
سيناريو ترامب كابوسي لكنه جاد
منذ الزلزال الذي أحدثه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب باقتراحه تهجير سكان غزة إلى مصر والأردن لإعادة بناء القطاع الذي دمرته إسرائيل، وتحويله إلى "ريفييرا الشرق الأوسط"، تتدفق الأسئلة حول إمكانية تنفيذ هذا المخطط عمليًا وتحويله إلى واقع، وكذلك عواقبه على الشرق الأوسط برُمَّته.
هل سيتم الترحيل قسرًا باستخدام القوة العسكرية، أم طوعًا عبر إغراء شعب القطاع المنكوب بعد أكثر من 15 شهرًا من حرب الإبادة الإسرائيلية؟ ما الدول التي ستقبل استضافة ما يزيد على مليوني فلسطيني؟ ولو صممت مصر والأردن على رفض التهجير في ضوء الرفض الرسمي والشعبي لتلك الخطة النزقة، هل سيمارس ترامب ضغوطه على دول أخرى حليفة للولايات المتحدة مثل ألبانيا وإندونيسيا وتركيا لقبول انتقال الفلسطينيين لها مقابل منح مادية سخية؟
وهل يمكن أن تصبح سوريا وجهة المهجرين قسرًا من غزة مقابل اعتراف واشنطن بنظامها القاعدي/الداعشي سابقًا؟ أم أن خيار تجميع أعداد كبيرة من الفلسطينيين بالقرب من حدود وطنهم سيكون مستبعدًا؟ وهل تسمح هشاشة الوضع الداخلي في سوريا، وهي غير مستعدة بعد لاستقبال جميع لاجئيها حول العالم، سيسمح لها باستقبال مئات آلاف اللاجئين الفلسطينيين؟ لا تبدو سوريا الوجهة المفضلة لتنفيذ الطموح الترامبي.
في آخر تصريحاته شبه اليومية عن مشروعه الاستعماري، قال ترامب إنه ليس في عجلة من أمره، وإنه لن تكون هناك حاجة لإرسال قوات أمريكية إلى غزة من أجل "امتلاكها"، كما اقترح في مؤتمره الصحفي المشترك مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الأسبوع الماضي، أن تتولى إسرائيل "تسليم" غزة للأمريكيين بعد انتهاء الحرب، في تطبيق فج آخر لمقولة العرب الشهيرة بعد وعد بلفور "من لا يملك، أعطى من لا يستحق".
كما أكد ترامب أن خطة تحويل غزة إلى مشروع عقاري استثماري ضخم لن تتطلب إنفاق أموال من دافعي الضرائب الأمريكيين، وأن الاستثمارات ستأتي من دول المنطقة، في إشارة بالطبع إلى دول الخليج النفطية الغنية، السعودية والإمارات وقطر.
المخيف أن إدارة ترامب ولم يكد يمضي على توليها المسؤولية أسبوعان سارعت إلى تمرير العديد من الأسلحة الفتاكة لإسرائيل
إذن السيناريو الكابوس هو أن تنتهي المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار الحالي بعد ثلاثة أسابيع، وقد تمتد قليلًا، في محاولة من إسرائيل لاستعادة جميع أسراها الأحياء المحتجزين لدى حركة حماس، ثم تجد بعد ذلك أي مبررات لاستئناف حرب الإبادة بمباركة من ترامب وفريقه المفرط في دعمه لإسرائيل من منطلقات صهيونية عنصرية، جوهرها أن الحل الأمثل للقضية الفلسطينية هو تفريغ فلسطين من الفلسطينيين وتركها كاملة من دون سوء دولة يهودية قومية خالصة.
فأعضاء فريق ترامب المسؤولون عن ملف الشرق الأوسط لا يؤيدون المقترح الثابت للدبلوماسية الأمريكية والقائم على حل الدولتين القوميتين؛ فلسطينية وإسرائيلية، ويشككون في إمكانية نجاحه مع تجاهل الإشارة إلى مسؤولية إسرائيل، الرافضة لإنهاء الاحتلال وتنفيذ ما وقعت عليه من اتفاقيات، عن إفشاله.
أسوأ مما شهدناه
في بدايات عملي الصحفي غطَّيت مفاوضات واتفاق أوسلو. ولاحقًا عملت مراسلًا صحفيًا في الولايات المتحدة. هناك اختلطت لدي مشاعر الصدمة وعدم الفهم بالغضب العارم، وأنا أستمع لحجج تبرير الاحتلال الإسرائيلي من إسرائيليين وأمريكيين يمينيين: إسرائيل دولة صغيرة محدودة المساحة، بينما العالم العربي واسع وكبير. لماذا لا تتركون لنا إسرائيل دولة يهودية خالصة، وتستقبلون أنتم الفلسطينيين لديكم لاجئين؟ الأردن هو فلسطين، فليأخذ سكان الضفة، وتأخذ مصر سكان غزة. أين إيمانكم بالوحدة العربية؟ ألست أنتم من ترددون أنكم جميعًا عرب؟
وبعد هذه الأسئلة، يأتي دور خطاب المظلومية مما تعرض له اليهود في الهولوكوست من قتل ومذابح، التي وإن لم يكن للعرب والمسلمين صلة بها، فإن واجبهم الإنساني يحتم عليهم القبول بالتنازل عن فلسطين تعاطفًا مع المأساة اليهودية.
