داخل مقبرة سليمان أغا السلحدار

"الست وسيلة" تصطدم بأزمة تداول المعلومات في مصر

منشور الأحد 26 فبراير 2023

رمقني الموظف بنظرة ساخرة حين أخبرته أنني أرغب في الاطلاع على الوثيقة رقم 1523 بالدفتر خانة. رد "أنا هاوفر عليكي المجهود، هتدخلي جوه هيقولولك لازم خطاب رسمي عليه ختم النسر، وإلا مش هتقدري تطلعي على أي وثيقة، وبرضه حاولي".

الرد المربك للموظف عادة ما يواجه الباحثين في مصر، سواء كان بحثهم لأغراض علمية، أو صحفية، أو غير ذلك. تتعطل عمليات البحث شهورًا، ويضطر بعض الباحثين لتغيير موضوعاتهم بالكامل فقط لأنهم لم يتمكنوا من الوصول إلى وثائق رسمية ضرورية لاستكمال بحثهم.

وهكذا تبقى الوثائق  حبيسة دون ضرر محتمل، وإلا ما الضرر الذي قد تجلبه معلومة عن سيدة مثل الست وسيلة؟

البداية

الوثيقة التي رغبت في الإطلاع عليها كانت الوحيدة التي قادتني إليها عملية بحث طويلة على الإنترنت عن صاحبة بيت الشعر، أو الست وسيلة، معتوقة (أي خادمة اعتقتها) المرحومة الست عديلة هانم بنت المرحوم إبراهيم بك الكبير، التي خصصت وزارة الثقافة  منزلها ليصبح بيتًا للشعر عام 2010، تقام فيه الأمسيات الأدبية بانتظام.

بيت الست وسيلة.

يتجول العشرات يوميًا في المنزل الذي بُني في العام 1074 هـ (1664 ميلادية)، وكتب على إزار كتابي بسقف المقعد، أنه ملك عبد الحق وشقيقه لطفي أولاد محمد الكناني وهما من شيداه والست وسيله آخر من امتلكه، وأن ترميمه انتهى عام 2005، ويمثل نموذجًا فريدًا لعمارة العصر العثماني.

دفعني الفضول إلى معرفة من هي الست وسيلة، خصوصًا بعدما لاحظت أن كل المعلومات متاحة حول المنزل نفسه دون صاحبته، وليسة ثمة تفاصيل عن مولدها أو حياتها.

أول الخيط

 في الصفحات الأخيرة من كتاب الدكتور زاهي حواس "منزل الست وسيلة"، الذي يتحدث عن البيت وعمارته وتقسيمه، عثرت على فقرة في الصفحة 47 في الجزء الخاص بـ "المنشأ وتاريخ الإنشاء" يقول "سكنته، وهي وسيلة خاتون، بنت عبد الله البيضا، (...) وتوفيت في 6 محرم عام 1251هـ /4 مايو 1835م".

وفي الهوامش، استند حواس في معلوماته على الوثيقة رقم 1523 المحفوظة بأرشيف وزارة الأوقاف، "من الورق ومرممة، ومكتوبة بالحبر الشيني الأسود، وعدد سطورها 96 سطرًا". فقررت الإطلاع عليها دون أن أعلم أنها عملية معقدة.

 في الدفتر خانة

الوثيقة موجودة داخل الأرشيف أو الدفتر خانة في وزارة الأوقاف، بحسب ما ذكره الكتاب. قصدت مقر الوزارة، وبعد ممرات تمتلئ بأكوام من الأوراق والقمامة، وصلت إلى المكان المقصود، حيث إدارة المحفوظات.

إحدى الممرات في وزارة الأوقاف.

وهناك، رمقني الموظف بنظرته الساخرة، وأوضح ضرورة الحصول على موافقة مختومة بختم النسر. وحين استفسرت أكثر أجاب باقتضاب "روحي الأول إدارة الأمن في الوزارة، خدي  الموافقة وأبقي تعالي". وإدارة الأمن تلك مكتب أمني إداري داخل المبنى.

تصورت أن الأمر بحاجة إلى تلك الخطوة فقط، سلكت ممرات معتمة، وهناك أخبرني الشخص المسؤول أنه لا يملك الموافقة أو الرفض "لازم طلب متزكي بختم النسر" سألته: ممن؟، لكنه لم يجب. وأضاف "أرجعي إلى الدفتر خانة ممكن يساعدك".

