هل تعاني مصر من أزمة هوية؟
علي هامش مؤتمر الهوية في مكتبة الإسكندرية
مشهدان لافتان مؤخرًا؛ أولهما الحضور البارز لمصريي المهجر لمباريات المنتخب في مونديال 2026 في أمريكا وكندا، واحتفالاتهم العابرة للأجيال، نساءً ورجالًا، بالفريق وانتصاراته في شوارع المدن الأمريكية والكندية. وثانيهما عندما حشدت الحكومة الشهر الماضي في مكتبة الإسكندرية، مسؤولين ومثقفين للحديث عن التحديات التي تهدد الهوية المصرية، التي تكمن في العولمة والتحول الرقمي والتوترات الإقليمية والأزمات التي تحيط بالعالم العربي.
لم تستخدم وثيقة المؤتمر تعبيرَ "أخطار" في وصف ما يحيط بالهوية المصرية، ولكن انعقاد المؤتمر وبحضور مسؤولين كبار، فضلًا عن رؤساء الجامعات والباحثين والشباب، والتغطية الواسعة التي حظي بها من وسائل الإعلام الحكومية، يوحي باعتقاد صناع القرار بأن الهوية الوطنية في خطر، وهو ما حذرت منه كتابات في الصحف.
المصريون في أمريكا وكندا لم يترددوا في إعلان ولائهم عندما استدعى الأمر، وعلى نحو أثار إعجاب المصريين في الوطن.
ولكن، ألا يوحي احتفال آلاف المصريين في أمريكا وكندا بالمنتخب، رغم حديثهم بالإنجليزية وتعلّمهم في مدارس وجامعات أمريكية وكندية، وتمتعهم بالمواطنة فيهما وما يستتبعه ذلك من حملهم هويات أمريكية وكندية، بأن الهوية المصرية بخير، وأن الحديث عن الأخطار أو التحديات التي تواجهها مبالغ فيه، وأن إثارة الاهتمام بهذه القضية في الوقت الحاضر قد تكون لحسابات أخرى؟
هوية أم هويات؟
دار نقاش مُبكّر في مصر حول هويتها الوطنية و هل هي إسلامية أم فرعونية أم متوسطية أم عربية، حتى تعدّت ثورة 1919 هذا الخلاف بشعارها المشهور: الدين لله والوطن للجميع. ثم تجدد النقاش في ثلاثينيات القرن الماضي عندما ذهب طه حسين في كتابه عن مستقبل الثقافة في مصر إلى أننا أقرب إلى شعوب البحر المتوسط منها لأي شعوب أخرى. بعدها أكد جمال عبد الناصر على هوية مصر العربية، ومع إبرام السادات معاهدة سلام مع إسرائيل تجدد النقاش عاد الحديث عن هوية مصر بين الفرعونية أو المتوسطية أو العروبية. واليوم؛ يخاطب الرئيس السيسي المواطنين باعتبارهم "مصريين"، وتحمل المشروعات التي تنفذها أجهزة الحكومة منذ 2014 شعار "تحيا مصر".
اللافت هنا، مع استمرار هذا النقاش وتعدد أطرافه؛ أن قضية الهوية في مصر كانت أساسًا -مع استثناءات محدودة خصوصًا في الصعيد- نقاشًا بين مثقفين، قد يذهب أحد أطرافه أحيانًا إلى التنديد بالطرف الآخر وشيطنته، وهو ما يدعو للقلق.
فهناك بون شاسع بين أن تكون قضية الهوية نقاشًا بين مثقفين يجري بين حين وآخر في الصحف والمؤتمرات، وأن تصبح موضوعَ صراعٍ دمويٍّ يهدد وحدة الوطن وتتدخل فيه قوى أجنبية، كما عرفت ذلك شعوب أخرى في السودان ولبنان والعراق وسوريا والهند وسريلانكا ونيجيريا ورواندا وغيرها.
فما الذي يفسر الخلاف حول قضية الهوية، إلي حد أن تكون موضوعًا لمؤتمر تغطيه كل الصحف اليومية وكل قنوات التلفزيون ويحضره عدد من كبار المسؤولين، ومتى تنتقل الهوية من كونها موضوعًا للنقاش بين مثقفين، إلى لغمٍ ينفجر في صورة حرب أهلية؟
أسباب التباس مفهوم الهوية
السبب الأول هو الخلط الشائع في مصر تحديدًا بين مفهوم الأيديولوجية السياسية ومفهوم الهوية. الأيديولوجية السياسية كأن يكون المواطن إسلاميًا أو يساريًا أو ناصريًا، وهو يختلف عن كون المواطن مسلمًا أو مسيحيًا، أبيض أو أسود، كرديًا أو شيعيًا.