لم يكن تفنيد هذه الحجج الصهيونية أمرًا صعبًا، ولكن المناقشات كانت دائمًا ما تنتهي بصراخ وتبادل للاتهامات؛ بالعنصرية من ناحيتي، وبدعم الإرهاب من ناحيتهم.
ولأن نقطة البداية لدى ترامب وفريقه الحالي من عتاة الداعمين للصهيونية من منطلقات دينية وعنصرية هي نفي حقوق الفلسطينيين، فإنهم سيرحبون ويبررون بالتأكيد أي قرار تتخذه حكومة نتنياهو المتطرفة والإرهابية باستئناف حرب الإبادة ضد الفلسطينيين في غزة. ستكون هذه الحرب أكثر شراسة ودموية من الفظائع والأهوال التي شهدناها طوال الأشهر الماضية، وستمهد الطريق نحو التهجير القسري للفلسطينيين.
المخيف أن إدارة ترامب ولم يكد يمضي على توليها المسؤولية أسبوعان، سارعت إلى تمرير العديد من الأسلحة الفتاكة لإسرائيل، بداية بمليار دولار مخصصة لآلاف القنابل زنة ألف رطل، 500 كيلوجرام، والجرافات الضخمة التي تستخدم لهدم المنازل. كما ألغى ترامب الحظر الذي فرضته إدارة الرئيس جو بايدن السابقة على تزويد إسرائيل بقنابل زنة ألفي رطل، التي يحظر استخدامها في المناطق المأهولة بالسكان كما هو حال غزة، ومعدات ثقيلة أخرى تستخدمها في الحرب.
وفي وقت تقول فيه إسرائيل إنها تمكنت من إنزال ضربات موجعة بكل أعدائها، فإن كل هذه الكميات من الأسلحة التي تسارع إدارة ترامب في إرسالها إلى حليفتها قد تكون نقطة البداية لتنفيذ مخطط التهجير القسري لسكان غزة. وأخذًا في الاعتبار تصريحات ترامب في اليوم الأول لتوليه منصبه بأن الحرب الدائرة في غزة "هي حربهم وليست حربنا" في إشارة إلى الإسرائيليين، فمن المستبعد أن يرسل قوات أمريكية بشكل مباشر للمحاربة نيابة عن إسرائيل، ولكن لا يوجد ما يمنع مدها بسخاء بكل أنواع الأسلحة التي تحتاجها لتشن هذه الحرب بنفسها.
سنوات صعبة
من الضروري التعامل مع مقترحات وتصريحات ترامب بجدية وعدم الاكتفاء باتهامه بالجنون والجهل وغيرها من التمنيات التي تراهن على عدم إمكانية تحقيق مقترحه مهما بدا وهميًا، دون الوضع في الاعتبار الأوضاع الصعبة القائمة على الأرض في غزة من ناحية حجم الدمار وغياب أبسط مقومات الحياة الإنسانية.
وبقدر ما تسعى حركة حماس لتأكيد استمرار وجودها وقدرتها على المقاومة من خلال الاستعراضات التي نظمتها أثناء عمليات الإفراج عن المحتجزين الإسرائيليين على مدى الأسابيع الماضية، فعليها إدراك جدية تمسك نتنياهو وترامب وإدارته بضرورة إنهاء حكمها لقطاع غزة والقضاء على قدراتها العسكرية، والترويج بأن هذا الهدف تسعى له كذلك عدة دول عربية حليفة لواشنطن.
ومن المؤكد أن أكثر ما قد يشجع نتنياهو وحليفه ترامب على تنفيذ السيناريو الكابوس، هو ردود الفعل المتخاذلة من الدول العربية والعالم على حرب الإبادة التي نفذتها إسرائيل بدم بارد، حتى بات قتل عشرات آلاف الفلسطينيين وتسوية مباني القطاع وبنيته التحتية بالأرض أمورًا اعتيادية لا يحرك العالم لها ساكنًا. كما سدت الولايات المتحدة وبعض دول الغرب المتحضرة أبواب العدالة الدولية أمام الفلسطينيين وداعميهم، سواء عبر المحاكم الدولية أو عبر مؤسسات الأمم المتحدة.
ما علينا إعداد أنفسنا له جيدًا هو أننا سنمر بأربع سنوات صعبة، سيكون فيها انحياز الولايات المتحدة لإسرائيل مفضوحًا سواء قررت استئناف الحرب ضد الفلسطينيين في غزة، أو توسعت في حملتها العسكرية الحالية في الضفة الغربية، تمهيدًا للإعلان عن ضم مناطق واسعة منها، بغطاء سياسي من ترامب الذي لم يعارض المخطط الإسرائيلي الذي يشكل انتهاكًا للقانون الدولي، بل ذكَر أنه سيعلن موقفه منه في غضون أربعة أسابيع.
ومع ترامب الذي اعترف بالقدس المحتلة عاصمة للكيان الصهيوني، وأقرَّ ضم الجولان السوري المحتل لإسرائيل خلال فترة رئاسته الأولى، لا يمكن توقع سوى الأسوأ والأكثر تطرفًا وإنكارًا لحقوق الشعب الفلسطيني.
مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.