التَّعلُم من رواندا وبوتسوانا.. ليس بـ"التمويل" وحده تتحقق التنمية
لماذا تنجح دول في الاستفادة من الموارد وتفشل أخرى؟
لماذا تنجح بعض الدول في تحويل المساعدات والموارد المالية إلى تنمية مستدامة، بينما تعجز دول أخرى عن تحقيق نتائج مماثلة رغم حصولها على تمويلات كبيرة؟ إجابة هذا السؤال تستدعي النظر إلى تجارب البلدان النامية، التي تشير إلى أن المال وحده لا يكفي، إذ يجب أن يقترن بـ"جودة المؤسسات" العامة المسؤولة عن إنفاق هذا المال.
تقدم تجارب دول مثل رواندا وبوتسوانا درسًا للبلدان النامية، التي تتدفق عليها صور مختلفة من الأموال بدءًا من المساعدات إلى أشكال الريع المختلفة، مع ذلك لا تستطيع تحقيق استفادة مباشرة من هذه الأموال.
لماذا لا تُفضي الأموال دائمًا إلى التنمية؟
حين تواجه دولة ما الفقر، وضعف الخدمات الصحية والتعليمية، وارتفاع معدلات البطالة، وتراجع البنية التحتية، فإن أول ما يتبادر إلى الذهن هو حاجتها إلى المزيد من الأموال. يبدو هذا الاستنتاج منطقيًّا للوهلة الأولى؛ فالمال قادر على بناء المدارس والمستشفيات والطرق وشبكات الكهرباء والمياه، وتمويل المشاريع الإنتاجية، وتحسين مستويات المعيشة. لكن التجربة التنموية العالمية تكشف أن المال، على أهميته، ليس العامل الحاسم في نجاح التنمية أو فشلها.
المؤسسات الشاملة التي تحمي الحقوق الاقتصادية وتضمن سيادة القانون وتخضع السلطة للمساءلة تمثل أهم محددات الازدهار الاقتصادي
حسب منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، بلغ حجم المساعدات الإنمائية الرسمية العالمية نحو 224 مليار دولار في عام 2023 وحده، وهو من أعلى المستويات المسجلة تاريخيًّا، ويمثل امتدادًا لسلسلة من المساعدات على مدار العقود الماضية، مع ذلك تتفاوت نتائج البلدان المتلقية لهذه الأموال في تحقيق التنمية أو الحد من الفقر.
ربما نجد فهمًا لهذا في الكتاب الشهير للاقتصاديين دارون أسيموغلو وجيمس روبنسون تحت عنوان لماذا تفشل الأمم؟ الذي يستنتج أن المؤسسات الشاملة التي تحمي الحقوق الاقتصادية، وتضمن سيادة القانون، وتخضع السلطة للمساءلة، تمثل أحد أهم محددات الازدهار الاقتصادي على المدى الطويل.
لتحديد المقصود بجودة المؤسسات يمكننا الاستشهاد بـمؤشرات الحوكمة العالمية الصادرة عن البنك الدولي والمعنية بتتبع مدى سيادة القانون في البلد ومكافحة الفساد وفاعلية دور الحكومة في تنفيذ التشريعات القائمة على أرض الواقع وغيرها من القضايا المرتبطة بالحوكمة.
رواندا من الإبادة إلى الانطلاق
يمكن تشبيه الموارد المالية بالمياه المتدفقة؛ مهما كانت وفيرة، فإن قيمتها الحقيقية تعتمد على وجود شبكة فعالة من القنوات والخزانات التي تضمن وصولها إلى المكان الصحيح. فإذا كانت هذه القنوات متهالكة أو غير موجودة، فإن المياه تتسرب قبل أن تحقق الغاية المرجوة منها.
بالمثل، لا تتحول الأموال إلى تنمية تلقائيًّا، فالتحويل الفعلي للموارد إلى مدارس ومستشفيات وفرص عمل ومشروعات إنتاجية يتطلب وجود مؤسسات قادرة على التخطيط والتنفيذ والرقابة والتقييم.
استطاع البلد الإفريقي الحفاظ على وتيرة شبه مستقرة من النمو في سنوات ما بعد انتهاء الإبادة
تُعد رواندا واحدة من أبرز التجارب المعاصرة التي تظهر الدور الحاسم للمؤسسات في تحويل التمويل الخارجي إلى نتائج تنموية ملموسة. فعقب الإبادة الجماعية عام 1994 واجهت البلاد انهيارًا شبه كامل لمؤسسات الدولة والاقتصاد. غير أن الحكومة تبنت برنامجًا طويلًا لإعادة بناء مؤسسات الدولة بالتوازي مع إعادة الإعمار الاقتصادي.
شملت الإصلاحات تحديث الإدارة العامة، وتوسيع الخدمات الحكومية الرقمية، وتعزيز أجهزة الرقابة ومكافحة الفساد، وتحسين بيئة الأعمال، وتبسيط إجراءات الاستثمار وتسجيل الشركات، تزامن كل هذا مع التدفقات الكبيرة من المساعدات والمنح الدولية، كما يظهر من بيانات البنك الدولي، إذ تصاعدت قيمة المساعدات السنوية منذ بداية الألفية الجديدة، وتجاوزت المليار دولار سنويًا منذ 2011.
