داخل الحياة ما يتجاوز خدوش الحروب
تُغيِّرنا الحروب حتى ولو لم نكن طرفًا فيها. أي حرب مهما بَعُد دوران رحاها تستهلك مشاعرنا. أصبح العالم قرية صغيرة حتى في الألم والخوف والترقب. تُبدل الحروب عاداتنا اليومية، تحولنا إلى لاقطات للأخبار والكوارث، تغير لغتنا كما يغير الاستعمار لغات البلاد التي يستعمرها. استعمار من نوع جديد، بالقطعة، بالهيمنة عن بعد، وعن قرب أيضًا، بجبروت القوة وبالإفراط في استعراضها، كما يحدث الآن في حرب إيران.
لغة جديدة أكثر نفعية لا تحمل بلاغة توازي الدمار. كلها معلومات وتحليلات، مصنعة عبر الذكاء الاصطناعي تصوغ طريقتنا في التفسير والتعبير. مئات المصطلحات والتراكيب وأساليب التفكير، تصبح لغة العصر القادم مهما حاولنا تجنبها وعطلنا بلغتنا العاطفية من تقدمها، لأنها خرجت من أتون حرب.
للحروب بلاغةٌ تعبر عنها كما حدث بعد الحرب العالمية الأولى والثانية في أوروبا. أكثر من 60 مليونًا من القتلى من العسكريين والمدنيين، لروسيا نصيب الأسد نحو 22 مليونًا. أحرقت مشاعر الأوروبيين، وجلبت معها تحولات في الأدب والفلسفة، وثورات ما بعد الحرب.
الجرائد والإذاعات كانت مصدر الأخبار. لم نعرف بالهزيمة سوى في اليوم الثاني أو الثالث أو الرابع
نتابع حروب تدور على الهواء مباشرة تحت سلطة هذا المخرج الذي يقف وراءها ويبث عبر قنواته وخوارزمياته وذكائه الاصطناعي ما يريدنا أن نراه وننفعل به ونصدقه.
تضع الحروب بمآسيها حجرًا ثقيلًا داخل صندوق الذاكرة، يؤثر بدوره على استجابة هذه الذاكرة في المستقبل. نحن بعد الحرب لسنا نحن قبلها. لا يظهر الفارق سريعًا، يأخذ زمنًا ودورة حياة وتمثُّل أطول بكثير من زمن الحرب، يتحول إلى قوة رمزية تتدخل في نظرتنا للعالم.
ذكرى قديمة لشظية
أول حرب عايشتها، هزيمة يونيو 67. كنت في السابعة. الجرائد والإذاعات كانت مصدر الأخبار. لم نعرف بالهزيمة سوى في اليوم الثاني أو الثالث أو الرابع. كأن مسرح العمليات، آنذاك، بلاتوه مغلق، لا يُسمح فيه لأحد بأن يرى ما يحدث خلف الجدران. لا يطّلع عليه سوى المنخرطين من الطرفين في الحرب، حتى هؤلاء كان كثيرٌ منهم على الطرف المصري مجرد متفرجين، يجهلون ما حدث بسبب بيانات الإذاعة المضللة.
قريب والدي كان ضابطًا، انسحب مع كتيبته من موقعه المتقدم في سيناء. سمعت حكايته قبل أن أراه، سمعت عن الشظية التي اخترقت فخذه ورغم هذا سار بطول الصحراء حتى وصل لنقطة مأهولة. ذهبنا لزيارته، أنا ووالدي ووالدتي. أطلقت سؤالي أمام بيته، هي الشظية طلعت من رجله؟ نظر لي أبي نظرة معناها "أصمت تمامًا".
دخل علينا القريب الشاب يتوكأ على عكاز تحت إبطه. أفسحنا له مكانًا في الصالون الضيق بالفوتيهات كبيرة الحجم. جاء مكاني بالقرب من القدم التي تحمل الشظية. أخذ يربت على شعري كي يبطل مفعول خيالي المنعكس على وجهي.
معسكر الدول المهمشة
الحرب العراقية الإيرانية 1980 – 1988، التي خلّفت مليون قتيل، لم تترك أثرها كالحروب الأخرى، ربما لأنها بين دولتين تقعان في معسكر المهمشين من الدول، التي تستقوي على بعضها البعض. أشعر بأنها لعبة، لم تغير مفهومنا للعدالة، بعكس حرب الخليج عام 1991. ربما مقياس القهر الشخصي بالنسبة لي يتحرك مؤشره من معادلة القوة بين الثنائية التقليدية: قوي-ضعيف، ظالم-مظلوم، أو مستعمِر-مستعمَر.
كان الغزو الأمريكي للعراق 2003 يذاع على الهواء مباشرة
أتذكر من آثار هذه الحرب الجرعة الثقافية التي كانت ترسلها العراق إلى مصر، ولدول أخرى، من مجلات تهتم بالأدب والترجمة والسينما والفنون. كانت فترة ازدهار، ولو شكليًا. رأينا مجلة الثقافة الأجنبية، والأقلام، والطليعة الأدبية، وغيرها، تباع بأسعار مدعومة تعرفنا على اتجاهات جديدة في الشعر والكتابة بوجه عام. كانت إحدى وسائل الدعاية لصدام، بجانب مؤتمرات الشعر والرواية والجوائز الأدبية مرتفعة القيمة، التي كانت تستضيفها بغداد، ثم انتقلت لدول الخليج لاحقًا.