عدت إلى إدارة المحفوظات، فاستقبلني الموظف بابتسامة منتصر، "مارضيوش صح"، وتابع "اعذريني، مقدرش أطلعك عليها إلا بخطاب رسمي وموافقات كتير، أهمها الموافقة الأمنية وعمومًا روحي  لدار الوثائق القومية أسهل، وكل ورقة هنا ليها نسخة هناك".

موافقة الأمن أولًا

ذكر الموافقة الأمنية لم يأتِ فقط على لسان موظف أو اثنين في وزراة الأوقاف، وإنما تثبته وثيقة لوزارة الثقافة، وهي صورة طلب الإطلاع على الوثائق للباحثين، عثرت عليها فيما بعد. 

وضعت وزارة الثقافة الموافقة الأمنية كأحد شروط الإطلاع دون تحديد الجهة المحددة أو المسؤولة عن إصدار تلك الموافقة. وأشارت الوثيقة إلى أنه بعد استيفاء الشروط التي تتضمن أيضًا إثبات شخصية وخطاب معتمد من الجهة المشرفة على البحث، فإن جهة الإدارة تعلن قرارها فى طلب تلك الخدمة خلال 45 يومًا من تقديم الطلب مستوفيًا، وتكرر الوثيقة مرة أخرى "وبعد صدور موافقة الجهات الأمنية".

ومقابل الخطوات التي تعقد عمل الباحثين، يطلب كارنيه نقابة الصحفيين الذي أحمله، من الجهات المسؤولة "تيسير مهمة حامله"، ورغم أنني أشهرته كل مرة، فلم يفد كوني صحفية في الدفتر خانة، ولم يحل دون خوض الطريق المعقد ذاته الذي يسلكه الباحثون.

قبل مغادرة وزارة الأوقاف، أغلق الموظف باب الغرفة أمامي، فوقعت عيني على الآية القرآنية المعلقة على الباب بخط منمق "ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون".

الآية معلقة على باب أحد مكاتب وزارة الأوقاف.

في دار الوثائق

ذهبتُ إلى دار الوثائق، وهناك وصلني رد مختلف، حيث ابتسم الموظف وقال "مقدرش أساعدك لإنك مش قريبة الست وسيلة"، ووجهني  إلى مكتب رئيس الإدارة المركزية، والأخير قال إن "الوثائق متاحة فقط للباحثين، وباشتراطات تتضمن موافقة الجامعة، وختم النسر، وخطة كاملة للبحث الذي أقوم به كطالبة، وصورتين شخصيتين، وصورة بطاقتي، ثم انتظر الموافقة الأمنية".

وأشار إلى أنه في كل الأحوال فلن أحصل على الموافقة الأمنية التي تقتصر فقط على "الباحثين". وبالمصادفة التقيت إحدى هؤلاء الباحثين التي أكدت لي حينها، وخلال التواصل معها على مدار 3 شهور بعد تلك الزيارة، إنها لم تحصل على الموافقة حتى الآن، رغم أن بحثها تاريخي أيضًا و لا يمس الأمن القومي بشيء. 

الأمر نفسه تكرر مع الباحث والكاتب الصحفي محمد الشماع، ولكن هذه المرة داخل دار الكتب، يقول للمنصة "أثناء الإعداد لكتابي السرايا الصفرا، كان ينقصني في مذكرات بطل القصة، حلقة مفقودة، يفترض أنها موجودة في عدد من أعداد مجلة المصور، واكتشفت أن العدد الذي أحتاج إليه محاط بجنازير صدئة".

وثق الشماع ما جرى معه في بوست بعنوان "مأساة أن تكون باحثًا (1)" ثم عاد ليضمنه كتابه الصادر حديثا عن دار المصري "الشوارع الخلفية"، لافتًا إلى معاناة الباحثين، حيث الكثير من الوقت والجهد، للوصول فقط إلى معلومة بشأن وجود الدورية المراد الإطلاع عليها من عدمه في دار الكتب والوثائق. 

وأشار الشماع إلى تجربة الدكتور محمد أبو الغار في كتابه "الفيلق المصري"، من حيث أن معظم الوثائق والمصادر الواردة فيه، مصدرها مؤسسات ومكتبات وجامعات عالمية.

وبعض الباحثين نتيجة لوضع تداول المعلومات في مصر، صاروا يستبدلون المتاح بالضروري، وبينهم الباحث إبراهيم علي خميس، الذي حاول أن ينأى بنفسه عن الاحتكاك بمؤسسات رسمية من أجل الحصول على أوراق، يقول "أقوم بإعداد دراسة عن زيادة عدد سكان القاهرة وتوزيعهم الجغرافي في المحافظة عمومًا، تمهيدًا لنشرها في كتاب".

