تصميم أحمد بلال - المنصة.
زواج القاصرات

تزويج القاصرات في غزة.. استراتيجية بقاء

منشور الأحد 4 تشرين الأول/أكتوبر 2026

في نوفمبر/تشرين الثاني 2023، تعرض منزل عائلة هدى محمود(*) في حي الزيتون بغزة لاستهداف إسرائيلي مباشر، لتكون هي الناجية الوحيدة من بين جميع أفراد أسرتها العشرة؛ والدها ووالدتها وإخوانها وأخواتها، لتقف الفتاة الصغيرة شاهدةً حيةً على ما يعني الفقد الكلي لأسر وعائلات بكاملها في القطاع المباد.

بعد إخراجها مصابةً بشظايا في جميع أنحاء جسدها من تحت الأنقاض، انتقلت هدى للعيش في بيت عمها في ظل غياب أي معيل أو سند لها. وفي 25 مايو/أيار 2024، بعدما أتمت عامها الـ15، قرر عمها تزويجها لابنه البالغ من العمر 21 عاماً ليوفر لها، حسب تقديره، مسكنًا واستقرارًا.

حدث هذا دون أن يكون لها أي خيار أو رغبة سابقة في الزواج، لكنها لم تملك سوى التأقلم قسرًا مع مهام الزوجة الجديدة؛ عجن الخبز، وجلب المياه، وإشعال الحطب، ليزداد الطين بلةً بحملها بطفلها الأول بعد شهور قليلة من الزواج.

واجهت هدى خطرًا صحيًّا ومضاعفات أثناء الولادة في المستشفى الأمريكي بغزة بسبب صغر حجم الرحم واستعصاء الجنين على الخروج، لتنجب طفلًا سمته سعيد، تعتمد حاليًا في إرضاعه على الحليب الصناعي وتتابع وضعها في نقاط الأونروا الصحية.

بعدما نجحت الجهود في خفض نسبة الزيجات المسجلة في قطاع غزة دون سن الثامنة عشرة إلى 17.9% عام 2022 مقارنة بأكثر من 28% عام 2009، تشير المعطيات الحالية إلى ارتفاعٍ حاد ومقلق لهذه النسب، وسط صعوبةٍ بالغة في رصدها وتوثيقها في سجلات رسمية نظرًا للظروف القاسية التي لا يزال يعاني منها القطاع.

وفي ظل انهيار 75% من المرافق الصحية وتفاقم سوء التغذية وفقر الدم، تتحول رحلة الحمل والولادة إلى مخاطرة يومية بالحياة، تُرافقها صدمات نفسية مركبة وسلب قسري لآمال القاصرات وبراءتهنّ.

في بيت الزوجية

بينما تؤكد تقارير صندوق الأمم المتحدة للسكان/UNFPA أن نحو 10% من حالات الحمل المسجلة حديثًا في غزة هي لمراهقات، فإن الناشطة النسوية بيسان أبو جياب رصدت في بحثها الميداني ارتفاعًا ملحوظًا في ظاهرة زواج القاصرات بين العائلات النازحة المكدسة في مخيمات الإيواء.

توضح بيسان لـ المنصة أن حملات المناصرة والضغط قبل الحرب نجحت في إحداث تغيير ملموس في وعي المجتمع فيما يخص زواج الصغيرات؛ "العائلات كانت بتخلي البنات في المدارس، لكن الظروف القاسية الناجمة عن العدوان قلبت الموازين".

تشير الناشطة النسوية إلى أن الأسر تلجأ لتزويج بناتها لأسباب عدة؛ من بينها أنها "وسيلة لتخفيف الأعباء المعيشية، إضافة إلى الشعور الزائف بالقدرة على حمايتهن في ظل ارتفاع مخاطر التحرش وتدهور الأمان الشخصي داخل مراكز الإيواء".

