما يضمن اتساقها مع الضمانات الدستورية.
وخلال الندوة قال نقيب الصحفيين خالد البلشي، إن مشروع القانون الذي أعدته النقابة يمثل مدخلًا مهمًا لمعالجة كثير من المشكلات، مؤكدًا أن النصوص القانونية وحدها لا تكفي، بل تحتاج إلى إرادات متعددة لضمان تطبيقها وتحقيق أهدافها.
وأشار البلشي، خلال مشاركته هاتفيًا في الندوة، إلى أن أول مشروع متماسك بشأن حظر الحبس في قضايا النشر بدأ إعداده عام 2014، لكنه تعرض للتجاهل، وكانت هناك إرادة لعدم تمريره رغم أنه أحد القوانين المكملة للدستور.
وفي 2014 كلفت نقابة الصحفيين ولجنة الخمسين لجنة ثلاثية لصياغة مشروع قانون منضبط يتعلق بمنع الحبس في قضايا النشر وحظر العقوبات السالبة للحرية، وهي اللجنة التي كانت مكونة من أستاذ القانون الدستوري الدكتور علي عبد العال، الذي أصبح لاحقًا رئيسًا لمجلس النواب السابق، والكاتب الصحفي الراحل حسين عبد الرازق رئيس تحرير جريدة الأهالي الأسبق، بالإضافة إلى خالد البلشي الذي كان يتولى وقتها رئاسة لجنة الحريات بنقابة الصحفيين.
وقال البلشي إنه بعد مرور 10 سنوات على مشروع القانون، انعقد المؤتمر العام السادس للصحفيين في ديسمبر 2024، وتناول ملف التشريعات الصحفية من خلال لجنة متخصصة برئاسة الزميل الصحفي محمد بصل، التي راعت وجود قوانين جديدة تتضمن عقوبات بحق الصحفيين، وعملت على تطوير مشروع قانون منع الحبس في قضايا النشر، ونوقش من الصحفيين وأصبح معبرًا عن إرادة الجماعة الصحفية.
وأضاف أن المشروع خضع لتعديلات بهدف مزيد من الضبط، داعيًا إلى تدخل النواب لإصدار القانون يضمن مساحة أكبر من الحرية لحماية السلم المجتمعي، ومؤكدًا أنه لا يجوز الحبس بسبب الأفكار، ما دامت لا تتعلق بالجرائم الثلاث "الخوض في الأعراض، والتمييز، التحريض على العنف".
أكد البلشي إلى أن الصحفيين ليسوا ضد محاسبة المخطئين، لكن المحاسبة يجب أن تتم في إطار القانون والدستور، مشددًا على أن البداية دائمًا تكون بالتصحيح وليس بالقبض أو بالاتهامات الواسعة، وأن الدفاع عن حرية الصحافة لا يعني رفض الإجراءات النقابية أو حق المواطنين في التقاضي، وأنهم لا يدافعون عن حق فئوي ولكن عن حرية تشمل الجميع.
حق المجتمع وليس الصحفيين فقط
ومن جانبها، قالت مقرر لجنة الحريات بنقابة الصحفيين، إيمان عوف، إن مشروع قانون النقابة استند على المادة رقم 71 من الدستور، ولم يترك الصحفيين دون حدود أو محاسبة، باستثناء الجرائم المتعلقة بالتحريض على العنف، والتمييز، والخوض في الأعراض، والتي يمكن أي يُحاسب عليها الصحفي من خلال قوانين أخرى، لافتة إلى أنه مر 12 عامًا على الدستور ولم يُصدر القانون مثله مثل قانون حرية تداول المعلومات.
ولفتت إلى أن عدد الصحفيين المحبوسين 26 صحفيًا، وهناك تخوفات من زيادة العدد في ظل غياب القوانين المنظمة للعمل الصحفي، مشيرة إلى أن التهديد يطال الصحفيين الذي يمارسون مهام عملهم العادية والأخبار العادية التي تمس حياة الناس.
واستشهدت بواقعة إقامة دعوى قضائية من شركة الصرف الصحي بمحافظة قنا ضد صحفية نشرت بثًا مباشرًا عن الصرف الصحي في أحد الشوارع المحافظة، فاتُهمت بتقليب الرأي العام وبث أخبار كاذبة.
