أسوشيتد برس/ناتاشا بيسارينكو
الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، يحيّي أحد أنصاره خلال آخر تجمع انتخابي لحملته عشية جولة الإعادة في الانتخابات الرئاسية، في ساو باولو، السبت 24 أكتوبر/تشرين الأول 2026

قلب تأخره إلى فوز تاريخي.. كيف هزم لولا دا سيلفا منافسه وترامب؟

قسم الأخبار
منشور الاثنين 26 تشرين الأول/أكتوبر 2026

فاز الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا بولاية رئاسية رابعة غير متتالية، بعدما قلب تأخره في الجولة الأولى إلى فوز على منافسه السيناتور اليميني فلافيو بولسونارو، نجل الرئيس السابق جايير بولسونارو، في انتخابات عكست استمرار الاستقطاب السياسي الحاد في البلاد، وأوقفت مساعي عائلة بولسونارو للعودة إلى السلطة.

وبعد فرز الأصوات، أعلنت المحكمة الانتخابية العليا البرازيلية حصول لولا على نحو 51.8% من الأصوات الصحيحة، مقابل 48.2% لمنافسه، بفارق يقارب 4.4 مليون صوت.

وحصل الرئيس على نحو 64.26 مليون صوت، مقابل 59.83 مليون صوت لفلافيو، فيما بلغت نسبة المشاركة نحو 80.8%، وفق النتائج الرسمية. وبذلك، أصبح لولا أول رئيس برازيلي يفوز بولاية رئاسية رابعة، والأول الذي ينجح في الجولة الثانية بعدما حل ثانيًا في الجولة الأولى.

ولولا، النقابي السابق وأحد مؤسسي حزب العمال، حكم البرازيل لولايتين متتاليتين بين عامي 2003 و2010. وخلالهما، أطلق برامج اجتماعية، من أبرزها "بولسا فاميليا"، الذي ساهم في الحد من الفقر، قبل أن يغادر الرئاسة بشعبية تجاوزت 80%.

لكن مسيرته السياسية تعرضت لانتكاسة بعد إدانته في قضايا فساد وسجنه 580 يومًا بدءًا من أبريل/نيسان 2018، ما حال دون خوضه الانتخابات الرئاسية في العام نفسه، التي فاز بها جايير بولسونارو. وفي مارس/آذار 2021، ألغت المحكمة العليا إدانات لولا لأسباب إجرائية تتعلق بالاختصاص القضائي، ما أعاد إليه حقوقه السياسية ومهّد لعودته إلى السباق الرئاسي.

وفي أكتوبر/تشرين الأول 2022، هزم لولا جايير بولسونارو بفارق ضئيل، بعدما حصل على 50.9% من الأصوات مقابل 49.1% لمنافسه، في انتخابات عكست انقسامًا حادًا داخل المجتمع البرازيلي.

ولم يعترف الرئيس السابق صراحة بالهزيمة، قبل أن يقتحم أنصاره مقار السلطات الثلاثة، بما فيها القصر الرئاسي والبرلمان والمحكمة الاتحادية العليا، في 8 يناير/كانون الثاني 2023، بعد أسبوع من تنصيب لولا لولايته الثالثة.

المقاطعون يقلبون الموازين

لم تُحسم الانتخابات من جولتها الأولى في 4 أكتوبر الجاري، بعدما أخفق المرشحان في الحصول على الأغلبية المطلقة من الأصوات الصحيحة. وتصدر فلافيو بولسونارو النتائج بنسبة 47.03%، مقابل 45.16% للولا، بفارق تجاوز 2.2 مليون صوت.

وفي الوقت نفسه، امتنع نحو 33.4 مليون ناخب عن التصويت، بما يعادل 21.08% من الناخبين المسجلين، في واحدة من أعلى نسب العزوف في الجولات الأولى منذ انتخابات 1998. لذلك، لم يكن التحدي أمام لولا مجرد استقطاب أصوات جديدة، بل إقناع الناخبين الذين غابوا عن الجولة الأولى بالعودة إلى صناديق الاقتراع.

وبعد الجولة الأولى، أعادت حملة لولا ترتيب أولوياتها، وركزت على تعبئة الناخبين المترددين، خصوصًا من صوّتوا له في انتخابات سابقة ثم غابوا هذه المرة. واعتمدت الحملة على التحركات الميدانية وشبكات التواصل الرقمي، إلى جانب قناة "جيش لولا" على واتساب، التي استخدمها أنصار الرئيس لتنسيق أنشطتهم وتداول الرسائل الانتخابية.

