الحكومة الخفية.. أصحاب القرار من خلف الستار
لا تتوقف الهواجس والنميمة السياسية عن حديث غريب حول الحكومة الخفية التي تدير شؤون العالم من خلف الستار، وتحرك الحكومات الظاهرة المعلنة بين الناس كما تشاء، وكأنها عرائس ماريونت. إنها تضم أولئك الذين يوصفون أحيانًا بـ"أصحاب اليد الخفية" أو "الجمعية السرية التي تحكم العالم".
ويشكل هؤلاء أيضًا "الخطر غير المرئي"، حسب وصف شيريب سبيريدوفيتش في كتابه حكومة العالم الخفية، وهي مسألة هناك من يروج لها على أنها "الماسونية" أو الأُسَر الست التي تحكم العالم، وتحيط بها مبالغات شديدة أحيانًا بوضع كل شيء في يدها، وهو أمر مستحيل من الناحية العملية.
إن هذه المسألة، التي لم يقدم أحد، حتى الآن، دليلًا دامغًا قاطعًا، على قدرتها الفائقة على التحكم في كل شيء، لا ينشغل بها الناس في دول العالم الثالث فقط، بل تمتد أيضًا إلى الدول المتقدمة تقنيًا واقتصاديًا، والتي يتبادل بعضها الاتهامات حول التدخل السافر في الشؤون الداخلية، مثلما رأينا عقب انتخاب دونالد ترامب رئيسًا للولايات المتحدة في فترته الرئاسية الأولى، حيث اتهمت دوائر سياسية أمريكية روسيا بالتدخل في عملية انتخابه، بما ضلل الرأي العام، وجعل النتائج تنحرف لصالح ترامب، وهو نوع من التفكير بالمؤامرة، في نظر البعض.
وصار المصطلح مغريًا لبعض المؤرخين فيطلقونه في اتجاهات مختلفة، فها هو المؤرخ المصري جمال حماد يتحدث عن حكومة خفية، قامت في مصر بعد هزيمة 1967، حيث تفرغ الرئيس جمال عبد الناصر لإعداد الجيش من أجل حرب ثأرية ضد إسرائيل، وأسند إدارة شؤون مصر إلى لجنة ثلاثية مكونة من سكرتيره للمعلومات سامي شرف، والذي عينه فيما بعد وزير دولة، والفريق أول محمد فوزي وزير الحربية والقائد الأعلى للقوات المسلحة وشعراوي جمعة وزير الداخلية، واعتبرهم مسؤولين أمامه عن سلامة النظام السياسي. لكن وجهة النظر هذه تبدو غير منطقية، إذ إن عبد الناصر لم يتخل عن إدارة الوضع الداخلي مباشرة حتى وفاته.
علامة استبداد
وتلجأ بعض نظم الحكم المستبدة أحيانًا إلى صناعة مسار إداري آخر مخفي، فتقدم إلى الرأي العام وجوهًا في منصب الوزراء ورؤساء المؤسسات الكبرى في البلاد، يمثلون الحائط الذي يتلقى كل قذيفة من هجوم أو نقد أو حتى وهم وإيهام حول من يصنع القرار ويتخذه، بينما يكون من بأيديهم القرار بالفعل أشخاص آخرون، لا ينالهم نقد ولا هجوم، ويستمرون بعيدًا عن أعين أغلب الناس وألسنتهم.
إن كثيرًا من الكتاب والمحللين تحدثوا عن الحكومة الخفية للعالم برمته، وهي مسألة إن كان هناك من يعدها وهمًا أو خرافة أو أسطورة من أساطير الزمن الممتد حول رؤية الناس لمن يتحكم في أوضاعهم وأرزاقهم ومصائرهم، وفق تصور عن المؤامرة الدائمة، فإن هناك ما يشير إليها بالفعل، وبشكل موضوعي وواقعي، في العلاقات الدولية، وبنية القوة المتحكمة في نظم الحكم بمختلف البلدان.
فالتآمر في علاقات الدول ليس مستبعدًا، بل إنه جزء من عناصر التفاعل والتصارع والظفر بالنصر، إلى حين، لكنه في السياسات الداخلية، يُستخدم بإفراط، لتشويه وتجريس واستبعاد كل قوة سياسية تعارض، وتطالب بالتغيير، بدعوى أنها متآمرة، سواء بتوظيف قواها الذاتية، أو بالتعاون مع قوى خارجية.
لكن بعيدًا عن "نظرية المؤامرة" بكل ما تعنيه من تصورات وإشارات إلى ما يجب التصدي له، فالواقع يظهر أن غياب الشفافية في نظم الحكم المستبدة لا يقتصر على حجب المعلومات، إنما يمتد إلى حجب الحكومة الحقيقية. فبينما يتعامل الناس مع وزراء معلنين على أنهم المسؤولون أمامهم، يتضح أن هؤلاء ليس بأيديهم القرار، إنما هم مجرد واجهات، أو قلائد زينة، عليها يُلقى أي نقد لاذع أو خفيف، لتمتص أي غضب، وتوهم الناس أن القرار بيدها، ويكون أفرادها مُساءَلين إن دعت الضرورة إلى ذلك، سواء بلعب دور أكباش الفداء، أو حتى الاقتصار عند حد تلقي انتقادات الرأي العام، دون أن يترتب على هذا أي مساءلة إدارية أو سياسية.
