AP Photo/Thibault Camus
طلاب يشاركون في مسيرة احتجاجية ضد نقص الموارد في المدارس في باريس، 17 أكتوبر 2026

الاحتجاجات تتجدد في أوروبا.. واشتباكات مع الشرطة في فرنسا وألمانيا

قسم الأخبار
منشور الأحد 1 تشرين الثاني/نوفمبر 2026

شهدت عدة مدن أوروبية، أمس السبت، موجة احتجاجات شارك فيها عشرات الآلاف، رفضًا لارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع جودة الخدمات العامة وتفاقم أزمة السكن، في تحركات قادها شباب من جيل زد، وانضمت إليها نقابات ومنظمات طلابية وحركات اجتماعية.

وبينما اتسمت معظم المسيرات بالسلمية خلال النهار، اندلعت مواجهات مع الشرطة في مدن فرنسية وألمانية، قبل أن تتصاعد المواجهة في البرتغال فجر اليوم الأحد، مع فضّ مخيمات للمحتجين في لشبونة وبورتو والقبض على 13 شخصًا.

وتعكس الاحتجاجات، التي امتدت من فرنسا وألمانيا إلى البرتغال، اتساع نطاق الغضب من الأوضاع المعيشية في أوروبا، وإن اختلفت المطالب من بلد إلى آخر؛ ففي فرنسا تركزت على الغلاء وتدهور الخدمات العامة، وفي ألمانيا شملت تقلص الإنفاق على التعليم ورفض التجنيد الإلزامي، بينما تصدرت أزمة السكن والقيود على الإيجارات مطالب المحتجين في البرتغال.

فرنسا.. الغلاء يشعل الشارع

في فرنسا، شارك نحو 320 ألف شخص في احتجاجات بأنحاء البلاد، بينهم 70 ألفًا في باريس، وفق تقديرات وزارة الداخلية، في ثالث سبت على التوالي من التظاهرات.

ورغم أن أعداد المشاركين جاءت أقل من الأسبوع السابق، الذي شهد مشاركة نحو 410 آلاف شخص، ومن احتجاجات 17 أكتوبر/تشرين الأول الماضي التي شارك فيها 550 ألفًا، فإن السلطات دفعت بنحو 70 ألف شرطي لتأمين المسيرات ومنع تكرار أعمال الشغب والنهب التي شهدتها البلاد قبل أسبوعين.

وبدأت موجة الاحتجاجات بتحركات لطلاب المدارس اعتراضًا على تدهور أوضاع المباني التعليمية ونقص المعلمين، قبل أن تنضم إليها نقابات عمالية وفئات أخرى متضررة من ارتفاع تكاليف المعيشة وأسعار الوقود والتضخم، إلى جانب محتجين من حركة "السترات الصفراء" المناهضة للمؤسسة السياسية الحاكمة وعلى رأسها إيمانويل ماكرون.

واتسمت المسيرات بطابع سلمي إلى حد كبير خلال النهار، قبل أن تقع مواجهات في ختامها بباريس ومدن أخرى، بينها ليون وتولوز ومرسيليا وبوردو. واستخدمت الشرطة الغاز المسيل للدموع لتفريق مجموعات من المحتجين، فيما قالت وزارة الداخلية إنها منعت أشخاصًا وصفتهم بـ"العناصر المتطرفة" من الانفصال عن المسيرات لتنفيذ أعمال تخريب ونهب.

وبحلول السادسة مساءً، أعلنت الوزارة القبض على نحو 300 شخص. وقال وزير الداخلية لوران نونيز إن قوات الأمن تمكنت من تأمين مراكز المدن، لكنه حذر من احتمال وقوع اضطرابات متفرقة خلال الليل، في ظل دعوات إلى التمرد بالتزامن مع احتفالات عيد الهالوين، متوعدًا بالتعامل بحزم مع من يسعون إلى افتعال مواجهات.

وشارك زعيم تيار اليسار الفرنسي جان لوك ميلونشون في مقدمة مسيرة باريس، في وقت تتزايد فيه شعبيته قبل الانتخابات الرئاسية المقررة في أبريل/نيسان المقبل، بحسب التغطية الإعلامية للاحتجاجات.

ألمانيا.. التعليم والتجنيد في صدارة المطالب

وفي ألمانيا، خرجت مظاهرات في 34 مدينة بدعوة من مبادرة "جيل زد يسيطر/GenZ regelt"، التي تطالب بزيادة الإنفاق على التعليم والرعاية الصحية، وتحسين الأوضاع المعيشية، وتعزيز العدالة الاجتماعية وحماية البيئة وتقليل تأثيرات تغير المناخ، وترفض العودة إلى التجنيد الإلزامي.

وقدّرت المبادرة عدد المشاركين في احتجاجات السبت بنحو 120 ألف شخص في أنحاء البلاد، بينما أظهرت أرقام للشرطة في فرانكفورت وميونيخ وبرلين مشاركة نحو 18 ألف متظاهر، وهو رقم أقل بكثير من التقديرات الأولية للمنظمين.