كما كثفت الحملة حضورها على منصات السوشيال ميديا، في محاولة لتحويل حالة العزوف إلى مشاركة انتخابية فعلية، وهو ما نجحت فيه فعليًا بخفض العزوف من 21% إلى نحو 19%، بحسب تحليل لشبكة CNN.

وتصدرت قضايا غلاء المعيشة والجريمة والفساد، إلى جانب الاستقطاب السياسي، اهتمامات الناخبين. ففيما ركز لولا على البرامج الاجتماعية وتخفيف الأعباء الاقتصادية عن الأسر، وحماية البيئة ومناهضة العنف ضد النساء، قدّم فلافيو بولسونارو نفسه باعتباره مرشحًا للأمن ومكافحة الجريمة والفساد والانضباط المالي، مع تبني توجه اقتصادي أقرب إلى آليات السوق، وفق CNBC.

النساء والفقراء وكبار السن

ركزت حملة لولا على استقطاب ثلاث فئات رئيسية: النساء، والفئات الأقل دخلًا، وكبار السن. وتشكل النساء نحو 52.6% من الناخبين المسجلين، ما جعلهن شريحة مهمة في حسابات المرشحين. واستهدفت حملة لولا، على وجه الخصوص، الأمهات المعيلات في الضواحي والمناطق الطرفية، مستفيدة من تعهداتها بتعزيز الدعم الاجتماعي وتقليص الفجوة في الأجور بين الرجال والنساء.

ولم يقتصر دور النساء على التصويت، بل امتد إلى المشاركة في التعبئة داخل الأسر والأحياء، عبر لقاءات وفعاليات هدفت إلى توسيع التأييد للولا. وسعت الحملة كذلك إلى الوصول إلى الناخبين الأكثر فقرًا، الذين قد تحول تكاليف التنقل دون وصولهم إلى مراكز الاقتراع، من خلال دعم إتاحة النقل العام وتسهيل الانتقال إلى مراكز التصويت.

وامتدت جهود التعبئة إلى كبار السن، ولا سيما من تجاوزوا السبعين، إذ يجعل القانون البرازيلي التصويت لهذه الفئة اختياريًا. وحاولت الحملة حثهم على المشاركة، مستندة إلى خطاب يربط التصويت بالحفاظ على المكتسبات الاجتماعية والديمقراطية.

وفي سباق حسمته فوارق ضيقة، كانت تعبئة الناخبين وتوسيع المشاركة عاملين مهمين في قلب النتيجة لمصلحة لولا. لكن الفوز لم يكن نتيجة التحرك الانتخابي وحده؛ إذ تداخلت معه مخاوف قطاعات من الناخبين بشأن عودة عائلة بولسونارو، فضلًا عن القضايا الاقتصادية والاجتماعية التي هيمنت على الحملة، حسب CNN.

هزيمة لترامب أيضًا

لا تقتصر دلالات النتيجة على السياسة الداخلية البرازيلية، إذ تمثل انتكاسة لمساعي عائلة بولسونارو للعودة إلى الحكم، كما تأتي في وقت تصاعدت فيه الضغوط الأمريكية على حكومة لولا، على خلفية محاكمة الرئيس السابق جايير بولسونارو وإدانته بالتخطيط لانقلاب.

وكان جايير بولسونارو قد حُكم عليه في سبتمبر/أيلول 2025 بالسجن 27 عامًا بتهمة التخطيط لانقلاب لمنع لولا من تولي الرئاسة بعد انتخابات 2022. وفي هذا السياق، دخل ابنه فلافيو، السيناتور وأحد أبرز حلفاء الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في البرازيل، السباق الرئاسي ساعيًا إلى استعادة السلطة لعائلته.

وكشف تحقيق لرويترز عن تحركات لمسؤولين في إدارة ترامب لدعم عودة عائلة بولسونارو إلى الحكم. ووفق التحقيق، دفع دارين بيتي، المسؤول في وزارة الخارجية الأمريكية المعني بشؤون نصف الكرة الغربي، وريكاردو بيتا، المسؤول الرفيع في الوزارة، باتجاه إجراءات استهدفت إضعاف حكومة لولا ودعم معسكر بولسونارو.

