تصميم أحمد بلال، المنصة، 2026
يحدد عاطف الطيب في سواق الأتوبيس (1982) الهوية الطبقية لشلة القروانة.

ما يطلبه المشاهدون| حرب الفقراء والفلاحين

منشور الأربعاء 14 تشرين الأول/أكتوبر 2026

"بينما كان أبناء مصر يقتحمون قناة السويس في أكتوبر 73 ويموتون وهم يهتفون 'الله أكبر' كان ابن إسماعيل فهمي وغيره من أبناء الطبقة المحظية في مصر يتسكعون في شوارع نيويورك وغيرها من المدن الأمريكية والأوروبية".

  • من مذكرات الفريق سعد الدين الشاذلي، رئيس أركان حرب القوات المسلحة المصرية خلال حرب أكتوبر.


سياق حكاية الفريق الشاذلي، أنه تلقّى خلال شهور الاستعداد الطويلة للعبور، بصفته رئيس الأركان، مُذكّرةً للموافقة على إنهاء الخدمة العسكرية لنجل إسماعيل فهمي، وزير السياحة آنذاك ووزير الخارجية لاحقًا، ليُنقل للعمل في المخابرات العامة، بحجة أنه سيفيد المجهود الحربي في موقعه الجديد.

رفض الفريق الشاذلي الالتماس، وتمسك بموقفه خلال محاولات التحايل والإلحاح، اتساقًا مع مبدأ عدم إعفاء المدرسين والمهندسين من الخدمة العسكرية رغم أن وجودهم في مواقعهم الوظيفية الأصلية مفيد للمجهود الحربي. لكن وزير الحربية آنذاك، أحمد إسماعيل، وافق على مذكرة جديدة، لم تمر على مكتب رئيس الأركان، لينقل فعلًا ابن وزير السياحة للمخابرات العامة، ثم تُنهى خدمته بها، ليسافر للعمل في نيويورك. ويتلقى وزير الحربية المقابل فيما بعد؛ تعيين ابنه ضمن وفد مصر في الأمم المتحدة. 

قصة تستدعي مباشرة وجه الفلاح/عبد الله محمود، الذي ذهب للحرب بدلًا من ابن العمدة الإقطاعي في فيلم المواطن مصري للمخرج صلاح أبو سيف (1991). وربما تستدعي نموذج حاتم زهران/نور الشريف، في فيلم زمن حاتم زهران للمخرج محمد النجار (1988)، عن ابن الخبير الاقتصادي المرموق، الذي تهرب من الواجب بالسفر للولايات المتحدة الأمريكية. لكنها أيضًا تستدعي سؤال "ماذا بعد العبور؟".

النهب يوقظ البطل

لا تطرح أفلام الموجة الأولى الاحتفالية بحرب أكتوبر، تلك التي تتشكل شخصياتها الأساسية من أبناء الأغنياء الذين ذهبوا ليحاربوا وانتصروا، والتي تناولتها في المقال السابق، سؤال "ماذا بعد الانتصار العسكري؟". لكن بعض الأفلام اللاحقة، التي كان أبطالها من الفقراء أو متواضعي الحال، تطرحه وإن بطريقة غير مباشرة، وتربطه بالانفتاح والفساد. وتترك عند مشاهديها قلقَ إن كانت هذه الحرب أتت بما كان يحلم به أبطالها من الفقراء؛ تحرير كل الأرض، وتغيير حياتهم للأفضل.

بعد موجة أفلام السبعينيات بألوانها الزاهية/البمبي، وأبطالها من الأغنياء أو الجذابين شكليًا، يحدد عاطف الطيب في سواق الأتوبيس (1982) الهوية الطبقية لـ"شلة القروانة"؛ رفاق الجبهة الذين صمدوا سنوات في الخنادق ثم حاربوا وانتصروا، قبل أن يتراجع حضورهم، ويتفرق الناجون منهم تحت ضغط الأوضاع المعيشية. ينتمي أغلبهم للشرائح الأدنى من الطبقة الوسطى.

من بينهم سائق الأتوبيس حسن، وفنان تشكيلي اضطر للعمل نادلًا في مطعم، في زمن لم يعد الفن وسيلة لكسب العيش. حتى وإن كان من بينهم وكيل نيابة ومدرس في الخليج، إلا أنهم لا يفارقون أصولهم المتواضعة. لا يوجد من بينهم غني أو ابن للأغنياء أو لأصحاب السلطة. إنهم من عموم الشعب وشرائحه المتعلمة أصحاب المصلحة في تحرير الأرض وتغيير البلد. ولاحقًا سيصبحون أبطالًا ينتمون لشرائح أعلى من داخل الطبقة الوسطى، لم يحاربوا، إلا أنهم سينتقمون للمحاربين من الخائن فرج الأكتع في كتيبة الإعدام (1989) للمخرج نفسه.

