وسط اتجاه لاتخاذ إجراءات ضد الشركات غير الملتزمة بمعدلات التنفيذ في المشروعات العقارية، واتهامات مطورين للحكومة بأنها المسؤولة عن جانبٍ من الأزمة، يواجه مشترون مصيرًا مجهولًا بعد تأخر تسلم وحداتهم رغم انتظامهم في سداد الأقساط.
قبل يومين، وجه الرئيس عبد الفتاح السيسي بتشكيل لجنة لتفقد المشروعات العقارية الجاري تنفيذها في جميع المحافظات، للتأكد من تسليم الوحدات في المواعيد المحددة، واحترام العقود المبرمة مع المشترين، واستكمال أعمال البنية الأساسية الخاصة بالمشروعات ومحاسبة المخالفين، وإطلاعه بشكل دوري على الإجراءات المتخذة في هذا الشأن.
جاءت التوجيهات وسط شكاوى من تأخر في تسليم الوحدات بعدد من المشروعات العقارية، بالتزامن مع ضغوط تعرّض لها القطاع خلال السنوات الأخيرة نتيجة ارتفاع تكاليف مواد البناء والإنشاءات عقب انخفاض قيمة الجنيه بأكثر من 60% إثر تحرير سعر الصرف في مارس/آذار 2024.
حسب مصدر مطلع على ملف الشركات العقارية بوزارة الإسكان، تجهز الوزارة حاليًا أسماء الأعضاء التي ستمثلها في اللجنة، موضحًا أن الأعضاء المقترحين؛ وزيرة الإسكان راندة المنشاوي ونائب رئيس هيئة المجتمعات العمرانية وليد عباس، ورئيس شركة العاصمة الجديدة خالد عباس.
وأوضح المصدر لـ المنصة طالبًا عدم نشر اسمه، أن الوزارة تعمل بالتوازي على تنفيذ حصر شامل يضم المشروعات الجاري تنفيذها على مستوى كل المحافظات اعتمادًا على الموافقات الصادرة من أجهزة المدن ومن ثم دراسة اللجنة الجديدة لمجموعة قرارات بشأن المتعثر والمتوقف منها.
وأشار إلى إمكانية اتخاذ قرارات بسحب تلك الأراضي من غير الملتزمين بجانب منح مهل تنفيذ نهائية للمتعثرين لأسباب طارئة، إضافة إلى وضع إطار قانوني واضح ينظم عمليات الالتزام ببنود التعاقد مع المشترين.
تأخُّر أم تعثُّر
يقول نائب رئيس جمعية رجال الأعمال ورئيس لجنة التطوير العقاري فتح الله فوزي إن المشروعات تتعرض لتغيرات في التكلفة أو التصميم أو التراخيص أو المرافق، ومع نقص السيولة المالية لدى بعض الشركات تتراجع معدلات التنفيذ بشكل كبير.
ويضيف فوزي لـ المنصة "لكن استمرار التباطؤ لفترات طويلة دون قدرة واضحة على استعادة معدلات التنفيذ يطرح تساؤلات حول قدرة المطور على استكمال المشروع وآلية التعامل مع الشركة لضمان حقوق المستثمرين".
وأشار إلى إمكانية بحث مشكلة كل شركة بالنظر في مجموعة من المؤشرات، في مقدمتها نسبة التنفيذ الفعلية مقارنة بما كان مستهدفًا في البرنامج الزمني، وحجم المبيعات والتحصيلات، والالتزامات المالية على المشروع، وقدرة الشركة على ضخ التمويل اللازم لاستكمال باقي الأعمال.
وأوضح أن مراجعة موقف المطورين تكتسب أهمية أكبر في هذه الحالة، لأنها تسمح بالتمييز بين شركة تواجه تأخيرًا مؤقتًا ويمكنها استكمال المشروع، وأخرى أصبحت بحاجة إلى إعادة هيكلة أو شريك جديد أو تدخل تنظيمي لضمان حقوق العملاء.
وسبق ووجه السيسي باتخاذ إجراءات لضبط عملية بيع الوحدات قبل اكتمال المشروعات، من بينها تنفيذ نسبة من الأعمال قبل طرح الوحدات، بهدف التأكد من جدية المطور وقدرته على تنفيذ المشروع.
في المقابل أرجع عضو بمجلس إدارة غرفة التطوير العقاري الأزمةَ إلى القرارات الحكومية بشكل رئيسي، موضحًا في حديثه مع المنصة طالبًا عدم نشر اسمه، أن أي تغيّر في سعر صرف الدولار ونسبة الفائدة البنكية وتأثيراتها على معدلات التضخم تغير تكلفة تنفيذ المشروعات بشكل كبير.
وقال إن "المطور بيعمل دراسة جدوى للمشروع على أساس تكلفة تنفيذ معينة، وبعد التعاقد مع العملاء يتفاجئ بقرار حكومي يرفع أسعار مواد البناء للسما فتزيد التكلفة وتتقلص الأرباح وأحيانًا بتتحول لخسائر".
ومنذ نوفمبر/تشرين الثاني 2023، يشكو مطورون من ارتفاع تكاليف تنفيذ مشروعاتهم، إذ بلغ عدد الشركات المتعثرة بالعاصمة الجديدة نحو 130 شركة من بين 400 شركة تعمل بالعاصمة حينها، بعدما تفاقمت معدلات التضخم واتسعت فجوة سعر صرف الدولار بين السوقين الرسمية والموازية وقتها، قبل أن تتجه الحكومة إلى تعويم الجنيه في مارس 2024.