ترى بيسان أن البعض يستسهل أيضًا إجراءات الزواج داخل الخيام لغياب التكاليف المالية المعتادة كالصالات والمواكب، وهو الطرح الذي تتفق معه اعتماد وشاح، منسقة الدعم النفسي والاجتماعي بمركز شؤون المرأة في غزة، بأن الحرب أنتجت ظروفًا ضاغطة غيرت السلوك المجتمعي وأدت إلى ارتفاع ملحوظ في معدلات تزويج القاصرات دون سن 18 عاماً.

تلمح اعتماد لـ المنصة إلى ضغط البيئة المحيطة والإقبال الاجتماعي على خطبة الفتيات اللاتي تظهر عليهن علامات النضج الجسدي المبكر، فضلًا عن توقف المدارس وعدم انتظام العملية التعليمية ما شجع الأسر على التفكير في الزواج بديلًا. 

وتؤكد وجود دافع جديد يتمثل في السعي للحصول على مكتسبات إغاثية مثل خيمة مستقلة، وكارت تموين إضافي، ومساعدات مخصصة للعائلات الجديدة، فضلًا عن تأثير تداخل الثقافات الاجتماعية أثناء النزوح ما جعل ظاهرة التزويج المبكر تتجاوز المناطق الريفية والحدودية لتشمل مختلف الفئات المجتمعية.

على الجانب الآخر، فإن تعطل المنظومة القضائية والمحاكم أثناء الحرب شجع البعض على التحايل على السن القانونية وتزويج القاصرات خارج الأطر الرسمية، وهو ما "نتج عنه مشاكل كتير مثل ارتفاع نسب الطلاق والتخلي والزواج الثاني"، كما تقول بيسان.

زواج اضطراري عن اقتناع

الحال لا يختلف كثيرًا مع ريم سالم(*)، الطالبة في الصف العاشر، إلا في أنها هي من اتخذت قرار الزواج عن قناعة بعد استشهاد عدد كبير من أفراد عائلتها.

توضح ريم لـ المنصة أن الحرب لم تترك لأسرتها رجلًا يعتمدون عليه في حمايتهم ومساعدتهم؛ "صارت أمي لحالها بتجيب المساعدات وتعبي المي. اخترت أتزوج ليكون زوجي سند لي ولعائلتي".

ورغم زواجها، لم تتخل ريم عن دراستها في سبيل تحقيق حلمها في أن تصبح طبيبة أسنان، بينما تخفي الخبر عن زميلاتها في المدرسة تجنبًا للوصمة الاجتماعية؛ "عشان البنات ما يتجنبونيش أو يسألوني في أمور محرجة لي".

توافقها والدتها عبير عبد الله(*)، 41 سنة، وتتحدث بمرارةٍ عن الظروف التي دفعتها لطرح خيار الزواج على ابنتها؛ "فقدت تقريبًا 70% من عائلتي؛ والدي وإخوتي، ووالدتي، وزوجي، حتى ابني البكر".

"كان قرارًا صعبًا جدًا عليّ، حاول القاضي أثناء تثبيت عقد الزواج تحذيري من كثرة حالات الطلاق المسجلة للقاصرات مؤخراً. لم أهتم. مافيش حدا بيعرف ظروفي؛ أنا عايشة جنب الخط الأصفر مباشرة، وأحتاج راجل يحمينا"؛ تقول عبير لـ المنصة.

تقاطعت رغبة عائلة ريم في البحث عن سند، مع جراحٍ غائرة يحملها الزوج نفسه؛ إذ فقد هو الآخر والده وشقيقه الأكبر في غارات سابقة، فكان الزواج تنفيذًا لرغبة جامحة في الإنجاب وتكوين "عزوة"، وهو ما دفع  الأم التي تعيش في أنقاض منزلها في بيت لاهيا، شمال قطاع غزة بالطابق العلوي، لتخصيص الطابق السفلي لتعيش فيه ابنتها مع زوجها.

تداعيات صحية ونفسية

لتزويج القاصرات تبعاتٌ صحيةٌ وجسديةٌ خطيرةٌ، تتضاعف حدتها في غزة في ظل انهيار المنظومة الصحية وإغلاق المعابر ونقص الأدوية والمكملات الغذائية للحوامل.

