جمهورية بلا جمهور.. تشريح حالة الدولة المصرية الآن
في جلسة نقاشية حول ما تُسمَّى "الجمهورية الجديدة" استضافها حزب التحالف الشعبي الاشتراكي قبل أيام، طرحت خمسة أسئلة عن هذا الاصطلاح الذي هبط علينا فجأة عام 2021 ويحتل شاشات التلفزة، هي: هل هي جمهورية؟ وهل تدابيرها وخطابها جديد؟ وهل لها جمهورها الخاص؟ وما هو موقف الجمهور العام، أي جموع الشعب، منها؟ وما هي سماتها؟
وأجبت عن الأسئلة قائلًا إنها ليست جمهورية، وليست جديدة، لأنها باتت أقرب إلى واحدة من ولايات القرون الوسطى، بابها العالي هي، وتبعيتها لغيرها ليست إدارية، كما كان قديمًا، إنما اقتصادية بحكم الديون واستحواذ دول وأناس من خارج الدولة على بعض أصولها، ووجود نخبة اقتصادية تلتف حول السلطة السياسية هي أقرب إلى وكلاء الشركات متعددة الجنسيات وسماسرة الأرض، منها إلى طبقة اقتصادية محلية تعتمد على "التنمية الذاتية".
لا مكان للشعب
ويأتي خطاب هذه الجمهورية، الذي يستبعد الشعب من المعادلة ولا يتعامل معه على أنه صاحب الأرض والمال والسيادة والشرعية، ليكرس شكلها القديم، إذ يُحدث هذا الخطاب الناس عن "ملك" منحه الله، وليست إدارة قائمة بيد الشعب مصدر السلطات. ويجعل حساب المسؤولين أمام الله يوم القيامة، وليس اليوم بيد المؤسسات الرقابية والقضاء والصحافة وعيون الشعب وآذانه. ويستدعي "العلم اللدني" ليهيمن على بعض الرؤية والقرار مهمشًا "العلم الكسبي" الذي يفرض "دراسات الجدوى"، ويمزج حديث السياسة بمسحة دينية أحيانًا، بل يجعل الدولة مسؤولة عن "دين الناس"، وينشغل بـ "الجمهرة" أي الدعاية الزاعقة لأهل الحكم وأقوالهم وأفعالهم على أنه الصواب كامل الأوصاف، وليس بالجمهور، الذي له حق المعرفة، وحق الاطمئنان إلى إدارة ماله وشؤونه.
ويمتد إهمال "الجمهور" باعتباره شرطًا أساسيا لقيام "الجمهورية" إلى تخلي السلطة تدريجيًا عن واجبات الدولة في تقديم الخدمات للشعب، فهي تؤمن بأن التعليم للقلة فقط، بل تتعامل معه على أنه عنصر مهدد للسلطة، لأنه يعمق وعي المتعلمين بأحوالهم، ويبصرهم بحقوقهم، ويجعلهم نازعين إلى الاختلاف بينما السلطة تريد أن يصطف الشعب حولها خاضعًا صامتًا، تاركًا لها عجلة القيادة وحرية القول والفعل، دون مساءلة.
وهي جمهورية لا تهتم بالصحة، وتتعامل معها كسلعة يدفع الناس مقابلها. وعلى المنوال ذاته تأتي الخدمات كافة، وتحت ضغوط صندوق النقد الدولي تتخفف السلطة من الدعم، حتى اقترب من التلاشي، ولا تتذكر الجمهور إلا بوصفه دافع ضرائب ورسوم، أي الممول الرئيسي للموازنة العامة للدولة، فضلًا عن تحميله عبء الديون الداخلية والخارجية.
وإزاء هذا الوضع لم يعد الجمهور، أي عموم الشعب، مهتمًا بهذه "الجمهورية الجديدة"، إلا من أبواب ثلاثة: الأول هو الابتلاء الذي حاق به منها وليس العشم فيها.
والثاني هو الخوف منها، لا سيما مع عصاها الأمنية الغليظة، والخوف من أثر أفعالها، التي لم يجنِ الشعب منها إلى الآن سوى الخسائر والحسرات.
والثالث هو الحيرة المقيمة حيال سبل مواجهتها، مع تأميم المجال العام عبر حزمة من القوانين والإجراءات التي أضعفت قدرة المجتمع على المنازعة، بغية الدفاع عن الصالح العام، أو صنع أي قدر من "الديمقراطية التشاركية" بعد أن فقدت "الديمقراطية التمثيلية" معناها ومبناها.
ومع استبعاد الجمهور العام من المعادلة خلقت هذه "الجمهورية" جمهورها الخاص، والذي يضم المنتفعين منها، والمعولين عليها، ومن استهواهم خطابها، أو أسكرتهم وعودها. لكن هؤلاء على اختلافهم يشكلون قلة القلة من عموم الشعب المصري، ما ينزع عن هذه "الجمهورية الجديدة" أي سند تحيل إليه هذه التسمية في نظر كثيرين، لا سيما أولئك الذين يرون أن تدابير أهل الحكم لم تعد تحقق مصالح الطبقة الكاسحة من الشعب، بل أدت إلى إفقار هذه الأغلبية، وبشكل ممنهج ومرير.
