تصميم يوسف أيمن، المنصة
العنف ضد النساء، تعبيرية

جريمة مزدوجة.. جبر الاغتصاب بزواج الاضطرار

منشور الثلاثاء 12 أيار/مايو 2026

هل يُعقل أن تشعر ضحيةُ اغتصابٍ بالأمان في العيش مع مغتصبها إذا قبلت الزواج منه؟ هذا السؤال الاستنكاري لا يُطرح في فراغ، لكنه يتكرر مع كل واقعةِ إجبارِ ضحية اغتصاب على الزواج من مرتكب الواقعة، سواء كان ذلك للإفلات من العقوبة، أو بزعم الستر على الضحية وحماية "شرف العائلة".

في يناير/ كانون الثاني الماضي، كنَّا أمام مشهدٍ مصور أثار الاستهجان، حين طَلب مغتصبٌ بل وتوسل أمام المحكمة في مركز بلبيس، محافظة الشرقية، للزواج من ضحيته الطفلة "ش"، في محاولة أخيرة منه للتملص من حكم الإعدام بعد استطلاع رأي مفتي الجمهورية. ورغم رفض المحكمة القاطع لطلب الزواج، إذ لم تبلغ الضحية السن القانونية للزواج، فإن تساؤلات شائكة ثارت تتجاوز حدود تلك القضية. 

على رأس هذه الأسئلة، هل استندت المحكمة في رفضها إلى مانع قانوني بحت، أم أنه موقف أخلاقي وإنساني يرفض مبدأ "تزويج الجاني من ضحيته" من الأساس؟ هل يمكن أن يعمم مثل هذا الموقف أمام كل المحاكم، أم يظل حالة فردية؟ بالأخص وأن ما حدث مع إحدى الفتيات من ذوات الإعاقة في شهر سبتمبر/أيلول الماضي ليس ببعيد، فقد وافق أهلها على زواجها من المغتصب ليُخفَّف الحكم إلى الحبس 6 أشهر. 

جريمة مزدوجة

تُقتل ضحية الاغتصاب مرتين؛ المرة الأولى بالطبع لدى وقوع الجريمة، والثانية إذا أجبرت على الزواج قسرًا من مغتصبها بمباركة الأهل، أو بالضغط عليهم وإغرائهم بالمال لتزويج ابنتهم المغتصبة ما يعد مخرجًا مناسبًا للجاني، دون النظر للضحية وما نالها من أذى لا يمكن تجاوزه.

تنطق قصة الطفلة "ش" بالكثير عما تعرضت له الضحية التي انتشرت صورتها على السوشيال ميديا، ما دفع النيابة إلى سرعة إحالة القضية إلى المحكمة، وبدورها أصدرت حكمها بإعدام مرتكب الواقعة، الذي حاول أهله ابتزاز أهل الضحية ورشوتهم بمبالغ وصلت لمليون جنيه من أجل التنازل، وهو ما رفضته الأم، كما قالت لكاتب المقال في اتصال هاتفي بها.

لم تستطع والدة الضحية التنكر للحالة التي وصلت لها طفلتها، ولم تبرأ بعد منها، إذ لا تزال تعاني من أعراض الصدمة والخضّة التي تفزعها في نومها، رغم عرضها على أطباء نفسيين، وتعاطيها حبوبًا مهدئة ومنومًا.

تُجبَر الناجية من الاغتصاب على الزواج من المعتدي فيتحول البيت إلى مساحة تهديد لا ملاذًا آمنًا

أدركت الأم أن تزويج فتاتها التي تعرّضت للاغتصاب من الجاني هو إعادة إنتاج للجريمة في صورة عقد، وتحويل اللحظة الأكثر عنفًا في حياتها إلى قدر دائم، وإلزامها بأن تعيش داخل المشهد الذي حطمها، لكن هذه المرة تحت مسمى "الزواج" وغطاء القبول الاجتماعي، دون أدنى اهتمام بالضحية التي تحتاج أولًا إلى الأمان، وأن تستعيد إحساسها بجسدها كمساحة تخصها، وبحدودها كخط أحمر لا يُمسّ.

حين تُجبَر الناجية من الاغتصاب على الزواج من المعتدي، يُسلب منها هذا الحق مرتين؛ مرة حين انتُهكت بالقوة، ومرة حين يُطلب منها أن تعتبر الانتهاك علاقةً مشروعةً، حينها تتحول الذاكرة من جرح يحتاج علاجًا إلى واقع يومي يُعاد عيشه كل ليلة مع زوج يرسّخ كل فعلٍ يفعله لاضطراب ما بعد الصدمة بدل أن يداويه.