حمزة وضرب بغداد
في ليلة ضرب بغداد أثناء حرب الخليج الأولى 1991، التي تلتها عملية "عاصفة الصحراء" بمشاركة قوات التحالف المكونة من 34 دولة، كنت أجلس على مقهى اتخذته مكتبًا ليليًا للقراءة والكتابة، كالعرضحالجية، ما بين شاطئ الإبراهيمية وكامب شيزار. اقترب مني حمزة ماسح الأحذية ذو الاثنتي عشرة سنة وسألني مخضوضًا عما يحدث، بعدما عرف عن الهجوم من تليفزيون المقهى المجاور.
كان يحب أن يجلس قربي على كرسي الشغل الصغير المكسو بالجلد الأحمر. على سنه الصغيرة، يحمل في ذاكرته التي لم تتعرض لضغوط أي حرب بعد، خبرات طريفة اكتسبها من عمله الليلي في المقاهي والتردد على قاعات الأفراح.
مسّت هذه الحرب هويته بوصفه مسلمًا، كان يراها حربًا ضد الإسلام. مع توالي الضرب قلّ توتره، تعود على سماع أخبار الموت وقراءته على وجوه زبائن مقاهي البحر. كان البلاتوه الذي تجري وقائع الحرب فيه هذه المرة شبه مكشوف.
كان حمزة، مثلي تمامًا، ينتظر المعجزة ليتحقق ميزان العدل المنصوب كالصليب في ضمائر أجيال عديدة، أنا منها. الأجيال التي فرحت عندما ضربت صواريخ سكود تل أبيب.
في 2003 أُذيع الغزو الأمريكي للعراق على الهواء مباشرة. البلاتوه مكشوف عن آخره، بامتداد كل البلد، كما حدث في حرب غزة. والشاشات المقسمة إلى كولاج من صور الحرب أصابنتا بالإحباط والقهر.
لم تُمح ذكرى حرب 48 لدى والدتي، وظلت نقطة الضعف بالنسبة لها ولجيلها. لم تغير أي هزائم أو انتصارات جديدة من ميزان العدل المنصوب داخل ضميرها.
من شدة تأثرها بمشاهد الموت في العراق التي تبث على الهواء، أصابها اضطراب في دقات القلب مع ارتفاع الضغط. تُوفيت بعدها بسنتين، ربما أحد الأسباب هو تجديد ذكرى مشاعر الاستسلام القديمة لضياع فلسطين، بجانب أسباب قهر أخرى ولدتها ظروف الحياة التي لم تعد تستسيغها.
تعتبر هذه الحرب علامة فارقة في خدش الروح الإنسانية، العربية على الأقل، التي تحثُك على الاستمرار، بالرغم من وقوعك تحت ضغط لا قبل لك به، كأن روحك في الحلقوم في كل لحظة، على وشك المغادرة لكنها لا تغادر. فكان ضروريًا أن نعيد النظر في هذه القوة التي تمنحنا الاستمرار.
زلط المعاني والأفكار
شعَرتُ أثناء مشاهدتي لحرب 2003، ثم استسلام الجيش العراقي وسقوط تمثال صدام، بأن لغتي تتغير. كتبت مقالًا طُلب مني آنذاك لجريدة أخبار الأدب. أتذكر إحساسي وأنا أكتب كأني أعبر على سطح اللغة، ألتقط منها أعماقها وأجعلها تطفو على السطح. كانت مَعِدة اللغة تهضم زلط المعاني. الهزيمة سمحت للغة بأن ترى من المكان الصحيح، حتى ولو كانت مشاعري ضد هذا القدر.
كل حرب تسرب نوايا داخل اللغة، تولد تجريدًا يلم بالموقف والشعور والتأمل، تحتاج لماحية لاصطياد المجازات المركبة، والنظر للهزيمة في عينها. لغة لديها القدرة على النفاذ داخل طبقات الحدث للوصول إلى قلبه، بدون أن تفقد موضوعيتها وأيضًا عاطفتها.
لغة تمتص حسية الصورة وتحولها إلى نسغ يجري في مفردات، لتجسيم الفكرة بالأبعاد الثلاثية. بلا زوائد بلاغية غير مناسبة. كنت أبحث عن موضوعية أرى بها الأحداث والحياة.
تنقذنا الموضوعية أحيانًا من التطرف، ولكن كيف ننقذ العالم من هذا التطرف ثنائي القطبية؟ تظل موضوعيتنا ونظرتنا المحايدة تحملان هذا الخلل غير الموضوعي، لأننا في النهاية كأحد معسكرات الهامشيين من الدول، ندافع عن الضعفاء من أمثالنا.
داخل الحياة ما يتجاوز أي تدمير
إلا أن ما نشاهده سواء من حروب ظالمة، بالمعنى الدارج العميق، أو انغلاق الأفق أمام أعيننا، ليس نهاية الحياة، فالحياة أقوى، وبداخلها ما يتجاوز إمكانية أي فعل بشري مهما كان حجم تدميره، هناك نوايا مضمرة للحياة تظهر وقت اللزوم، تدفع الإنسان لأن يكمل صباحه آملًا، فالحياة لا تنتهي احتمالاتها.
تهضم قوة الحياة كل مآسينا وتحولها إلى أرشيف يتحرك من الماضي بينما هي تستمر للأمام، لا تنفض عن نفسها عبء الماضي بل تتعلم منه، لأنه في مكان ما داخلها قانون يبحث عن الاتزان، هناك نظام يحفظ التناقض والتنافر والتبعثر والتشظي الواقع الآن.
تتداخل الحياة أحيانًا مع التاريخ، يتشابكان ثم يفترقان، تتبدى الحقائق ثم تختفي، تلمع ثم تخبو، لكنها حاضرة وتتفاعل في أي وضع، وفي النهاية سيكون السبق لها. أحيانًا أرى الحياة أوسع من وجود الإنسان، لكنه في النهاية أرشيفها الحي، والمتجدد، والمُعبِّر الوحيد حتى الآن عنها.