الجمهورية العرفية
أما عن خصائص هذه الجمهورية، فقد أجملتها في خمس، أولها أنها تعمل من خارج مؤسسات الدولة وبيروقراطيتها الراسخة، عبر إنشاء مسارات موازية للتحكم في المال والقرار وإنتاج الرؤى والقيم، بدعوى تفادي أي معوقات أو عراقيل تصنعها تلك المؤسسات والأجهزة الإدارية المستمرة منذ يوليو 1952 وإلى الآن، بل ما قبل ذلك.
وثانيها أنها جمهورية تعمل من خارج الدستور والقانون، فلو راجعنا أفعال السلطة على مواد الدستور، سنجده غائبًا عنها، ولو راجعنا التصرفات الخاصة بحقوق الملكية الخاصة وحق التعبير والأمان الشخصي، سنجد القانون غائبًا كذلك، بدءًا بمصادرة أملاك الناس تحت لافتة "المنفعة العامة"، وانتهاء بالتوسع في دوائر الاشتباه السياسي، وما ترتب عليها من إفراط في الاعتقالات والمحاكمات وتأميم المجال العام.
أما الثالثة فهي أن هذه "الجمهورية الجديدة" تعمل من خارج التقاليد المتعارف عليها للدولة، فالشعب كان يعرف كيف كانت من قبل تتصرف "الدولة"، التي تضيق عند أهل الحكم لتصير "السلطة السياسية"، حين تحل الأزمات، أو تتعقد المشكلات، ويطمئن أنها ستبذل قصارى جهدها في سبيل عبور الأزمة وحل المشكلة، مراعية أن للسلطة وظائف لا يمكنها التخلي عنها، ولا يجب عليها أن تحمل الشعب نفسه مسؤولية أي تعثر أو إخفاق، كما نرى الآن.
والرابعة هي أن هذه "الجمهورية" تعمل من خارج التكوينات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية السابقة، والتي تشكلت عبر زمن طويل، فقد تم إنشاء أحزاب من أعلى على يد الأجهزة الأمنية، لم تنبت بين الجماهير، إنما فرضت عليهم، وتم إلحاق بعض الجمهور بها دون تصور سياسي أو أيديولوجية، ودفع بها لتستحوذ على أغلب مقاعد مجلس النواب. في الوقت نفسه صُنعت، على عجل، فئات اجتماعية مرتبطة بالسلطة حازت ثراء فاحشًا، وتم تهميش القطاع الخاص لصالح مؤسسات وتكوينات وشركات بعينها سيطرت على الاقتصاد، ما أدى، بمرور الوقت، إلى تركز الثروة، وتصدع إمكانيات الطبقة المستورة، وزيادة الفقراء فقرًا، حتى بات المجتمع يئن تحت وطأة العوز الشديد.
والخامسة هي أنها "جمهورية" تعمل خارج النماذج الإرشادية المتعارف عليها، والتي كانت قادرة فيما سبق على تفسير سلوك السلطة السياسية، وجعل هذا الوضع الجديد من الصعوبة بمكان الوقوف على تصرفات أهل الحكم، لاسيما في ظل الانفراد بالقرار، والغموض الشديد الذي يحيط بالإجراءات المتبعة في المجالات كافة، بدعوى الحفاظ على "الأمن القومي"، الذي صار مصطلحًا يصبغ كل شيء، وتبرر به السلطة الاستحواذ على مقدرات الدولة جميعًا.
سلطة لا دولة
انبرى الحاضرون للمشاركة في هذا الموضوع، فتحدث رئيس حزب التحالف الشعبي طلعت فهمي، في تقديمه للنقاش، عن انفضاض الناس من حول "الجمهورية الجديدة"، وكيف أنها لا تعمل لصالح الطبقات الشعبية العريضة، بل تجور عليها. وقال إن علينا التفكير فيما إذا كانت تشكل مشروعًا لإعادة صياغة الدولة والمجتمع، وما إذا كانت تمثل تأسيسًا لعقد اجتماعي جديد، أم كانت تحمل في باطنها منطقًا مختلفًا عن المعنى الجمهوري التقليدي. فيما لفت الباحث والكاتب أشرف راضي إلى غياب الفواعل السياسية القادرة على التعامل مع الأزمات السياسية الكبرى والمفاجئة، مثلما كان الحال إبان ثورة يناير 2011.