ورفع المحتجون لافتات تنتقد المستشار الألماني فريدريش ميرتس، وتطالب بوقف زيادة الإنفاق العسكري، محذرين من أن نموذج الخدمة العسكرية الطوعية الجديد قد يمهد لإعادة التجنيد الإلزامي.

وقالت المتحدثة باسم المبادرة لينا فريدريش، إن الشباب خرجوا للمطالبة بالسلام والحرية ورفض الحرب والإكراه، مؤكدة أهمية تحسين أوضاع التعليم والصحة وتوزيع الأعباء الاجتماعية بصورة أكثر عدالة.

وبعد ساعات من المسيرات التي غلب عليها الطابع السلمي، اندلعت مواجهات في عدد من المدن، أبرزها فرانكفورت، حيث أفادت الشرطة بتعرض عناصرها وفرق الطوارئ للرشق بالحجارة والزجاجات والألعاب النارية، وإلقاء زجاجات حارقة في وسط المدينة. كما تعرضت متاجر للتخريب والنهب، وفق شهود من رويترز، واستخدمت الشرطة خراطيم المياه ورذاذ الفلفل الحار للسيطرة على الموقف.

وامتدت الاضطرابات إلى هامبورج وكولونيا وبرلين، حيث قالت الشرطة إن متظاهرين استهدفوا عناصرها، وأضرموا النيران في بعض الحواجز، فيما أُصيب عدد من أفراد الشرطة ونُفذت توقيفات. ونأت المبادرة المنظمة بنفسها عن أعمال العنف، مؤكدة أن هدف الاحتجاجات هو المطالبة بتحسين الأوضاع الاجتماعية والتعليمية، وليس الاشتباك مع قوات الأمن.

البرتغال.. أزمة السكن تصعّد المواجهة

أما في البرتغال، فتركزت الاحتجاجات على أزمة السكن، مع عودة آلاف الأشخاص إلى ساحة روسيو في لشبونة، السبت، للمطالبة بسحب مشروع قانون للإيجارات، تقول حركات مدافعة عن الحق في السكن إنه سيزيد صعوبة الحصول على مسكن مناسب.

وتواجه البرتغال أزمة متفاقمة في القدرة على تحمل تكاليف السكن؛ إذ تضاعفت أسعار المنازل بأكثر من مرتين منذ عام 2017، واقتربت إيجارات العقود الجديدة من الضعف خلال الفترة نفسها، ما جعل الشباب من أكثر الفئات تضررًا.

ويعترض المحتجون على مشروع قانون حكومي يسهّل إجلاء المستأجرين ويلغي سقف الإيجارات للعقود الجديدة. وكان المشروع اجتاز القراءة الأولى في البرلمان، مع امتناع حزب "شيغا" اليميني المتطرف عن التصويت، فيما استبعد رئيس الوزراء لويس مونتينيجرو سحبه، لكنه أبدى استعداده لإدخال تعديلات عليه قبل التصويت النهائي المرتقب خلال الأسابيع المقبلة.

وقالت ريتا سيلفا، المتحدثة باسم حركة "كازا بارا فيفير" المدافعة عن الحق في السكن، إن الحكومة لا تبدي استعدادًا للاستماع إلى مطالب المحتجين، مؤكدة استمرار التظاهرات. ودعا زعيم الحزب الاشتراكي جوزيه لويس كارنيرو الحكومة إلى الحوار مع المعارضة والمحتجين بدلًا من فرض رؤيتها، فيما قال وزير الداخلية لويس نيفيس إن الحكومة تحترم حق التظاهر، شريطة الالتزام بالقانون.

لكن المواجهة لم تتوقف عند المسيرات. ففي الساعات الأولى من صباح اليوم الأحد، داهمت شرطة مكافحة الشغب مخيمين أقامهما محتجون في لشبونة وبورتو، وأوقفت 13 شخصًا، ستة في العاصمة وسبعة في بورتو، وفق بيان للشرطة، بعد رفضهم الامتثال لأوامر فضّ الاحتجاج.

وقالت الشرطة إن عناصرها تعرضوا للرشق بالقوارير والطلاء خلال تفكيك المخيمين، وإن 13 من أفرادها أُصيبوا، نُقل ثمانية منهم إلى المستشفى. كما ذكرت أن ثلاثة من عناصرها بملابس مدنية كانوا يراقبون المحتجين في بورتو تعرضوا للاعتداء، وأن أحدهم أشهر سلاحه في مواجهة المتظاهرين.

في المقابل، قالت مجموعة الناشطين "أكامبادا لشبونة" إن أكثر من 30 متظاهرًا أصيبوا خلال العملية، بينهم عشرة نُقلوا إلى المستشفيات، كما نشرت صورًا لأشخاص ظهرت عليهم آثار دماء وكدمات، متهمة الشرطة باستخدام العنف ضد المحتجين. ودعت المجموعة إلى تجمع جديد في لشبونة، مؤكدة أن المحتجين لن يتراجعوا.