وأكدت إيمان عوف أن نقابة الصحفيين لا تفرق في دفاعها بين الصحفي النقابي وغير النقابي عندما يتعرض للمساءلة بسبب عمله.
من جانبه، أشار المحامي الحقوقي نبيه الجنادي، إلى أن غياب قانون يمنع الحبس في قضايا النشر يمتد أثره إلى المجتمع كله في المعرفة والتعبير عن الرأي، وليس الصحفيين فقط.
مراجعة التشريعات
وأشار الجنادي، الذي يتولى الدفاع عن عدد من الصحفيين المحبوسين، إلى أن الصحفيين يحاكمون وفقًا لقانون مكافحة الإرهاب، وتُوجه إليهم اتهامات بالتحريض أو ارتكاب جرائم إرهابية، وليس جرائم النشر.
وأوضح أن تعدد العقوبات والتشريعات، ومن بينها قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات، قد يؤدي إلى حبس الصحفيين بسبب ما ينشرونه، مستشهدًا بوقائع حبس رسام كاريكاتير بـ المنصة أشرف عمر والناشط أحمد دومة.
ولفت إلى أن دستور 2014 لم يُنفذ بصورة كاملة فيما يتعلق بضمان حرية التعبير، مؤكدًا على ضرورة تحقيق الاتساق بين المبدأ الدستوري، الذي يحمي حرية الرأي والتعبير والتشريعات المنظمة للعمل الصحفي، وعدم جواز المساواة بين مرتكبي الجرائم الإرهابية ومن يُحاسبون على جرائم النشر.
ومن جهته أشار وكيل نقابة الصحفيين، محمد سعد عبد الحفيظ، إلى "ترسانة من التشريعات تتيح الحبس في قضايا النشر"، لافتًا إلى ضرورة مراجعتها لضمان اتساقها مع الضمانات الدستورية لحرية الصحافة والتعبير.
وقال إن الدستور أقر التزامًا يحظر توقيع عقوبات سالبة للحرية في قضايا النشر والعلانية، إلا أنه رغم مرور ثلاث دورات برلمانية منذ إقرار الدستور، لم تتبنَّ أي كتلة برلمانية تحركًا جادًا لإعادة النظر في النصوص القانونية وتنقيح التشريعات بما يتوافق مع هذا الالتزام الدستوري.
ودعا الصحفيين وأعضاء مجلس النواب إلى التحرك من أجل تبني مقترحات تشريعية تحقق هذا الهدف، مؤكدًا أهمية تشكيل جماعة ضغط، تبدأ من النقابة وتمتد إلى مختلف فئات المجتمع، للدفاع عن حرية الصحافة باعتبارها حقًا للمجتمع بأكمله، وليس للصحفيين وحدهم.
من جانبها، أكدت المحامية الحقوقية أسماء نعيم، ضرورة دعم نقابة الصحفيين لإعداد مشروع قانون متماسك يضمن حماية حرية الصحافة، داعيةً إلى فتح نقاشات موسعة حول المشروع بمشاركة خبراء قانونيين.
وأشارت إلى أن الاتهامات المتعلقة بنشر الأخبار الكاذبة أو الانتماء إلى جماعات إرهابية تُستخدم في ملاحقة الصحفيين دون تحديد اسم الجماعة أو الخبر الكاذب، لافتة إلى أن المادة 41 من قانون تنظيم الصحافة رقم 96 لسنة 1996 نصت على عدم جواز الحبس في جرائم النشر، مع استثناء إهانة رئيس الجمهورية، وهو الاستثناء الذي حُذف في تعديل أغسطس/آب 2012، الذي صدر بقرار رئاسي.
وأوضحت أن قانون تنظيم الصحافة والإعلام رقم 180 لسنة 2018 تجاهل الأمر، وهو ما أسهم في استمرار حبس الصحفيين لفترات طويلة، وتحويل الحبس الاحتياطي إلى عقوبة فعلية، مشددة على أن حرية الرأي لا تعني منح الصحفيين حصانة من النقد أو التصحيح، وإنما تستلزم توفير الحماية من الحبس بسبب ممارسة العمل الصحفي.