ووصف الناقد والأكاديمي الدكتور صلاح السروي السلطة الراهنة بأنها تقوم على "رد الفعل"، وتجعل كل همها تفادي تجربة الثورة، وبناءً عليه وضعت الخطط والبرامج والتصورات وسنت القوانين المكبلة، وأنتجت الخطاب الأحادي، فصارت الدولة في عهدها أشبه بكائن وحشي على غرار ما تصوره المفكر الإنجليزي توماس هوبز، فيما اختزلت الدولة أو "الجمهورية الجديدة" في القائم على السلطة. واستمد منه المسؤولون في تراتبيتهم بعض صفاته وتصرفاته، وصار شاغلهم هو إرضاء "القائد" وليس كسب الشعب إلى جانبهم، بل نُظر إليه على أنه عالة، وأحيانًا "جمع من الرعاع" أو "جموع من ناقصي الأهلية"، فيما لم يعد ينظر إلى المؤسسات المدنية على أنها العمود الفقري للدولة، مثلما كان الحال قائمًا في الماضي، وبمرور الوقت صرنا أمام "دولة عاجزة" لم تعد قادرة على القيام بوظائفها الطبيعية.
ورأى أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة الدكتور مصطفى كامل السيد أن مركزية الدولة في ظل ما تسمى "الجمهورية الجديدة" قد بلغت أشدها، ولم تعتنِ بوجود مبررات مقبولة ومفهومة للانتقال إلى مثل هذه الجمهورية، على غرار ما حدث في التجربة الفرنسية مثلًا. بل وجدنا أنفسنا أمام هدف واحد للدولة وهو الحفاظ على استمرار السلطة الحالية في مكانها حتى مع إخفاقها. وهذا التأبد في الحكم صار أمرًا تعمل له كل المؤسسات، التقليدية وما تم إنشاؤها حديثًا، فيما تم تهميش القوى السياسية المدنية، بما فيها أحزاب الموالاة، وهو وضع قابل للاستمرار في نظره طالما أن المجتمع لم يصنع بديلًا.
وفي نظر المحامي والسياسي إبراهيم عزب، نحن في ظل ما تسمى "الجمهورية الجديدة" أمام نظام حكم "أوليجاركي" يسحق الأغلبية لحساب القلة، ويسحق الجهاز الإداري للدولة، لأنه، ومهما بلغ ترهله أو فساده، بينه وبين الشعب أواصر صلة، ولديه فهم لمهمته العامة وهي خدمة الناس، حتى لو لم يؤدها على الوجه الأكفأ. وفي ظل هذا لم يعد النظام مهتمًا بإبرام عقد اجتماعي مع الجمهور، مثلما فعل ضباط يوليو، إنما ورث عنهم الاستبداد فقط، ويفكر طوال الوقت بطريقة تستهين بمعنى الجمهورية، وتحولها إلى أشبه بملكية وراثية، مثلما كان قائمًا في ظل أسرة محمد علي.
وفيما حذر الطبيب والسياسي البارز الدكتور عبد الجليل مصطفى من الضرر البالغ الذي لحق بـ "الرشد السياسي" جراء نزعة الانتقام الكامنة في تصرفات السلطة السياسية، بدعوى أنها توقف كل مصادر تهديدها، التي هي في نظرها تهديد للدولة، لفت د. زهدي الشامي الاقتصادي المعروف إلى غياب أي حوار مجتمعي أو استفتاء شعبي حول القضايا الأساسية للمصريين في الوقت الراهن، بل فرض رؤية السلطة على الجميع، بزعم أنها هي الأفضل أو الأمثل بالنسبة للدولة المصرية، وهذا ما لا يقره معنى الجمهورية أبدًا.
وتطرق الباحث التربوي جهاد محب عبود عضو الهيئة العليا لحزب المحافظين إلى نقطة مهمة وهي أن "الجمهورية الجديدة" مرت بمراحل مختلفة حتى انتهت إلى احتكار السلطة، وهي في حقيقتها لم تأت بجديد، إنما رفعت القناع عما جرى في الجمهوريات السابقة من نزوع إلى التجبر والتحكم في كل شيء، حيث مسحة العدل الاجتماعي في زمن عبد الناصر، ومسحة الانفتاح الاقتصادي والاستبداد المرن مؤقتًا في عهد السادات، ومسحة الديمقراطية الشكلية في ظل حكم مبارك، وهي كلها جمهوريات لم تنبع من الشعب، وإن كانت قد عملت له بدرجات متفاوتة فيما قبل، وهذا أمر لم تعد السلطة الحالية على اهتمام به، لتصبح "جمهوريتها الجديدة" سافرة في الاستبداد، تبدو وكأنها في استغناء عن أي مساحيق تجميل لتصوراتها وتصرفاتها، وفي حل من الانشغال بأحوال الشعب.
بالطبع لم يُهمل النقاش مسألة البحث عن مخرج، فهناك من طالب السلطة الحالية ببعض الرشد، وإعادة النظر في السياسات القائمة، ويوجد من خالفهم الرأي على اعتبار أنه لا يوجد أمل في إمكانية قيام هذه السلطة بتصحيح مسارها، ليتفق الكل على أن أحزاب المعارضة الحقيقية، والنخب السياسية والفكرية، عليها أن تقوم بـ "واجب الوقت" وهو استعادة الجماهير إلى الساحة السياسية، فحضورها وحده هو الذي يجعل إطلاق لفظ "جمهورية" على شكل الدولة الحالي، له معنى، وفيه إفادة وإضافة.
مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.