تأتي التسعينيات بتغيير أكبر في هوية الأبطال، ليصبحوا من ضمن الشرائح الاجتماعية لأغلب من حاربوا وانتصروا. ففي المواطن مصري وحكايات الغريب للمخرجة إنعام محمد علي (1991)، نجد أبطالًا مختلفين، أقرب لملامح الفلاحين حقيقة مثل مصري الجندي الشهيد في "المواطن مصري"، ولملامح أبناء المناطق الشعبية مثل عبد الرحمن/محمود الجندي سائق عربة الصحافة الذي دخل السويس ولم يخرج منها.

عبد الرحمن أسمر، قصير، يبدو قليل الحيلة، لا يجيد خوض المعارك الجسدية أو حتى الدفاع عن نفسه. لكنه يصبح بطلًا في المرويات التي تُحكى عنه، فحصار السويس أطلق المزيد من طاقاته ومبادراته التي ظهرت بعد سرقة حبيبته جميلة/نهلة رأفت منه.

السرقة أو النهب فعلان حاسمان يحددان مسار البطل المحارب/المقاوم، المنتصر حتى وإن استُشهد أو اختفى، وتضعه في تضاد مع "العدو"، الهارب من واجب التضحية من أجل الوطن أو السارق الذي ينهب ناسه. فنجد الثنائيات؛ مصري في مواجهة العمدة وابنه في "المواطن مصري"، السائق حسن في مواجهة زوج أخته عوني في "سواق الأتوبيس"، عبد الرحمن في مواجهة شفيق حرامي الجمعية في "حكايات الغريب"، وموظف البنك الشريف حسن عز الرجال في مواجهة فرج الأكتع في "كتيبة الإعدام".

يصرخ عبد الرحمن في "حكايات الغريب" مختتمًا الجرسة الغنائية الشعبية ضد شفيق اللص "اللي يسرق أكلكو زي اللي يسرق بلدكو.. واللي يسكت عن سرقة بلده يبقى خاين وجبان". إنها العبارة التي تلخص جوهر ما تطرحه الأفلام الأربعة عن البطل المحارب، أو الشريف خلال الحرب وبعدها، وعن نقيضه الخائن أو الفاسد الذي لم يحارب ويسرق الجماعة، وتحدد ما يجب أن يفعله البطل: المواجهة، ليترجم الانتصار العسكري لانتصار مجتمعي فعلًا.

شفيق ليس فقط لص الجمعية، أو تاجر السوق السوداء، أو صاحب أسطول سيارات التاكسي الذي يستغل السائقين. وليس فقط مغتصب جميلة بعد أن أكرهها أهلها على الزواج منه. إنه أيضًا المزور المتلاعب بالأوراق الرسمية للتهرب من الخدمة العسكرية، مثل ابن العمدة في "المواطن مصري"، وكلاهما معادل فني لابن الوزير في حكاية الفريق الشاذلي.

في حين أن عبد الرحمن، الذي كان مُعفىً من أداء الخدمة العسكرية لأنه العائل الوحيد لأهله بعد استشهاد أخيه الأكبر فؤاد في 1967، هو البطل الذي يحكون عنه بطولاتٍ فدائيةً في السويس. وهو معادل لكلٍّ من حسن في "سواق الأتوبيس"، ومصري في "المواطن مصري". تطوع حسن، الذكر الوحيد لأبويه، في الجيش ليظل على الجبهة سنوات طويلة، يخرج من حرب ليدخل في أخرى، بعيدًا عن أبيه وورشة النجارة، فيستغل عوني زوج أخته، الذي لم يحارب، غيابه وينهب الورشة.

مجموعة أغنيات محمد منير في فيلم "حكايات الغريب" من إخراج إنعام محمد علي (1991)


ومصري ذكر وحيد بدوره، كان يفكر في التطوع في الجيش من أجل الوطن، لكنه تراجع عن رغبته ليراعي أهله. يذهب للجندية بدلًا من ابن العمدة، ابن عائلة الإقطاعيين الأغنياء الذين لا يحاربون، وهم ليسوا مجرد أغنياء، أو إقطاعيين، أو مزورين، بل أيضًا سارقي حق الفلاحين في الأرض التي اكتسبوها وعاشوا منها بفضل الإصلاح الزراعي.

تصحيح الخطأ المبهم

يستعيد "المواطن مصري" ملمحًا من أحد أفلام الموجة الأولى المبكرة عن حرب أكتوبر، وإن بعد تخفيفه قليلًا لتقليل درجة مباشرته وفجاجته. يقول بطل الرصاصة لا تزال في جيبي للمخرج حسام الدين مصطفى (1974) إن الفلاحين ليسوا أذكياء بالدرجة الكافية، وإنهم بحاجة لمائتي عام لمعرفة كيف يحمون أنفسهم من عباس وأمثاله. رغم أن فاطمة/نجوى إبراهيم، ضحية عباس الأولى، ليست فلاحة بل امرأة متمدينة لم تتمكن من حماية نفسها.