فالأولى مكتسبة وربما تكون اختيارًا ويمكن تغييرها، أما كون المواطن مسلمًا أو مسيحيًا فهي سمة أصلية متوارثة ليس من السهل التحرر منها. طبعًا أن يتخلى المواطن عن دينه أو يغيّره، ولكنّه قرار صعب لأنه يعني الخروج عن نمط العقائد والمعاملات التي ترتبط بكل دين مثل الزواج والميراث وتكوين الصداقات، وربما أيضًا خوفًا من العقوبات التي قد تنزلها السماء بمن يتخلى عن دينه مثلمًا يتصور أصحاب الديانات المختلفة.
السبب الثاني هو تعدد مستويات الهوية. هناك كما أشرنا المستوى الأصلي أو المتوارث أو الموضوعي، وهناك المستوى النفسي أو الذاتي. ففي المستوى الأول يولد الإنسان وارثًا للصفات البدنية والثقافية لوالديه من حيث الجنس والعِرق والثقافة بما في ذلك اللغة والدين والطائفة، والإقليم الجغرافي والقبيلة، ولا خيار للإنسان في ذلك. أما المستوى الثاني، النفسي أو الذاتي، فمتعلق بشعوره بالتضامن -أو عدم التضامن- مع بني جنسه أيًا كانوا.
وقد فصل فرانز فانون سلوك المثقفين الأفارقة الذين يتماهون مع المستعمر الفرنسي ويكادون يتنكرون لأصولهم الزنجية في كتابه المعنون جلد أسود وقناع أبيض. كما نعرف العرب الذين يتنكرون للعروبة ويصفونها بأقذع الصفات متصورين أنهم يتقربون بذلك من النخبة الاستعمارية والصهيونية.
السبب الثالث هو تعدد الهويات في بعدها النفسي، وربما يكون ذلك أيضًا نتيجة تعدد جوانب الهوية المتوارثة، التي تغفلها عادةً نقاشات الهوية الأحادية. لأنه إذا كانت الهوية شعور بالانتماء، فالكيانات التي ينتمي لها المرء عديدة.
فالمصريُّ الذي يشعر بالانتماء لوطنه مصر، هو مسيحي أو مسلم يشعر أيضًا بالانتماء لمن يشاركونه نفس الدين. وكونه يتحدث العربية ويتأثر بثقافتها وتاريخها فيشعر بالقرابة مع العرب الآخرين في المشرق والمغرب. كما أنه ورث حضارة فرعونية مجيدة تدعوه للفخر بها، ويعيش في إفريقيا التي ينبع منها النيل سر الحضارة المصرية وتربطه بالتالي علاقة أخوّة بالأفارقة الآخرين. وعندما ينتقل إلى مدن البحر المتوسط يكتشف أوجه شبه كثيرة مع مدينة الإسكندرية، وأخيرًا يتعاطف مع ضحايا التمييز العنصري أيًا كانوا في فلسطين وغيرها، فهم لا يجب أن يعاملوا على نحو لا يرتضيه البشر الآخرون، الذين هو واحد منهم.
طبعًا كل هذه المشاعر بالانتماء لا تظهر مرة واحدة، وتتوقف أيضًا على درجة معرفة الإنسان بالشعوب الأخرى، ولكن كل تلك أبعاد للهوية، بعضها ظاهر وملموس في المعاملات اليومية، وبعضها كامن يظهر بحسب المعرفة ونظرة الإنسان للآخرين وطبيعة الموقف الذي يجمعه بهم.
لماذا تتنازع الهويات الأصلية
تعدُّد الهويات الأصلية ليس في حد ذاته سببًا للنزاع. طبعًا قد تكون كل هوية صورة نمطية عن الهويات الأخرى مثل الصور النمطية التي كوَّنها المسلمون المصريون عن أقرانهم المسيحيين، وأنهم أكثر إخلاصًا وإتقانًا للعمل، أو التي كونها العرب عمومًا عن اللبنانيين وأنهم أكثر براعة في شؤون المال.
هذه صور نمطية إيجابية، ولكن قد تكون هناك على الجانب الآخر صور نمطية سلبية، ولكنها لا تؤدي إلى شن أفراد بعض الطوائف عدوانًا على طوائف أخرى بل على العكس تنوع الثقافات مصدر إثراء من جميع النواحي، فيستفيدون من مهارات أبناء وبنات الطوائف الأخرى التي قد لا تتوافر بنفس الدرجة في طوائفهم، ويتمتعون بفنون الغناء والموسيقى والتصوير لدى أبناء وبنات الطوائف الأخرى، وأنماط طعامهم وملبسهم.