خفية على المساءلة
ولا يقتصر الأمر على نظم الحكم المستبدة، فحتى في ظل الديمقراطيات، تبقى هناك شبكات سياسية واقتصادية غير رسمية متحكمة في القرار، أو مؤثرة فيه بدرجة تفوق في كثير من الأحيان تلك التي تظهر في موضع المسؤولية أمام القانون والجمهور، لكنها تمعن في الحرص على البقاء خلف الستار، فهذا يبعدها عن عين المساءلة، ويحقق لها قدرة أكبر على التحرك، وتحقيق ما تصبو إليه من مصالح ومنافع.
هذا الخفاء يعني ببساطة أن هناك فراغًا بين المسؤولين الرسميين، الذين تحكمهم تقاليد وقواعد ولوائح، وبين القرار كما يتراءى للناس، في مضمونه وشكله. وهو فراغ متوهم في أذهان العموم، لأنهم ببساطة لا يعرفون الكثير من المراحل التي تهندس صناعة القرار.
وهذا الجهل بتلك العملية هو فراغ. فكل جهل فراغ، وكل معرفة امتلاء، بغض النظر عن الحقيقة الموضوعية، التي تؤكد أن كل ما يجهله الناس ليس عدمًا، إلا في أذهانهم، وتلك الأخرى التي ترى أن كل معرفة تخصم من الفراغ، وهذا ما يجب أن يتم على الدوام، ليتبدد الغموض، وينحسر الظلام، ويحضر المعنى المغيب، حتى لو كان مجرد ما يفهمه الناس، ويطلقون عليه "معنى"، وفق ما يتداولونه، وليس بالضرورة باشتراط ما ينبغي للمعنى أن يكون عليه.
إن الحكومات المُعلَنة تحمل لعموم الناس معنًى محددًا، في التحكم والسيطرة من جهة، والرقابة والمساءلة من جهة ثانية، لكن الخفية متخففة أو هاربة من هذين الأمرين. وهذا يجعلها قائمة في فراغ، بالنسبة لعموم الشعب، حتى لو كانت هي التي تقبض على كل ما يخصه من خدمات واختصاصات وتشريعات وحيز للتعبير والتحرك.
وهذا النوع من الفراغ هو الأشد قسوة، لأنه يقوم على الغفلة والاحتيال والتهكم. فعموم الشعب في بعض الدول يظلون في غفلة عمن يحكمهم فعلًا، وبعضهم ينازع الواجهات المزيفة التي تظن الأغلبية أنها أصيلة في موقعها من القرار والاعتبار.
السلطة العميقة
وفكرة الحكومة الخفية قد تكون اعتيادًا عند البعض، ووهمًا عند من ينظرون إليها من بعيد. فبعض كبار الموظفين في دول أوروبا الشرقية ظلوا يتصرفون بعد سقوط النظم الاشتراكية التي كانت تدور في فلك الاتحاد السوفيتي وكأن سلطة موسكو لا تزال قائمة، رغم انهيار هذه الإمبراطورية التي شاركت في السيطرة على العالم منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية وحتى عام 1991. فقد كان هؤلاء الموظفون لا يتقبلون، من الناحية النفسية، غياب النظام الإداري والسياسي الذي اعتادوا عليه، وكان هذا يتسق بالطبع مع مصالحهم ومنافعهم، واعتقدوا في رسوخه الدائم، وآمنوا بأنه لن يتزعزع أبدًا.
تعامل هؤلاء الموظفون، دون أن يدروا، مع حكومة خفية، لم يكن لها وجود إلا في أوهامهم، حيث تصرفوا وكأنها لا تزال ظاهرة وقاهرة وقادرة على أن تتحكم في أوضاعهم الإدارية ومصائرهم، وتحدد طموحهم الذي لا ينتهي إلا ببلوغهم أعلى الدرجات الوظيفية.
وهناك حكومة خفية من نوع آخر، تكون فراغًا في ذهن السلطة التي لا تعرف عنها أي معلومات، رغم أن هذه الحكومة موجودة كحقيقة واقعية. فبعض التنظيمات السرية التي خططت للاستيلاء على السلطة في عدة بلدان، شكلت حكومة محتملة، حتى تكون جاهزة لإدارة شؤون البلاد حال استيلائها على الحكم. وقد لا تكون حكومة مكتملة بالفعل، إذ تحول التحسبات الأمنية دون حدوث هذا، لكنها تظل من الناحية الافتراضية سلطة محتملة، قد تتحول إلى سلطة واقعية، وقد لا يتم لها ما يريده التنظيم السري.
وبالطبع فإن هذا اللون من الحكومات الافتراضية يعمل دائمًا على استغلال الفراغ الموجود رغم أن البلاد تديرها حكومة ظاهرة، يعرف الناس رئيسها وأعضاءها، ويخاطبونها من خلال مسارات عدة، وبطرق مختلفة، لكنها تفشل في أداء دورها، والقيام بمهامها، والتعبير عن نفسها بشكل جيد، وإقناع الناس بأنها تتحكم وتسيطر، وتُحسن الاستجابة لمطالب الشعب.
مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.