وأشار التحقيق، الذي استند إلى إفادات عشرة مسؤولين أمريكيين حاليين وسابقين، إلى أن بعض هذه الجهود بدأت بدعم عودة جايير بولسونارو، ثم تحول إلى دعم ابنه بعد إدانة الرئيس السابق.

وكانت واشنطن فرضت في يوليو/تموز 2025 رسومًا جمركية بنسبة 50% على معظم السلع البرازيلية، وربط ترامب هذه الخطوة صراحة بمحاكمة بولسونارو، منتقدًا ما وصفه باستهداف الرئيس السابق. كما فرضت الإدارة الأمريكية عقوبات على القاضي ألكسندر دي مورايس، الذي قاد التحقيقات المتعلقة ببولسونارو، وألغت تأشيرات ثمانية من قضاة المحكمة العليا البرازيلية.

وفي مايو/أيار 2026، أعلنت واشنطن تصنيف أكبر عصابتين إجراميتين في البرازيل، "القيادة الأولى للعاصمة/PCC" و"القيادة الحمراء - كوماندو فيرميليو"، منظمتين إرهابيتين أجنبيتين. وأثار القرار اعتراضات من حكومة لولا، التي حذرت من أن مثل هذه الخطوة قد تفتح المجال أمام تدخل أمريكي في الشؤون الداخلية للبلاد.

في المقابل، اتهم لولا واشنطن مرارًا بالمساس بسيادة البرازيل، وقدّم منافسه باعتباره امتدادًا سياسيًا لترامب، ووصف الإجراءات التجارية الأمريكية بأنها شكل من أشكال التنمر على بلاده.

لكن الضغوط الأمريكية لم تحقق هدفها المعلن في وقف محاكمة بولسونارو؛ بل رأى محللون برازيليون نقلت عنهم رويترز أن الرسوم الجمركية ساهمت في تعزيز خطاب لولا القائم على الدفاع عن السيادة الوطنية، ورفعت مستوى التأييد له في استطلاعات الرأي.

وبذلك، أضاف فوز الرئيس البرازيلي إلى دلالاته الداخلية بُعدًا خارجيًا، إذ أبقى أكبر اقتصاد في أمريكا اللاتينية بقيادة حكومة تتبنى سياسة خارجية مستقلة عن واشنطن.

التحدي الصعب

على الرغم من فوزه بالرئاسة، يواجه لولا ولاية جديدة أكثر تعقيدًا على المستوى الداخلي. فالرئيس الذي سيبدأ ولايته الرابعة في يناير/كانون الثاني 2027، سيضطر إلى التعامل مع برلمان يميل إلى المحافظة، يتمتع فيه الحزب الليبرالي الذي ينتمي إليه فلافيو بولسونارو بكتلة كبيرة، إلى جانب حلفاء من اليمين واليمين المحافظ.

وبحسب تقديرات نقلتها "يو إس نيوز"، قد يسيطر الحزب وحلفاؤه على أكثر من 280 مقعدًا في مجلس النواب ونحو 50 مقعدًا في مجلس الشيوخ، ما يمنحهم قدرة على تعطيل أجزاء من الأجندة الاجتماعية والاقتصادية للرئيس خلال ولايته الجديدة الممتدة بين عامي 2027 و2030، أو فرض تنازلات خلال المفاوضات التشريعية.

كما رفض فلافيو بولسونارو الاعتراف بالنتيجة، وأعلن عزمه المطالبة بإبطال الانتخابات، احتجاجًا على قرار قضائي بتمديد التصويت ساعتين بسبب مشكلات في النقل العام وأحوال الطقس. 

ويعيد هذا الموقف إلى الأذهان رفض والده الإقرار بهزيمته في انتخابات 2022، لكن خبراء قانونيين رأوا، بحسب رويترز، أن الطعن يواجه عقبات قانونية، خصوصًا في ظل تأكيد السلطات الانتخابية أن تمديد التصويت لم يغيّر النتيجة.

اقتصاديًا، يبدأ لولا ولايته الجديدة وسط ضغوط تتعلق بالنمو والدين العام وأسعار الفائدة. ولا تتوقع الحكومة نموًا يتجاوز 2.3% في العام المقبل، فيما تخطى الدين العام 82% من الناتج المحلي الإجمالي، وفق الأرقام الواردة في التقديرات الحكومية، ما يحد من هامش الإنفاق ويزيد صعوبة الوفاء بالتعهدات الاجتماعية.