ولكن ما يؤدي إلى الصراع هو التفاوت في حظوظ الوصول إلى السلطة والموارد والحقوق على أسس تمييزية ترتبط بهذه الانتماءات الأصلية.
حُرم المواطنون الأمريكيون من أصول إفريقية من الحق في التصويت للون بشرتهم. وحرم أبناء وبنات الأقليات في بلدان عربية عديدة من الحق في تولي وظائف معينة في الحكومة لانتمائهم لأقليات محددة، وكان وجودهم في مؤسسات التشريع والحكم هامشيًا في السودان حتي وقت قريب، بل وسميت أقاليم الأقليات غير العربية في السودان بالأقاليم المهمشة أو المنسية.
وما زال توزيع عائدات النفط موضع خلاف بين الحكومة المركزية في بغداد والإقليم الكردي في شمال البلاد. وغالبًا ما يقترن هذا التمييز السياسي والاقتصادي بمراكز اجتماعية متدنية لا تحظى بالاعتبار.
ولكن ما هي أسباب التمييز؟ تطرح دراسات العلوم السياسية أربعة أسباب مترابطة لاستمرار التفاوت المولد للعنف والحروب الأهلية بين أصحاب الهويات الأصلية المتباينة داخل الوطن الواحد، وأستبعد هنا التفسيرات التي تعتبر التمييز انعكاسًا لروابط الدم بينهم، فتذهب الدراسات إلى أن الانتماء لهوية أصلية متوارثة مثل رابطة قرابة تدعو أصحابها في حالات النزاع إلى الانتصار لأقاربهم تلقائيًا ودونما تفكير، بالفهم المخّل للحديث الشريف " انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا".
أميل لتفسير آخر يرجح أهمية العوامل التاريخية والاقتصادية والاجتماعية وهي أربع: امتداد آثار التجربة الاستعمارية بصورة أو بآخري بعد الاستقلال، توزيع الثروات الوطنية لصالح أقلية مسيطرة بالافتئات على حقوق أبناء الوطن الآخرين، وضيق فرص المشاركة السياسية المتكافئة، وأخيرًا تلاعب القيادات السياسية بالمشاعر الأولية للمواطنين.
استمرار سياسات التمييز الاستعمارية
لا تندر الأمثلة على قيام السلطات الاستعمارية البريطانية والفرنسية بالتحيز لأقليات معينة، والتعويل عليها لاستمرار الحكم الاستعماري وتعزيز سلطتها ومواردها على حساب أغلبية المواطنين.
مال البريطانيون في العراق نحو السنة الذين كانوا وما زالوا يمثلون أقلية، فمنحوهم مراكز متميزة في الإدارة والجيش. وفعلوا نفس الأمر نفسه في السودان بالاعتماد على النخبة العربية المسلمة في حكم البلاد وتهميش سكان الجنوب والغرب. ومال الفرنسيون إلى الدروز في سوريا ولبنان خلال فترة الانتداب ما بين الحربين العالميتين، وأيقظوا في المغرب الفرقة بين الأمازيغ وسكان السهول.
المؤسف في الأمر أن حكومات ما بعد الاستقلال واصلت إما نفس السياسات التمييزية لصالح أقليات محدودة ربما أقل عددًا، أو مارست التمييز لصالح أقليات أخري غير تلك التي حظت بالرضا من جانب السلطات الاستعمارية.
كان التمييز في العراق البعثي لصالح قبيلة صدام حسين من التكريتيين، وفي سوريا البعثية بين العلويين وغيرهم من المواطنين، وفي ليبيا لصالح قبيلة معمر القذافي في سرت.
ولم يخلُ الأمر من تمييز غير ظاهر في التعيين والترقي داخل أجهزة الإدارة الحكومية ومؤسسات الأمن، بل وحتى في المدارس والجامعات. ورغم التفاوت بين دولة عربية وأخرى، جرى تهميش الدور التاريخي للأقليات في كل دولة خصوصًا في المقررات الدراسية والمواد الإعلامية.
التوزيع غير المتكافئ للثروة الوطنية
ليس من السهل العثور علي بيانات بالتوزيع الإثني للثروة القومية في الدول العربية، ولكن هناك العديد من الشواهد التي تشير إلى غياب العدالة فيه.
ذكرنا مثلًا الأقاليم المنسية في السودان، والخلاف بين الحكومة العراقية في بغداد وحكومة إربيل في الشمال على توزيع العائد من استخراج النفط في حقوله الغنية في الشمال. وفي سوريا البعثية هيمن أفراد من أسرة بشار الأسد على إدارة الشركات الكبرى.