كل تفصيلة؛ صوت الزوج رائحته، اقترابه منها، يمكن أن تعيد الضحية إلى لحظة العنف الأولى لتعيش حالة تأهّب دائم، بين خوف دائم واشمئزاز مكتوم وشعور بالحصار. هكذا يتحول البيت إلى مساحة تهديد، لا ملاذًا آمنًا.

زواج الإعفاء

مصر من أوائل الدول العربية التي تصدت لإفلات المغتصب من العقوبة حال إبدائه النية الزواج من المغتصبة، ففي عام 1999 ألغيت المادة 291 من قانون العقوبات التي كانت تنص على أنه "لا عقوبة لمغتصب الأنثى حال زواجه منها زواجًا شرعيًا".

قصد المشرع بإلغاء المادة تحقيق الردع، من ناحية، ومراعاة الحالة النفسية للضحايا، من ناحية أخرى، فمن غير المعقول أن تعيش الضحية مع مغتصبها تحت سقف واحد دون مراعاة ما مرت به من صدمات جراء تلك الجريمة، خاصة مع ميل الأهل لفعل ذلك حفاظًا على ما يُسمى "شرف العائلة".

إنها مفارقة مؤلمة أن يصم المجتمع الضحية بينما يبحث للجاني عن مبررات

غير أن إلغاء المادة 291 لم يغلق الباب تمامًا أمام إجبار ضحايا الاغتصاب على الزواج من المغتصب للإفلات من العقوبة أو تخفيفها لأقل تقدير، كما حدث عام 2019 في جريمة خطف واحتجاز فتاة تعاني من إعاقة ذهنية داخل منزل المتهم لمدة شهر، حيث اغتصبها عدة مرات، بعد ذلك طردها، وبعودتها إلى المنزل سردت تفاصيل ما حدث، فحرر والدها محضرًا بتعرض ابنته للخطف والاغتصاب، وقُبض على الجاني وأحيل إلى المحاكمة الجنائية بتهمة الخطف والاغتصاب طبقًا للمادتين 290 و267 من قانون العقوبات التي تصل العقوبة فيهما للإعدام.

لكنْ، وأمام القاضي، تقدّم الجاني بطلب الزواج من الضحية فوافق الأب، لتخفف العقوبة لـ6 شهور حبس، استنادًا لمواد مثل نص المادة 17 من قانون العقوبات الخاصة بمبدأ الرأفة أو تخفيف العقوبة إذا اقتضت ظروف الجريمة ذلك، وباعتبار أن الجاني أصلح خطأه وتزوج الضحية، يتحصل على أحكام مخففة، الأمر الذي يمكن اعتباره ثغرة تؤدي إلى اختلال موازين العدالة.

لن تنجح النصوص الجنائية وحدها في استئصال شأفة مثل هذه الجرائم، طالما بقيت الموروثات من العادات والتقاليد لتبرر ثقافة العنف الجنسي ضد النساء والفتيات، وتختبئ خلف ستار زائف من الشرف أو الرغبة في الحفاظ على سمعة العائلة.

إنها مفارقة مؤلمة أن يصم المجتمع الضحية، بينما يبحث للجاني عن مبررات. بل وربما تدخل حسابات اقتصادية معقدة تمس الضحايا وعائلاتهن؛ فقد تكون الضحية عائل أسرتها، وهنا تتحول، فجأةً، نتيجةُ جريمة بشعة لحمل وعبء اقتصادي في حال حدوث حمل، بجانب صعوبة استخراج أوراق ثبوتية للطفل.

حتى إذا رغبت الضحية في إنهاء الحمل ستجد نفسها في مواجهة جدل قانوني وديني حول شرعية الإجهاض، كون القانون المصري صارمًا في تجريمه، إضافة إلى ارتفاع تكلفة "العملية" وهو ما لا يقدر عليه غالبية الضحايا وأسرهم. لذا، إن نقطة البداية الحقيقية تكمن في مواجهة هذه الظاهرة بوصفها أزمة اجتماعية وفكرية في المقام الأول، وتغيير تلك الثقافة التي تعاقب الضحايا بدلًا من الجناة. 

مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.