وبداية 2025، تصاعد النزاع بين عدد من المطورين العقاريين وشركات المقاولات، إثر مطالبة الأخيرة بزيادة قيمة تنفيذ المشروعات نتيجة ارتفاع معدلات التضخم والفائدة وزيادة سعر صرف الدولار الرسمي.
دفعنا فلوسنا.. والمشروع واقف
بالنسبة للمشترين، ترتبط أزمة المشروعات المتأخرة بمدخرات سنوات جمعوها والتزامات مالية وخطط أسرية بنيت على موعد محدد لاستلام الوحدة، إذ يقول مصطفى سامي، أحد المشترين في مشروع بالقاهرة الجديدة، إن مدة التنفيذ المتفق عليها مع الشركة صاحبة المشروع انتهت منذ 3 سنوات ولا زالت المطالبة بسداد أقساط سعر الشقة مستمرة.
وأوضح سامي لـ المنصة أنه تعاقد على وحدته في 2020 بعد أن أعلنت الشركة المطورة جدولًا زمنيًا واضحًا للتنفيذ والتسليم خلال 3 سنوات، وسدد نحو 4 ملايين جنيه بنسبة 80% من إجمالي سعر الوحدة المقدرة بـ5 ملايين جنيه، لكنه فوجئ مع مرور الوقت بأن معدلات الإنشاء لا تتناسب مع المواعيد التي حددتها الشركة.
ويقول إن المشكلة أصبحت في غياب أي رؤية واضحة بشأن الموعد الذي يمكن أن يكتمل فيه المشروع في ظل توقف أعمال البناء تمامًا منذ العام الماضي، بعدما ظلت مستمرة بشكل بطيء على مدار سنوات ماضية.
ويواجه كريم حمدي مشكلة مشابهة في إحدى مشروعات منطقة الشيخ زايد الجديدة، إذ تباطأت أعمال الإنشاء على مدار 4 سنوات، في الوقت الذي استمرت فيه التزامات السداد.
ويقول حمدي لـ المنصة إن العملاء لا يرفضون الظروف التي قد تؤدي إلى تأخر بعض المشروعات، لكنهم يبحثون عن معلومة واضحة ومكتوبة عن الموقف الحقيقي للمشروع والمدة اللازمة لاستكماله بعد انتهاء الفترة المتفق عليها لاستلام الوحدة في يناير/كانون الثاني 2025.
ويضيف "مشكلتنا إننا دفعنا فلوس والتزمنا بالأقساط، في المقابل المشروع مش ماشي بالسرعة اللي اتقالت لنا، كل فترة بنسمع كلام عن موعد جديد، لكن مفيش حاجة على الأرض تخلينا نقدر نحدد هنستلم إمتى".
وتابع "لو الشركة قالت لنا إن المشروع محتاج سنتين أو 3 سنين إضافية، على الأقل نكون عارفين موقفنا، لكن المشكلة إن العميل بيبقى مش عارف هل المشروع بيتنفذ فعلًا ولا لأ".
ولجأ محمود سمير، مشترٍ في المنطقة نفسها، إلى اتخاذ إجراءات قانونية ضد الشركة منفذة المشروع بعد فشل محاولات الوصول إلى حل يضمن حقه، ولكن دون تقدم يذكر على أرض الواقع لطول الإجراءات القانونية.
وأوضح سمير لـ المنصة أن مراحل المشروع الأولى جرى تنفيذها بانتظام وتسليمها في المواعيد المتفق عليها وذلك بعدما تعاقد شقيقه على شراء وحدة في المرحلة الأولى للمشروع لكن المرحلة الرابعة التى اشترى بها تأخرت 3 سنوات رغم انتظام سداد الأقساط.
حلول حماية المشترين
ويقترح نائب رئيس جمعية رجال الأعمال إطلاق مؤشر أو تصنيف للشركات العقارية يعمل على ربط حجم المشروعات التي يستطيع المطور تنفيذها بقدرته المالية والفنية وذلك قبل حصوله على قطعة الأرض والموافقات الحكومية اللازمة، وتمتد إلى تقييم قدرتها على تنفيذ الوحدات التي تطرحها للبيع قبل حصولها على الموافقات من الأساس.
وأوضح أن المطور الذي يمتلك سجلًا محدودًا وقدرات مالية محدودة لا يفترض أن تكون له بالضرورة القدرة نفسها على تنفيذ عشرات المشروعات الضخمة التي يمكن أن يحصل من خلالها على مليارات الجنيهات من العملاء.
فيما أكد عضو غرفة التطوير العقاري أن حماية المشترين تحتاج إلى تغيير في طريقة إدارة السوق، بحيث تستطيع الحكومة اكتشاف المشروعات المعرضة للتعثر قبل وصولها إلى مرحلة توقف التنفيذ بشكل كامل كما يحدث حاليًا، وذلك عبر تطبيق نظام حسابات الضمان.
"النظام يقضي بإيداع أموال المشترين في حساب مخصص للمشروع ولا يتم الصرف منه إلا وفق مراحل التنفيذ الفعلية، وبكده نضمن أن المطور هيحط فلوس الناس في المشروع اللي اشتروا فيه"، حسب المصدر.
وأشار إلى أهمية حماية حقوق المشترين ومحاسبة المطورين غير الجادين لـ"تنظيف السوق" عبر تفعيل السجل الوطني للمطورين وإنشاء محاكم عقارية متخصصة للفصل في النزاعات بين الطرفين، مثل قضايا تأخر التسليم وفسخ العقود والتعويضات بما يختصر فترة التقاضي، خاصة في حالات العملاء الذين دفعوا جزءًا كبيرًا من قيمة الوحدة ثم وجدوا أنفسهم مضطرين للانتظار سنوات جديدة للحصول على حكم نهائي.