ويتكرر الأمر بصورة أقل وضوحًا في الدول العربية الأخرى حيث يحتكر المقربون من السلطة الحاكمة قسمًا كبيرًا من إيرادات الدولة خارج ميزانيتها الرسمية، بينما تضيق فرص الحياة الكريمة لدى أغلبية المواطنين الذين يعانون إما من عدم الحصول علي وظائف لائقة أو دخل كريم، ما يدفع الشباب إلي طلب الهجرة سواء إلي دول الخليج أو الدول الأوروبية. ويتحملون في سبيل ذلك تضحيات هائلة تصل إلي المغامرة بعبور البحر المتوسط في قوارب مطاطية لينتهي بهم الأمر إما غرقي في البحر الأبيض أو بحر الشمال أو في سجون الدول الأوروبية انتظارًا لعودتهم الإجبارية إلي أرض الوطن. ولهذه الأسباب يبدو بعض المواطنين أقل اعتزازا بهويتهم الوطنية لأنهم لا يتمتعون بالحياة الكريمة أو العادلة في أوطانهم
ضيق فرص المشاركة السياسية
كان يمكن نظريًا تخفيف حدة هذه الأوضاع التي تلقي بثقلها على شعور المواطنين بالفخر والاعتزاز بانتمائهم إلى وطن يصون حرياتهم من خلال المشاركة السياسية الفعالة، ولكن فرص هذه المشاركة الفعالة ضيقة في كل الدول العربية تقريبًا.
وحتى الدول التي تسمح بممارسة هذه الحريات مثل العراق ولبنان، فإن حجم فساد الجماعات الحاكمة التي تستفيد من الانقسامات العرقية والإثنية في بلادها يطرح شكوكًا حول مصداقية هذه الحقوق.
ينطبق ذلك أيضًا على الداعين لأيديولوجيات سياسية يصفها البعض بأنها هويات سياسية، فقد كشفت التجربة في المغرب حديثًا وقبله في الأردن أن إتاحة فرص المشاركة السياسية الواسعة من شأنه أن يجنب الوطن مخاطر الانزلاق إلى حروب أهلية تقوم على أساس الاختلاف الأيديولوجي وليس الاختلاف حول الهوية الأصلية.
وكانت فرص المشاركة السياسية لمواطني جنوب السودان ولأكراد العراق وغيرهم من الأقليات في الدول العربية محدودة معظم تاريخ هاتين الدولتين، رغم توقع فرص أوسع للمشاركة من جانب الشيعة في العراق وأبناء دارفور في السودان، وهو ما لم يحدث ولذلك ثاروا علي نظام الحكم في البلدين في أوقات متعددة، وكان ذلك من أسباب الحروب الأهلية فيهما، وهو ما تأكد عندما توارى خطر الحرب الأهلية بعد أن سمحت إصلاحات سياسية قصيرة الأجل بمشاركة الأكراد في الحكم في العراق في عهد صدام حسين، ولأبناء الجنوب في السودان لفترة قصيرة في عهد جعفر النميري.
تلاعب القادة بمشاعر المواطنين
ويبقي الخطر الدائم علي استقرار الدول العربية التي تتسم بالتنوع العرقي والإثني هو في تلاعب القيادات السياسية بالمشاعر الأولية للمواطنين، وتغذية الشعور بأن الولاء الأول هو للرابطة الجزئية على حساب الرابطة الوطنية الأوسع.
الولاء الأول الذى تزرعه بعض القيادات الشيعية والكردية في العراق هو للرابطة الشيعية أو حتى للانفصال عن العراق وإقامة دولة كردية في شماله، وهو ما جري بالفعل الاستفتاء عليه في ظروف تحوطها تحفظات شديدة.
أمثال هذه القيادات في سوريا ولبنان لا تجد مستقبلًا لها إلا بتنمية الشعور بالانفصال بين شركائهم في الهوية الجزئية وأبناء الوطن الآخرين. ومن السهل اللعب علي هذه المشاعر في ضوء الإحباط الذى يشعر به المواطنون في ظل إخفاق سلطات دولهم في تحقيق تطلعاتهم المشروعة لحياة كريمة يسودها احترام المواطنة الكاملة ومتعددة الأوجه لجميع المواطنين.
وهكذا فباستعراض هذه الأسباب نخلص إلى الاستنتاج بأنه لا توجد أزمة هوية في مصر، وإن كان هناك نقاش متجدد حولها. ونأمل ألَّا يؤدي خطاب متطرف حول هويات جزئية وضيق فرص المشاركة السياسية والتوزيع العادل للثروة إلى تحول النقاش الفلسفي إلى توتر متزايد بين بنات وأبناء الوطن.
مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.