وعد برلماني
وفي أول تحرك برلماني، وعد رئيس الهيئة البرلمانية لحزب التجمع عاطف المغاوري، عزم اعتبارًا من اليوم الأحد جمع توقيعات لأعضاء بمجلس النواب على مشروع قانون لمنع الحبس في قضايا النشر، تمهيدًا للتحرك بالمشروع داخل البرلمان.
وأضاف خلال مشاركته في الندوة أن الصحافة كانت تُعرف باعتبارها السلطة الرابعة، إلا أن هناك محاولات لتقليص دورها، حتى أصبحت مهددة بأن تتحول لتكون "السلطة الـ 20"، مشددًا على أن العمل البرلماني لا يمكن أن يؤدي دوره الرقابي على النحو المطلوب دون صحافة حرة تكشف أوجه القصور وتراقب أداء المؤسسات.
ومن جانبه دعا والد الزميل أشرف عمر، رسام الكاريكاتير بـ المنصة والمحبوس احتياطيًا، منذ إلقاء القبض عليه من منزله يوم 22 يوليو 2024 وحتى الآن، أن تطلق نقابة الصحفيين دعوة لتصحيح العلاقة بين الأمن الوطني والنيابة العامة من جهة وبين أصحاب الرأي الملفق لهم تهم بالإرهاب لمجرد أنهم يعبرون عن رأيهم بشكل سلمي من جهة أخرى.
وتأتي هذه الندوة بعد أيام من إلقاء القبض على كامل نيوزروم منصة "متصدقش"، إذ أعلنت المنصة مساء 29 سبتمبر/أيلول الماضي القبض على الصحفيين محمد أشرف أبو عميرة وعبد الله قدري، المحررين بالمنصة، قبل أن تعلن بعدها ارتفاع العدد إلى 6 صحفيين، بعد القبض على الصحفيين إسلام بركات ومحمد عادل ومحمد محمود وعمر هلال.
وبعد ذلك الإعلان بأكثر من 48 ساعة، أصدرت وزارة الداخلية بيانًا بشأن صحفيي منصة "متصدقش"، أكدت خلاله القبض عليهم، بعد أن اتهمت المنصة الإعلامية المستقلة بأنها "ضمن اللجان الإعلامية لجماعة الإخوان الإرهابية". وفي المقابل ردت "متصدقش" على اتهامات الداخلية، في بيان، قالت فيه "هذا الادعاء غير صحيح".
وقررت نيابة أمن الدولة العليا حبسهم 15 يومًا احتياطيًا على ذمة التحقيقات، بعد اتهامهم بـ"نشر أخبار كاذبة والانضمام لجماعة إرهابية"، وسط تقارير عن تعرضهم للتعذيب نفتها وزارة الداخلية دون أن تعلن إجراء أي تحقيق بشأنها.
والخميس الماضي قالت النيابة العامة في بيان إن حبس الصحفيين الستة احتياطيًا، استند إلى تحريات قطاع الأمن الوطني التي اعتبرت "متصدقش" منصة إعلامية تابعة لقيادات جماعة الإخوان المسلمين في الخارج، تستهدف "نشر الشائعات والأخبار والبيانات الكاذبة، والتشكيك في أداء مؤسسات الدولة لدفع المواطنين للتظاهر".
وذكرت النيابة أن تقارير مصلحة الطب الشرعي أثبتت خلو ثلاثة من الصحفيين الستة من إصابات، وعدم وجود أي علامات تدل على استعمال أي عنف قِبلهم. بينما أشارت المبادرة المصرية للحقوق الشحصية في بيان إلى أن الإحالة إلى مصلحة الطب الشرعي، لم تقترن بسماع أقوال الصحفيين كمجني عليهم في بلاغات التعذيب والتهديد والإكراه البدني والمعنوي ضد ضباط مقرات الاحتجاز بالأمن الوطني. ولفتت إلى خلو البيان من استدعاء المشكو في حقهم أو شهود الوقائع، وتجاهله لإثبات الصحفيين في التحقيقات "إكراههم بالمخالفة للقانون على تسجيل اعترافات ملفقة وغير حقيقية".