تصميم أحمد بلال، المنصة
حرب أهلية وسد وقاعدة جوية، الحدود المصرية تشهد مخاطر غير مسبوقة من ثلاث جهات.

من ليبيا إلى إثيوبيا والسودان.. من يخطط لخنق مصر؟

منشور الثلاثاء 3 تشرين الثاني/نوفمبر 2026

ثمة شيء يتغير حول مصر، ربما أسرع مما تبدو عليه الصورة عند النظر إلى كل تطور على حدة.

في إثيوبيا، مقاتلات روسية متطورة ومنظومات دفاع جوي حديثة. في السودان، حرب طاحنة وقوات الدعم السريع تحصل على إمدادات عسكرية وتنشئ لنفسها طرقًا ومعسكرات خلف الحدود. وفي ليبيا، يفتح خليفة حفتر أبوابه أمام تركيا بإنشاء مرفق جوي جديد على بعد نحو 23 كيلومترًا من الحدود المصرية.

ثلاث جبهات تبدو للوهلة الأولى منفصلةً، لكنها تفتح الباب أمام سؤال مهم: هل تتشكل حول مصر معادلة عسكرية جديدة لا تكون القاهرة فيها القوة العسكرية الوحيدة في محيطها الجغرافي، وتصبح حدودها الاستراتيجية ساحةً مفتوحةً لقوى وتحالفات لا يمكن اعتبارها حليفة؟ 

أكبر من مجرد سد

في 28 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، أعلن رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد حصول بلاده على 12 مقاتلة روسية من طراز سوخوي 35، على أن تحصل لاحقًا على أربع بطاريات من منظومة الدفاع الجوي المتطورة "إس 400".

الصفقة أكبر من مجرد تحديث عسكري عادي، فالمقاتلات الجديدة تمنح إثيوبيا قدرات متقدمة في القتال الجوي والهجوم على الأهداف الأرضية حتى خارج حدودها، بينما تمثل منظومات "إس 400" إضافة كبيرة لقدراتها على الدفاع عن منشآتها الحيوية ضد أي هجوم جوي.

السؤال الذي لن يكون من الصعب معرفة إجابته، لكن ليس سهلًا الإعلان عنها ومواجهة تبعات هذه المعرفة: من يمول هذه الصفقة؟ وكيف تستطيع دولة تواجه أزمات اقتصادية ومالية كبيرة تحمل تكلفتها التي تصل إلى عدة مليارات من الدولارات؟

التقارير تتحدث عن دور إماراتي في تمويل الصفقة، وتستند إلى تطور العلاقة بين أبوظبي وأديس أبابا بشكل لافت خلال السنوات الماضية؛ في الجوانب الاقتصادية والعسكرية والأمنية والسياسية.

خطر من الجنوب

في السودان، تبدو الصورة أكثر تعقيدًا. لم تعد الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع مجرد صراع داخليّ على السلطة وتحولت إلى ساحة لتداخل المصالح الإقليمية والدولية، مع تدفق السلاح والتمويل والإمدادات إلى أطرافها.

في فبراير/شباط الماضي، نشرت وكالة رويترز تحقيقًا عن إنشاء معسكر سري في إقليم بني شنقول الإثيوبي لتدريب آلاف المقاتلين المرتبطين بقوات الدعم السريع.

نقل التحقيق عن مصادر إثيوبية ودبلوماسية أن الإمارات موّلت إنشاء المعسكر وقدّمت مدربين ودعمًا لوجستيَّا، وهو ما نفته الإمارات نفيًا قاطعًا.

هنا تتقاطع المصالح بصورة يصعب تجاهلها؛ إثيوبيا تعزز قدراتها العسكرية بصفقة روسية ضخمة، في الوقت نفسه تظهر تقارير عن وجود معسكرات لتدريب مقاتلين مرتبطين بالدعم السريع على أراضيها، مع اتهامات بتمويل إماراتي.

بالنسبة لمصر، الأمر يتجاوز دعم طرف في حرب أهلية، لأن إضعاف الجيش السوداني وتفكيك مؤسسات الدولة، أو تحول السودان إلى مناطق نفوذ عسكري متصارعة، يعني عمليًّا فقدان القاهرة عمقًا استراتيجيًّا بالغ الأهمية، وظهور قوى مسلحة على حدودها الجنوبية لا تخضع لسلطة دولة مستقرة. والسودان ليس مجرد جار جنوبي، بل شريك في مياه النيل، وأي تغير في موازين القوة داخله ينعكس بالضرورة على الحسابات المصرية في ملف الأمن المائي.

جبهة جديدة غرب ليبيا

إذا كانت التطورات في إثيوبيا والسودان تثير القلق على الجبهة الجنوبية والشرقية، فإن ما يحدث في ليبيا يفتح تساؤلات جديدة على الحدود الغربية.

لسنوات طويلة، كان خليفة حفتر أحد أهم حلفاء مصر في ليبيا، حيث دعمت قواته بكل الطرق للتعويل عليها في تأمين الحدود الغربية ومواجهة الجماعات المسلحة، كما وقفت إلى جانبه في مواجهة حكومة طرابلس المدعومة عسكريًّا من تركيا.

لكن المشهد تغير بصورة لافتة.

في 20 أكتوبر الماضي، وافق مجلس النواب الليبي، المتحالف مع حفتر، بالإجماع، على اتفاق ترسيم الحدود البحرية الموقع بين ليبيا وتركيا عام 2019، وهو الاتفاق الذي سبق للمجلس نفسه أن رفضه عام 2020، وقرر على أثره قطع العلاقات السياسية مع أنقرة.