تتابع الدكتورة لبنى العزايزة، الطبيبة التي تعمل في ميدان الرعاية عبر خيمة صديق الطفل والأم المرضع، عددًا من حالات الحمل بين الفتيات المراهقات اللواتي يشكلن نحو 9% من إجمالي الحالات في الخيمة، وتؤكد لـ المنصة أن هؤلاء الفتيات في أشد الحاجة إلى رعاية طبية ونفسية خاصة، لا سيما في ظل صعوبة الوصول للخدمات الصحية وشح العلاجات الأساسية للحمل الخطر.

وتشدد اعتماد الوشاح على أن ندرة المواد الغذائية الأساسية كالألبان واللحوم، بالإضافة إلى نقص الأدوية والمكملات، يُضعف أجساد القاصرات ويتسبب في فقدان الوزن ويزيد من فرص الإجهاض أو فقدان الجنين الأول في سن 14 و15 عامًا، كما أن انعدام وسائل النقل في المناطق الخطرة يمنع المتابعة الطبية الدورية، ويؤدي إلى ولادات منزلية غير معقمة، أو ولادات مبكرة ومضاعفات خطيرة كفقدان السائل الأمينوسي وصغر حجم الرحم وتأخر الوصول للمشافي.

تغيير مفاجئ

على الصعيد النفسي والاجتماعي، تُعاني القاصرات المتزوجات من ضغوط تفوق قدراتهن الاستيعابية؛ إذ ينتقلن فجأةً من مرحلة الطفولة إلى تحمل مسؤولية منزل وزوج وحمل في ظروف نزوح قاسية.

تحكي نوال عسقول المعالجة النفسية الجسدية، لـ المنصة أنها مؤخرًا استقبلت طفلةً متزوجةً لم تتجاوز الـ14 عامًا تعاني كوابيس مرعبة، بينما ركزت جدتها على توصيات طبية تساعدها على الحمل والإنجاب دون مراعاة لعدم قدرة جسدها وعقلها الغض على تحمل هذه الأعباء.

تؤكد نوال أن المؤسسات النسوية تحرص على توفير مساحات آمنة داخل مراكز النزوح والمخيمات لتسهيل وصول الفتيات والنساء إليها في ظل صعوبة التنقل، وتقدم جلسات دعم وتدخل نفسي واجتماعي عبر أخصائيات معتمدات.

تؤكد الاختصاصية النفسية أنهن يعتمدن تقنيات مثل الإسعاف النفسي الأولي للتخفيف من حدة الصدمة؛ حيث يبدأن بتدريب الفتيات على تقنية تنفس الصندوق/Box Breathing عبر أخذ الشهيق بأربع عدّات وكتمه لأربع أخرى ثم إخراجه من الفم بأربع عدّات لوقف نوبات الهلع فورًا.

تشمل تقنيات الدعم الميداني تنظيم "جلسات دعم وتفريغ النفسي الجماعي"، حيث تجلس الفتيات معًا للرسم وسرد قصصهن والتعبير عن مشاعرهن، مع التشديد على تقديم هذا الدعم من خلال إنشاء "مساحات صديقة" تحت مسميات كـ "مساحة الصديقات" أو "بيت البنات" لتجنب المسميات التي تُكسبهن وصمًا اجتماعيًّا أو عزلةً مثل مركز القاصرات المتزوجات

لا تشعر ريم بالندم، فزوجها البالغ من العمر 26 عامًا متفهم وتحس معه بالأمان، إلا أنها تنزعج من ضيق الحال وعدم تمكن زوجها من الحصول على عمل يوفر قوت يومهم، إذ يعتمدان في معظم الوقت على والدتها. 

أما هدى فتأمل في أن تهدأ الأوضاع، وتقيم فرحًا "كما كانت تحلم وهي طفلة"؛ يبدو أن الفتاة التي لم تبلغ الـ17 سنة نسيت أنها لا تزال فعلًا طفلة، وأن قريناتها بالفعل يحلمن، ولكن باللهو والدراسة والبدلة البيضاء بعد إتمام الدراسة. 


(*) أسماء مستعارة بناء على طلب المصادر.