غير أن العامل الحاسم لم يكن حجم هذه الموارد، بل كيفية إدارتها وتوجيهها نحو أولويات تنموية واضحة. انعكس ذلك بصورة ملموسة على الأداء الاقتصادي، فقد استطاعت رواندا الحفاظ على وتيرة شبه مستقرة من النمو في سنوات ما بعد انتهاء الإبادة، ما جعلها تُصنف ضمن البلدان الأسرع نموًا في القارة.
أما على المستوى الاجتماعي، فتشير نتائج المسح الوطني للأسر المعيشية (EICV7) الصادر عن المعهد الوطني للإحصاء في رواندا إلى انخفاض معدل الفقر الوطني من 39.8% عام 2017 إلى 27.4% عام 2024، أي بانخفاض بلغ 12.4 نقطة مئوية خلال سبع سنوات فقط. هذه النتائج لم يكن ممكنًا تحقيقها بدون التفاعل بين التمويل والإصلاح المؤسسي.
كيف هزمت المؤسسات لعنة الموارد؟
إذا كانت رواندا قدمت نموذجًا لنجاح إدارة المساعدات، فإن بوتسوانا تمنحنا نموذجًا موازيًا للنجاح في إدارة الريع الآتي من صادرات الموارد الطبيعية.
ربما يميل البعض لتفسير تصاعد نصيب الفرد من الدخل القومي في هذا البلد خلال العقود الأخيرة إلى تسارع اكتشافات الماس منذ استقلال البلد في الستينات، ما جعلها ثاني أكبر منتج لهذا المعدن في العالم. لكن الماس ليس وحده سبب التحول الاقتصادي اللاحق، بل يتمثل العامل الحاسم في بناء مؤسسات قوية لإدارة العائدات.
أسهمت الإدارة الرشيدة لعائدات الماس في توسيع الوصول إلى المياه النظيفة والكهرباء والتعليم والخدمات الصحية
تزامن بزوغ الثروات الطبيعية في بوتسوانا مع إجراءات عدة للحوكمة، عززت استقلال المؤسسات الرقابية، ووضعت قواعد صارمة لإدارة الإيرادات العامة، واعتمدت سياسات مالية هدفت إلى توجيه الموارد نحو الاستثمار في التعليم والصحة. على سبيل المثال تصل نسبة الإنفاق على الصحة هناك إلى 6.2% من الناتج الإجمالي مقابل 4.8% في مصر.
تكتسب تجربة بوتسوانا أهمية خاصة لأنها تبين أن الثروة الطبيعية لا تتحول تلقائيًّا إلى تنمية، فقد أسهمت الإدارة الرشيدة لعائدات الماس في توسيع الوصول إلى المياه النظيفة والكهرباء والتعليم والخدمات الصحية، كما ساعدت البلاد على الانتقال إلى فئة الدول ذات الدخل المتوسط الأعلى، ما يجعلها واحدة من أنجح التجارب الإفريقية في تجنب ما يُعرف بـ"لعنة الموارد"، إذ لم تكن الثروة الطبيعية وحدها سر النجاح، بل المؤسسات التي أدارت تلك الثروة بكفاءة وشفافية.
ليست حالات فردية
لا تقتصر العلاقة بين جودة المؤسسات والتنمية على الحالات الفردية مثل رواندا وبوتسوانا، إنما تؤكدها أيضًا الدراسات المقارنة واسعة النطاق والكثير من الأبحاث التي تشير إلى العلاقة بين تعزيز الحوكمة والتنمية الاقتصادية والاجتماعية، فالدول التي حققت مستويات أعلى من حيث سيادة القانون أو مكافحة الفساد، استطاعت تحقيق معدلات أعلى من الاستثمار الخاص وكفاءة أكبر في الإنفاق العام.
من المهم هنا تجنب الوقوع في ثنائية مضللة تصور المساعدات الخارجية باعتبارها عديمة الجدوى. لعبت المساعدات دورًا محوريًّا في تمويل حملات التطعيم والتعليم الأساسي ومشاريع المياه والصرف الصحي والاستجابة للكوارث والأزمات الإنسانية في العديد من الدول منخفضة الدخل.
لكن الخبرة الدولية تؤكد أن فاعلية المساعدات تعتمد بدرجة كبيرة على البيئة المؤسسية التي تعمل فيها، فالمساعدات المالية ليست بديلًا عن المؤسسات، كما أن المؤسسات لا تغني عن التمويل. فالعلاقة بينهما تكاملية، إلا أن المؤسسات تظل العنصر الذي يحدد ما إذا كانت الموارد ستتحول إلى تنمية أم إلى هدر.
لهذا تتجه الأدبيات التنموية الحديثة بصورة متزايدة نحو التركيز على بناء القدرات المحلية وتعزيز المؤسسات الوطنية وتحسين الحوكمة، بدلًا من الاكتفاء بتوفير الموارد المالية. فتوفر المال ليس نقطة البداية دائمًا، بل كثيرًا ما يكون نتيجة لبناء مؤسسات قوية وفعالة.