تصميم: أحمد بلال- المنصة

نساء السينما في 2022: عائمات في بحر السذاجة

منشور الأحد 11 سبتمبر 2022

 

في الموسم السينمائي للصيف الحالي، عُرضت أربعة أفلام، اختلفت موضوعاتها بين المعالجة التاريخية والرومانسية والأكشن والكوميديا، واتفقوا جميعًا على شيء واحد، منح البطولة لفتاة ساذجة.

بنظرة سريعة على الأفلام المصرية الأربعة كيرة والجن، وبحبك وعمهم وتسليم أهالي التي عرضت هذا الصيف، سنجد أن الشخصيات النسائية بدت منمطة داخل وظيفتها المكررة كحبيبة للبطل تدعمه أو تتخلى عنه. حتى وإن ارتكز موضوع الفيلم على العلاقة بينهما، فهذا لم يمنح البطلة مساحة أكبر تستعرضها خارج مساري الأبيض والأسود.

نساء 2022

في تسليم أهالي، تنتظر زاهية، دنيا سمير غانم، إجراء مقابلة عمل، قبل أن يتضح أن دافعها للوظيفة ليس العمل في حد ذاته وإنما البحث في بيئة جديدة عن عريس تصطاده. وهو ما قالته لمدير الشركة، الذي يطلعها بطريقة كوميدية على صور طاقم العمل، ويعدها بإرسال تفاصيل رواتبهم لها حتى تختار الأنسب.، وينتهي المشهد برسالة من والدتها تخبرها بتقدم أحد أقاربها لخطبتها فتهرع إلى البيت.

https://www.youtube.com/watch?v=PJMBJvL2BXA

برومو فيلم تسليم أهالي


تنقسم حبكة الفيلم إلى خطين رئيسين، الأول، رحلة استعادة ثروة ضائعة تخص أسرتها، فيما يسير الخط الثاني في سبيل الفوز بقلب خليل، هشام ماجد، وهو الغرض الذي تضحي من أجل إدراكه بكرامتها، فغاية المرأة من وجهة نظرها هي الحصول على زوج.

وفي المشاهد الختامية للفيلم تظهر زاهية، التي احتفظت بالشعر المجعد طوال الأحداث، بشعر أملس وطويل، وفستان لامع مثل أميرات ديزني، مما يساعد خليل لاكتشاف وقوعه في حبها، فينتهي الفيلم نهايته السعيدة.

وفي بحبك تقدم هنا الزاهد صورة الفتاة الطفلة، التي ينقصها الخبرة في شؤون الحياة، بينما يأتيها فارس أحلامها, تامر حسني, فيكسر قلبها ويتركها قبل زفافهما بفترة قصيرة، ولكنها تعود إليه في النهاية، وفضلًا عن ذلك تطلب منه الغفران لأنها لم تقدر ظروفه بما فيه الكفاية.

برومو فيلم بحبك


أما فتاة فيلم عمهم الساذجة فاسمها غالية, هدى المفتي، وهي ابنة لرئيس عصابة، تقع في حب المجرم الشاب سلطان, محمد إمام، من أول نظرة، وتنغمس في عالم خيالي ومشروع خاص لصناعة وتزيين الكعك للمناسبات، من دون اكتراث أن يكون والدها مجرم عتيد، أو أن حبيبها لا يتفاهم إلا بلغة الأسلحة النارية والبيضاء، أو بالفارق الثقافي والدراسي بينها وبينه، ولا حتى بالخطر الذي يحدق بهم من كل ناحية، فهي أسيرة فكرة الفارس الذي ينقذها ووالدها في النهاية، فيصبح زوجها المنتظر.

برومو فيلم عمهم


بيد أن فيلم كيرة والجن حاول تقديم شخصية نسائية قوية هي دولت، هند صبري، المسيحية التي تنضم للمقاومة المصرية ضد الاستعمار، وتقع في حب عبد القادر الجن, أحمد عز، وتضحي بسمعتها حتى تنقذه من السجن.

لكن على الجانب الآخر يظهر في العمل ذاته مثالان للفتاة الساذجة، الأولى زينب، روبي، التي تعيش مع زوجها المناضل ضد الاستعمار دون أن تعلم بدوره البطولي، متقبلة أعذاره غير المنطقية لغيابه عن المنزل لأسابيع.