يمثل الاتفاق أحد أبرز ملفات الخلاف بين مصر وتركيا، لأنه يتعارض مع الترسيم البحري الذي وقعته القاهرة مع اليونان عام 2020، ويمس المصالح المصرية في شرق المتوسط.

اللافت أن صدام حفتر رحب بالتصويت، معتبرًا الاتفاق أداة لحماية المصالح الاقتصادية الليبية. كما أن الأمر لا يتوقف عند الاتفاق البحري. فالتقارب بين أنقرة ومعسكر حفتر امتد إلى اتصالات عسكرية وأمنية، بعدما كانت تركيا الطرف الذي تدخل عسكريًّا لمنع سقوط حكومة طرابلس على يد قوات حفتر في معركة 2019 و2020.

بمعنى آخر، فإن الرجل الذي راهنت عليه القاهرة طويلًا لتأمين حدودها الغربية بات يفتح المجال أمام نفوذ الدولة التي كانت تقاتله، حتى في ملفات تمس المصالح المصرية مباشرة.

في الوقت نفسه أظهرت صور الأقمار الاصطناعية واحة الجغبوب بشرق ليبيا، على بعد نحو 23 كيلومترًا فقط من الحدود المصرية، وقد تحولت المنطقة من أرض صحراوية خالية إلى منشأة جوية تضم مدرجًا يبلغ طوله نحو 3.6 كيلومترات، وممرات جانبية وساحات لوقوف الطائرات ومنشآت مساندة.

طول المدرج وموقعه الجغرافي وطبيعة الإنشاءات تفتح أسئلة منطقية عن طبيعة الاستخدامات المستقبلية للمرفق، والجهات التي يمكن أن تستفيد منه، في ظل وجود تقارير تؤكد تولي شركات تركية هذه الإنشاءات، ما يضيف بعدًا جديدًا إلى التقارب العسكري بين أنقرة ومعسكر حفتر.

من المستفيد؟

بجمع هذه التطورات إلى بعضها البعض، يظهر اسم الإمارات في أكثر من ملف: علاقات استراتيجية وعسكرية وثيقة مع إثيوبيا، اتهامات بتمويل معسكرات الدعم السريع ودعمهم عسكريًّا في السودان، وعلاقات تاريخية قوية مع معسكر حفتر في غرب ليبيا.

لكن المفارقة أن المشهد الليبي مثلًا يشهد دخول تركيا بقوة إلى مناطق نفوذ حفتر، فيما تظل لروسيا مصالح وقواعد عسكرية في الشرق والجنوب الليبي.

هذا يعني أننا لسنا بالضرورة أمام قيادة واحدة تدير كل هذه الملفات، أو تحالف متجانس يسعى لأهداف محددة، لكننا في الغالب أمام شبكة معقدة من المصالح والتفاهمات التي تتقاطع أحيانًا وتتنافس أحيانًا أخرى.

مع ذلك، فإن النتيجة التي ينبغي أن تشغل القاهرة هي أن حدودها الاستراتيجية باتت محاطة بتحولات عسكرية متسارعة ومقلقة، وأن أطرافًا إقليميةً ودوليةً متعددةً أصبحت تمتلك أدوات نفوذ وتأثير على بعد كيلومترات من الأراضي المصرية.

هذا لا يعني في الوقت نفسه أن مصر فقدت تفوقها ونفوذها العسكري في المنطقة، ففوارق القوة ما زالت كبيرة بين مصر وكل الأطراف الأخرى مجتمعة، أيضًا لا يعني ذلك أن هناك خطرًا وشيكًا أو ترتيبات لتنفيذ عمل عسكري ضد مصر فقد تكون لهذه التحركات أهداف أخرى وأعداء آخرون، لكن من الخطأ أيضًا أن تتعامل القاهرة مع كل تطور باعتباره أزمة منفصلة لا علاقة لها بما يحدث في الجبهات الأخرى.

في الجنوب، تحتاج مصر إلى سودان موحد ومستقر ودولة قادرة على حماية أراضيها وحدودها.

وفي إثيوبيا، تحتاج إلى إدارة أزمة سد النهضة باعتبارها قضية أمن قومي تتجاوز الخلافات الفنية حول تشغيل السد.

وفي الغرب، تحتاج إلى إعادة تقييم علاقاتها مع معسكر حفتر، ومتابعة التحولات في علاقاته مع تركيا والقوى الدولية الأخرى.

الأهم أن تعيد مصر بناء شبكة تحالفاتها الإقليمية على أساس المصالح الفعلية، لا على افتراض أن علاقات الأمس ستظل كما هي وإلى الأبد.

فلا أصدقاء دائمين، بل مصالح دائمة، وما يحدث حول مصر يثبت أن التحالفات يمكن أن تتغير، وأن حليف الأمس قد يصبح شريكًا لطرف منافس أو حتى عدو، وأن الدولة التي تعتمد عليها في ملف قد تختلف معها في ملف آخر.

ربما لا توجد خطة واحدة معلنة لتطويق مصر عسكريًّا، ولا توجد أدلة كافية لإثبات أن كل هذه التحركات تُدار من غرفة واحدة، لكن هناك ما يكفي من المؤشرات لطرح سؤال لا ينبغي تجاهله: هل يجري بالفعل تشكيل معادلة عسكرية جديدة في حوض النيل والقرن الإفريقي وشمال إفريقيا، تكون فيها مصر محاطةً بقوى مسلحة وتحالفات لا تضمن تطابق مصالحها معها، بعد أن ظلت لعقود صاحبة الثقل العسكري الأبرز في محيطها؟

هذا هو السؤال الذي ينبغي أن تبحث القاهرة عن إجابته الآن، قبل أن تتحول التغييرات المتفرقة على حدودها إلى واقع استراتيجي يصعب تغييره.

مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.