
كشك الخديوي.. آخر ما بقي من المحمل المصري
في مطلع 2018، قررت اللجنة الدائمة للآثار -أخيرا- تسجيل كشك المحمل في عداد الآثار الإسلامية.
هذا المبنى المحترق المتداعي، والذي يرثى حاله للزمان، بناه الخديوي إسماعيل عام 1864، ويعرف بكشك الخديوي، أو كشك المحمل، أو مصطبة المحمل.
يقع المبنى ملاصقا لسور القلعة في شارع صلاح الدين.
من هنا كانت كسوة الكعبة تخرج كل عام في موكب المحمل المصري كهدية من مصر للأراضي الحجازية. كان الموكب يخرج من هذا المكان، وكانت الوفود الزائرة لحضور الاحتفال تقيم في غرف هذا المبنى الصغير نسبيا، والذي يتكون من طابق أرضي وآخر علوي.
استمرت مصر في إرسال موكب المحمل – فيما عدا بعض السنين التي حدثت فيها بعض المناوشات – إلى أن توقف هذا التقليد نهائيا عام 1962 في أيام جمال عبد الناصر، على إثر خلاف نشب مع آل سعود.
مسألة إرسال كسوة الكعبة من مصر كل عام ليست مسألة تتعلق بالمشاعر الدينية فقط، لكنها تفوق هذا بكثير. الأمر في الأكثر هو تأكيد للسلطة السياسية للحاكم، والذي يمزج شرعيته العسكرية بالشرعية الدينية، باعتباره خادم الحرمين الشريفين.
أقدم ذكر للقب خادم الحرمين الشريفين كان للسلطان الناصر صلاح الدين الأيوبي (1138 - 1193)، وهو محفور على قبة يوسف جنوب صحن قبة الصخرة في مدينة القدس. ربما كان صلاح الدين هو أول من لقب باللقب وربما كان هناك من سبقه لكننا لا نعرف.
استمر الحكام المصريين في وراثة هذا اللقب بعد ذلك عبر الدولة الأيوبية ثم دولة الماليك، وكان الحاكم يحرص أشد الحرص على هذا اللقب كما قلنا، حتى أن حروبا يمكن أن تقوم من أجل استمرار موكب المحمل. يحكي لنا الجبرتي أنه أيام الظاهر بيبرس منع أمير مكة دخول موكب المحمل المصري إلى مدينته، وعاد أمير المحمل إلى مصر بحمولته، فجهز الظاهر بيبرس جيشا وخرج إلى أمير مكة وحاربه وقتله بالرمح، ودخل بالمحمل وكسا الكعبة.
بعد اندثار دولة المماليك ووقوع مصر تحت السيطرة العثمانية انتقل اللقب إلى السلطان العثماني، لكن المحمل استمر في الخروج من مصر كل عام، إلى أن حدث الخلاف بين عبد الناصر والدولة السعودية.
بعد توقف المحمل استولى الاتحاد الاشتراكي على المبنى وتحول إلى أحد مقاره، ثم ورثه عنه الحزب الوطني الديموقراطي ليحوله إلى أحد مكاتب الحزب، حتى ثورة 2011 عندما أحرق الناس المبنى.
التهم الحريق كل شيء حتى أن المبنى صار بدون سقف. بعد هذا تكفل اللصوص بخلع خشب النوافذ والحديد الذي كان يغطيها.
منذ ذلك الحين لم تقم وزارة الآثار بأية محاولة لترميم المبنى، بل تركته يواجه مصيره المحتوم، مثله في ذلك مثل كثير من المباني الأثرية التي يتم إهمالها حتى تفنى فتنطوي معها صفحة أخرى من التاريخ.