والثانية إيميلي، رزان جمال، البريطانية التي تقع في حب الطبيب المصري أحمد كيرة، كريم عبد العزيز، من أول نظرة، بشكل يشبه القصص الرومانسية الساذجة، وحتى عندما تعلم أنه استغلها وحاول اغتيال والدها وهي معه معرضًا حياتها للخطر، سامحته بدون أي ضغائن.

قدمت إيميلي صورة الفتاة الأجنبية المتعاطفة مع أهالي البلد الذي تستعمره، تنظر لهم بشكل استشراقي كصورة للرومانسية غير الموجودة في عالمها البرجوازي البارد.

لماذا السذاجة؟

في دراسة أجرتها العالمتان ديبورا برينتس وإريكا كارنزا بجامعة برينستون على 100 سمة منمطة على أساس الجندر، وجدتا أن هناك مجموعة من الصفات المستحب توافرها في الفتاة المثالية المقبولة من المجتمع جندريًا، منها أن تكون دافئة وطيبة ومحبة للعائلة ومخلصة وحساسة وصبورة ومرحة، وكذلك من العيوب المقبولة تمامًا أن تكون خجولة وساذجة وميلودرامية ويسهل خداعها.

نشرت الدراسة ضمن كتاب علم النفس الاجتماعي للجندر، مع تعليق من كاتبتيه يقول "تستطيع النساء أن تتوقع الحصول على مكافآت اجتماعية لإظهارهن سمات مثل الدفء والولع بالحياة المنزلية، كما يتوقعن مواجهة قدر هين من الرفض الاجتماعي إذا أظهرن لين الجانب، أو بساطة الأطفال أو السذاجة، ويجلبن على أنفسهن الرفض الاجتماعي عند ممارستهن للهيمنة والسيطرة على الآخرين، وهو ما يتسق مع القول المأثور "الرجل العدواني حازم، والمرأة العدوانية عاهرة".

بالعودة إلى أفلام موسم صيف 2022، سنجد الشخصيات النسائية كلها تنطبق عليهن سمات الشخصية المقبولة اجتماعيًا من الناحية الجندرية. بالتأكيد لم يعرف صناع تلك الأفلام بالدراسة، وربما لم يقرؤوا يومًا في العلاقات بين النوعين، لكنهم في الوقت ذاته اتبعوا القواعد التي يرضى عنها المجتمع بشكل آلي، بصورة توضح كيف تجذر ذلك النمط من الفتيات كما لو أنه لم يعد هناك سواه.

ولا يمكن، هنا، غض الطرف عن العلاقة التفاعلية بين الأعمال الفنية والقيم السائدة في أي مجتمع، فالأولى بالتأكيد تتأثر بالثانية كما رأينا في الأمثلة المذكورة سلفًا، لكن تلك القيم يدعمها كذلك أو يخلخلها الأعمال الفنية.

فمشاهدة أفلام ومسلسلات تعلي من قيمة صورة مسطحة ومنتقاة للفتيات، يحصلن على مزايا عبر حفاظهن على سمات الفتاة الساذجة البسيطة الباحثة عن زوج، يقوي تلك الصورة أكثر، ويجعلها السائدة. بينما لو ظهرت في تلك الأعمال صور أخرى لنساء ذوات شخصيات مختلفة، وحصدن مزايا بسبب اختلافهن، فربما يوسع ذلك من دائرة خيارات المرأة ويساعد في قبول اختلافها.

من الناحية الفنية جاء استخدام النساء في تلك الأعمال كحلية دون دواع درامية أو مساحات كافية، دليل على استسهال صناع تلك الأفلام، فغالية في فيلم عمهم، على سبيل المثال، لو أزيلت تمامًا من سياق الفيلم فلن تتغير أحداثه أو يتأثر البطل، أو يفقد أي من دوافعه الدرامية. هي موجودة فقط لأنه يجب أن تكون هناك فتاة يحبها البطل ويفوز بها في النهاية، كجائزة ليس أكثر.

ورغم أن الدراما التلفزيونية بدأت بإفراد مساحات أكبر وأهم وأكثر تعقيدًا للأدوار النسائية، ما تزال السينما تفضل الرهانات المضمونة، حيث لا يستطيع صناع الأفلام ضمان إقبال الجمهور على أعمال تضطلع فيها النساء بأدوار البطولة. خطوة مثل تلك، وفق حساباتهم، من شأنها أن تهدد رأس المال والعوائد المتوقعة منها، لكن هذا لا يجب أن يعني في الوقت نفسه، أن يهمش دور المرأة في العمل الفني، وأن تحبس الممثلات في دور الفتاة الساذجة حصرًا.