أما في "المواطن مصري" فالفلاحون عاجزون، قليلو الحيلة، لا يلجؤون للقضاء لحماية حقهم في الأرض بعد الحكم الذي حصل عليه العمدة لاسترجاع أرض عائلته التي أخذت منها في زمن عبد الناصر. لا يجد الفلاحون وسيلة للدفاع عن الأرض سوى اللجوء لشيخ الجامع ليستسمح العمدة. والوحيد الذي ينبههم لحقوقهم وضرورة اللجوء للقضاء يبدو متخشبًا وكاريكاتيريًا ولا فائدة منه. وفيما يضع البطل المثقف الرصاصة في جيبه للانتقام من عباس، ومن أي عباس، يفقد الفلاحون حقهم لأن المثقف الآخر، الأهم، عبد الناصر قد مات.

الوحيد "الناصح" نسبيًا هو مصري لأنه متعلم. إنه الوحيد الذي يضع شروطًا واضحة مقابل أن يذهب للحرب بدلًا من ابن العمدة. لكنَّه وأباه يُخدعان من جديد. وكأن قدر الفلاح البحث عن حل فردي، وأن يُخدع، ويموت شهيدًا أو جائعًا. فيكون الحل الختامي المتاح هو اللجوء للرمزية، أن تعود الكاميرا لنصب الجندي المجهول في مدينة نصر، لتبحث على جدرانه عن اسم مصري وأمثاله من المجهولين والمهزومين على الرغم من العبور والانتصار العسكري.

الأغنياء الذين ينتصرون في الحرب في فيلم الوفاء العظيم للمخرج حلمي رفلة (1974) هم جيل أكتوبر. جيل له سمة محددة ومشتركة ومتكررة؛ أنه يصلح من أخطاء الآباء. البطل صفوت/محمود ياسين على سبيل المثال ابن رجل سكير، حاول أن يقتل رجلًا آخر لأنه تزوج من امرأة يحبها، فقتل حبيبته بالخطأ. والابن بعد سنوات، ولأنه مختلف عن أبيه يصبح ضابط صاعقة، ويحب ابنة الرجل الذي حاول أبوه قتله.

جيل أكتوبر بهذا المعنى عليه إصلاح أخطاء الاباء. أو كما يقول مجدي/نور الشريف في لحظة استشهاد زميله سمير/محمد صبحي في أبناء الصمت لمخرج محمد راضي (1974)، وقبل أن يستشهد هو نفسه؛ "جيل بيغلط.. وجيل بيدفع التمن". والثمن المقصود هو الحياة، ليس مجرد فقدان القدم مثلما يحدث في "الوفاء العظيم".

إصلاح أخطاء جيل الآباء، يتطلب في "أبناء الصمت"، أن يضحي الكثيرون، ففي المعركة الكبيرة التي يتحدث عنها القائد العسكري، والتي ستبدأ بـ"العبور العظيم"، يدفع الجيل الجديد ثمن أخطاء الجيل القديم. فيستشهد الأسمر ابن السويس محمود/أحمد زكي. ويستشهد عوض/السيد راضي الذي استمر على الجبهة بعد إصابته ونجاته بأعجوبة مرتين، في 1967 وفي عملية لاحقة، منتظرًا أن يكون نصيبه رفع العلم المصري على الضفة الشرقية للقناة، وأن يكتسي أخيرًا وجهه المتجهم بابتسامة في لحظة استشهاده.

لنتذكر سريعًا صابر/محمود ياسين بطل بدور للمخرج نادر جلال (1974). يعمل صابر الفقير والوسيم في المجاري، إنه ابن الشهداء في بورسعيد 1956، حارب في اليمن، وهزم في 1967، والآن يحقق الانتصار. يذهب للحرب يوم فرحته لأن هناك خطأً ما يجب إصلاحه. إلا أن حارته لا تتحدث عن هذا الخطأ الذي ارتكبه جيل ليدفع ثمنه جيل لاحق. لا يحددونه. فتحديد الخطأ المطلوب إصلاحه يتطلب وضع حرب أكتوبر داخل إطار للفهم السياسي، وتحديد شكل السلطة ودورها. وليس عزل الحرب عن السياسة لصالح ثنائيات أخلاقية بالأساس؛ الشرف في مقابل الانحلال، الجدعنة في مقابل النذالة، الأمانة في مواجهة الفساد.

الثنائيات الأخلاقية لا تحل معضلة الحكاية التي أوردتها في مقدمة المقال نقلًا عن الفريق الشاذلي. فهي حكاية دالة عن الأغنياء والفقراء، عن الحكام والمحكومين، عن توجهات السلطة وسياساتها في علاقتها بالحرب. لكن النظام الحاكم لا يمكن أن يسمح بالتطرق لهذه المعضلة، ولنا في مصير الشاذلي عبرة، فيصبح الهروب للتنميط وللميلودراما ضروريًا لتجنب السياسة ومعضلاتها السلطوية. لكنه موضوع المقال القادم.

مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.