إبراهيم الذي تخرج من كلية الآداب عام 2017 وحصل على دبلوم في الدراسات العليا عام 2021، أكد "أردت أن أكسب الوقت وأتجاوز الروتين بالاستعانة بالمتاح عبر المواقع الرسمية أون لاين، لكنني فوجئت أن موقعًا رسميًا مثل التابع للجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء، لا يحتوي على أي معلومات يمكن أن تفيدني، وكذلك الأمر مع مواقع رسمية أخرى مثل موقع محافظة القاهرة، لذا لجأت إلى مصادر متاحة عبر الإنترنت مثل الخطط التوفيقية لعلي مبارك، وهكذا".

الأمن القومي 

ما يحدث مع الباحثين والصحفيين جزء من مشهد حرية تداول المعلومات في مصر، التي تحتل المرتبة الـ14 من بين 19 دولة، بحسب مركز عمان للدراسات وحقوق الإنسان في تقريره السنوي الخامس حول الحريات الصحفية والمخصص للحق في الوصول للمعلومات، في حين يأتي الأردن في المرتبة الأولى، وتسبق مصر دول مثل اليمن والسودان وفلسطين.

ويعمق من تلك الحالة غياب التشريع المنظم لتداول المعلومات، رغم أنه استحقاق دستوري، إذ تنص المادة 68 على أن حرية تداول المعلومات حق ينظمه القانون. ولكن حتى الآن لم يصدر هذا القانون، رغم خروج عدة مشاريع أحدها من المجلس الأعلى للإعلام في العام 2017، ينص على أنه "يحظر البيانات المتعلقة بالأمن القومى وبالأسرار الصناعية والتجارية"، اقترح إنشاء مجلس أعلى وغرامة من 3 لـ10 آلاف جنيه للممتنعين عن تقديم البيانات.

وعادة ما تُفتح النقاشات حول ماهية الأمن القومي، وكيف يمكن استخدام المصطلح كوسيلة لحجب معلومات لا يجب حجبها، لكن الواقع يعكس وضعًا أكثر سوداوية، فحتى بيانات "الست وسيلة"، المتوفية قبل 193 سنة، محظورة علينا الآن، ولا يوجد قانون ينظم ذلك. 

ويتضمن الواقع أيضًا، ما أقر به تقرير صادر عن مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار التابع لمجلس الوزارء، جاء فيه أن "معظم القوانين المصرية جاءت بنصوص مانعة لتداول المعلومات، بغض النظر عن الجهة، أو الهيئة العامة".

في المقبرة

بخلاف أن تداول المعلومات حق أصيل نص عليه الدستور، فإنه يوفر الكثير من الجهد على الباحثين والصحفيين. ومع الإصرار على حجب وثيقة الست وسيلة عني، حاولت الوصول إلى معلومات عنها بطريق آخر.

سألت الباحث في التاريخ أبو العلا خليل، فقال "لم تذكر لنا المصادر شيئًا عن هؤلاء المعاتيق سوى أن الست وسيلة اعتقتها الست عديلة هانم بنت المرحوم إبراهيم بك الكبير"، مشيرًا إلى أن عديلة تلك كانت زوجة للأمير سليمان أغا السلحدار، الذي كان له تربة شهيرة بقرافة المجاورين جعلها مدفنًا له ولزوجاته ومعاتيقهم"، مرجحًا أن تكون الست وسيلة مدفونة فيها.

وفي المقبرة، رُص عدد من شواهد القبور الحديثة، لأحفاد زيبا وبنبا، زوجتي سليمان أغا السلحدار، أما سليمان نفسه، فكان قبره في ركن منفصل، يزينه شاهد ضخم، وإلى جواره، شاهدين اثنين، أحدهما لابنته، التي ماتت طفلة، والثاني لخور جليلة. كلا القبران عليهما أبيات من الشعر تحمل كلمة وسيلة، لكنه لم يكن دليلًا على أن الست وسيلة ترقد في أيٍّ منهما.

انتهت هنا رحلتي مع الست وسيلة، التي بدأت بفضول حول من هي تلك المرأة التي ارتبط اسمها بالشعر، بإحباط حول واقع تداول المعلومات في مصر، وقلق من مصير أي موضوع سيتطلب الإطلاع على ورقة أو وثيقة مستقبلًا.