احتلت مصر المركز 139 بين 147 دولة رصدها "تقرير السعادة العالمي" هذا العام، ورغم حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة احتل الفلسطينيين المركز 109 في القائمة.
وركزت النسخة الـ14 من التقرير السنوي هذا العام على العلاقة بين السعادة واستخدام السوشيال ميديا، خاصة في ظل القلق العالمي على الصحة النفسية للأطفال والمراهقين.
وخلص التقرير، الصادر في 19 مارس/آذار الجاري عن "جالوب" ومركز أكسفورد لأبحاث الرفاهية وشبكة حلول التنمية المستدامة التابعة للأمم المتحدة، إلى أن "الشباب الذين يستخدمون السوشيال ميديا لأقل من ساعة يوميًا هم الأكثر سعادة عالميًا".
لكن المشهد في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا يبدو أكثر تعقيدًا، وفقًا للتقرير؛ فرغم أن معدلات الاستخدام في المنطقة هي من الأعلى عالميًا، إلا أن الصحة النفسية للشباب لم تتراجع بنفس الحدة التي شهدتها الدول الناطقة بالإنجليزية وأوروبا الغربية بسبب الإنترنت.
ومع ذلك، حذر التقرير من أن المنطقة ليست "محصنة"، إذ لا يزال الاستخدام الكثيف مرتبطًا بارتفاع مستويات التوتر والاكتئاب، لا سيما عندما يتحول الاستخدام إلى "استهلاك سلبي" يعتمد على الصورة وثقافة "الإنفلونسرز" والمقارنات الاجتماعية.
وكشف التقرير عن تباين صارخ داخل المنطقة؛ فإسرائيل وهي التي تشن حرب إبادة منذ ثلاث سنوات وارتكبت جرائم لا حصر لها ضد الإنسانية في غزة احتلت المركز الثامن عالميًا، ما يضعها ضمن أسعد دول العالم.
في المقابل، جاء الفلسطينيون الذين يعيشون في الضفة الغربية وقطاع غزة والذين يصفهم التقرير كدولة فلسطين في المركز 109.
وعلى صعيد آخر، حققت الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية أداءً قويًا بحلولهما في المركزين 21 و22.
ويعتمد التصنيف على متوسط 3 سنوات لقياس عوامل مثل حصة الفرد من الناتج المحلي الإجمالي، ومتوسط العمر الصحي، ووجود شخص يمكن الاعتماد عليه، والحرية، والكرم، والتصورات عن الفساد في المجتمع، للمساعدة في تفسير الاختلافات. بمعنى آخر، تُبنى التصنيفات من إجابات الناس أنفسهم، بينما تُستخدم المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية لفهم سبب تباين تلك الإجابات.
هذا الأمر يكتسب أهمية عند قراءة نتائج التقرير المتعلقة بالسوشيال ميديا في مصر؛ ففي الخليج يتجاوز الاستخدام 80%، بينما في دول شمال إفريقيا ومنها مصر، يقل عن 60%.
ويشير التقرير أيضًا إلى أن السوشيال ميديا تحل تدريجيًا محل التليفزيون كمصدر رئيسي للأخبار في المنطقة، لكن هذا التحول في مصر والأردن كان أبطأ ويبدو أنه توقف. بعبارة أخرى، لا يمكن تفسير ترتيب مصر المتدني بالعادات الرقمية وحدها.
وبالنظر إلى الأرقام، فإن ترتيب مصر في نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي 67، وعدم المساواة 80، والحرية 101، كلها أفضل بكثير من تقييمات الناس الذاتية لمدى سعادتهم. وربما يكون لواقع التضخم المرتفع، والحد الأدنى للأجور الذي يقترب من مستوى الفقر، وسجل حقوق الإنسان الضعيف، أثره البالغ في ذلك.
بالنسبة لمعظم المستخدمين في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، يجد التقرير أن قضاء ما يصل إلى خمس ساعات يوميًا على السوشيال ميديا لا يرتبط بشكل ملحوظ بزيادة مستويات التوتر أو أعراض الاكتئاب أو ما إذا كان الناس يشعرون بأنهم يحققون نجاحًا أفضل من آبائهم (وهو أحد الأسئلة الموجودة في الاستطلاع).
وأكد التقرير أن تجاوز هذا الحد، فيما يُصنَّف بالاستخدام المكثف، ينعكس بصورة سلبية أكثر وضوحًا، حيث ترتفع احتمالات الإبلاغ عن التوتر والاكتئاب والشعور بأن الأوضاع أسوأ من الجيل السابق.
وأشار التقرير إلى أن طبيعة الاستخدام لا تقل أهمية عن مدته؛ فالتواصل المباشر عبر الرسائل لا يحمل المخاطر نفسها التي يسببها التصفح المستمر للمنصات المعتمدة على الصور والمقارنات الاجتماعية. كما يلفت إلى أن الاستهلاك السلبي وثقافة الإنفلونسرز يمثلان أكثر الأشكال إشكالية، إذ يعززان المقارنة الاجتماعية دون أن يوفرا روابط حقيقية أو تفاعلًا فعليًا بين المستخدمين.
وأظهر التقرير أن نتائج الفروق بين الجنسين في المنطقة أكثر تعقيدًا مما يُطرح عادة في النقاشات الغربية. فالنساء في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا أقل استخدامًا للسوشيال ميديا مقارنة بالرجال، وهو ما يربطه التقرير بضغوط خاصة بالمنطقة تشمل المضايقات، الرقابة الأسرية، والاعتبارات المرتبطة بالسمعة. ومع ذلك، لم يجد التقرير أن الاستخدام المكثف يؤثر بشكل أكبر على جنس دون الآخر، على خلاف ما يظهر في العالم الناطق بالإنجليزية حيث تراجع رفاهية الشباب كان أكثر حدة، وغالبًا ما تكون الأضرار أشد على الفتيات.
ويخلص التقرير إلى أن المنطقة لا تتحدى الاتجاهات العالمية، بل تعكسها بصورة مختلفة. فالاستخدام المحدود يبدو الأكثر أمانًا، بينما الاستخدام المكثف يحمل مخاطر أوضح. كما أن السوشيال ميديا لا تؤثر بشكل موحّد على الصحة النفسية، فلا هي ضارة تمامًا ولا نافعة بالكامل. أما في الحالة المصرية، فإن الرسالة الأبرز هي أن هذه المنصات قد تضاعف الضغوط القائمة، لكنها تظل جزءًا من قصة أشمل حول أسباب شعور الناس بتحسن حياتهم أو العكس.