الصفحة الرسمية للرئيس عبد الفتاح السيسي
الرئيس السيسي خلال المؤتمر الخامس للشباب، مايو 2018

ترحيب حذر بنفي السيسي "المساس بالدستور".. وقلق من تكرار سيناريو 2019

محمد نابليون محمد الخولي جاسر الضبع
منشور الخميس 15 تشرين الأول/أكتوبر 2026

استقبلت قوى وشخصيات سياسية من الموالاة والمعارضة إعلان الرئيس عبد الفتاح السيسي أمس الأربعاء "عدم المساس" بالدستور بترحيب حذر، فيما أعرب باحثون وخبراء تحدثت إليهم المنصة عن مخاوفهم من "مفاجآت" أو مساعٍ للتحايل على تصريحاته.

وأنهى إعلان الرئيس أمس، خلال كلمة ألقاها في الندوة التثقيفية الرابعة والأربعين للقوات المسلحة بعنوان "وطن الأبطال"، بمناسبة الذكرى الثالثة والخمسين لانتصارات أكتوبر، أسابيعَ من الجدل الذي أثارته دعوات مقربين من الدولة ومؤيدين لها بإجراء تعديلات دستورية، تتيح للسيسي الترشح في انتخابات رئاسة الجمهورية بعد نهاية ولايته الثالثة والأخيرة عام 2030. 

وعاد الرئيس اليوم ليؤكد في مأدبة إفطار أقامتها أكاديمية الشرطة على هامش حفل تخريج دفعة جديدة منها، أنه "سوف يستمر في العمل حتى آخر يوم من مدة سيادته في منصبه عام 2030"، حسب البيان الذي أرسلته رئاسة الجمهورية إلى وسائل الإعلام، قبل أن تُعدَّل الصياغة في البيان الذي نشرته على حساب المتحدث الرسمي باسمها على فيسبوك، لتصبح "مؤكدًا سيادته أنه سوف يستمر في العمل حتى آخر يوم لي في الحكم".

ويقيّد دستور 2014 المدد الرئاسية للرئيس باثنتين، ولكنَّ تعديلات أُدخلت عليه عام 2019 زادت المدّة الرئاسية من 4 إلى 6 سنوات، وأضافت مادة انتقالية تتيح لـ "الرئيس الحالي"، استثناءً، الترشح لمدّة ثالثة تنتهي في 2030. كما وسَّعت التعديلات من سيطرةِ الرئيس على القضاء، ونفوذِ الجيش في الحياة السياسية.

واستبق الرئيس السيسي هذه التعديلات بتأكيده في مقابلة تليفزيونية عام 2017 أنه "مع الالتزام بفترتين رئاسيتين مدة الواحدة منهما أربعة أعوام ومع عدم تغيير هذا النظام"، وأضاف "أقول إن لدينا دستورًا جديدًا الآن، وأنا لست مع إجراء أي تعديل في الدستور في هذه الفترة". إلا أن الشهور التالية لإعلانه شهدت دعوات برلمانية وحزبية وشعبية لتعديل الدستور واستمراره لمدة رئاسة ثلاثة.

ترحيب ولكن

بعد ساعات من بث كلمة الرئيس، أصدرت الحركة المدنية الديمقراطية بيانًا رحَّب بالإعلان باعتباره "خطوة إيجابية تعزز احترام النصوص الدستورية"، ودعا "إلى أن يتحول إلى التزام عملي يفتح الباب أمام مرحلة جديدة، يشعر فيها المصريون بأنهم شركاء حقيقيون في صياغة مستقبل وطنهم".

وطالبت الحركة لترسيخ احترام الدستور والالتزام بتداول السلطة، باتخاذ "إجراءات ملموسة، من بينها تهيئة مناخ سياسي يتيح المنافسة العادلة، وضمان الحقوق والحريات العامة، والإفراج عن سجناء الرأي، وإفساح المجال أمام حوار وطني جاد وشامل".

من جانبه، وصف المرشح الرئاسي السابق حمدين صباحي إعلان السيسي بأنه "خير القول ونرجو أن يؤدي إلى خير العمل".

أما السفيرة مشيرة خطاب رئيسة المجلس القومي لحقوق الإنسان سابقًا، فأعربت عن "سعادتها" بتصريح الرئيس، معتبرةً في مقابلة ستبثها المنصة لاحقًا أن "دستور 2014 هو أفضل دستور في تاريخ مصر فيما يتعلق بالحقوق والحريات". 

ووصفت خطّاب التي تولّت أيضًا وزارة الأسرة والسكان في حكومة أحمد شفيق عام 2011، السياق والطريقة التي وضعت بها لجنة الخمسين "التي كانت تمثل كافة طوائف الشعب المصري" دستور 2014 بـ"الطريقة الديمقراطية".

وأكدت أن ما يحتاج إلى التغيير هي القوانين التي قد تقف عقبة في طريق ضمان الحقوق، مشددةً على أن "تحقيق ما جاء في الدستور من حقوق وواجبات لا سيما الاقتصادية منها مرتبط بالظروف التي تمر بها البلاد ويحتاج إلى وقت وجهد من جميع الأطراف".

شبح 2019

من جانبه، أكد الدكتور عمرو هاشم ربيع، نائب رئيس مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، أن القراءة المباشرة لتصريحات الرئيس الأخيرة تعني بالضرورة التزامه بفترة ولايته الحالية التي تنتهي في عام 2030.

مع ذلك، لم يستبعد ربيع، وهو متخصص في الشؤون البرلمانية والانتخابية وقضايا الأحزاب السياسية، سيناريوهات أخرى قد تطرأ على المشهد "لو اشتغلت أبواق إعلامية معينة، وبدأت نغمة مفيش راجل في مصر ومحتاجين الرئيس يكمل، هنا قد يتغير الكلام"، وفق حديثه إلى المنصة.

ويُصر ربيع "طالما الرئيس قال بلسانه الدستور مش هيتغير، يعني معناه أنا مش قاعد لكم.. واليوم نحن بانتظار رئيس جديد لمصر في 2030، ما لم تحدث مفاجآت". واعتبر ربيع أن هذه التصريحات "جريئة ومحترمة جدًا وتستحق أن ترفع لها القبعات"، مشيرًا إلى أن صدور مثل هذا الإعلان من رئيس في دولة نامية هو أمر نادر.

أما أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة مصطفى كامل السيد فشكك في وجود نوايا حقيقية للتحول السياسي مستحضرًا تجربة تعديلات 2019. لكنه أشار في حديثه لـ المنصة إلى أن خريطة السنوات الأربع المتبقية من ولاية الرئيس ستكون كفيلة بكشف مدى حسم هذا القرار.

ويرى كامل السيد أن المسألة الجوهرية لا تكمن فقط في عدم تعديل نصوص الدستور، بل في "إعمالها وتفعيلها"، في إشارة إلى المعتقلين وحالات الحبس الاحتياطي الممتدة لآلاف المواطنين دون محاكمات.

السيناريو الروسي

لا يستبعد عمرو هاشم ربيع سيناريو آخر محتملًا، أسماه "السيناريو الروسي"، في إشارة انتخاب ديميتري ميدفيديف رئيسًا لروسيا عام 2008 لولاية واحدة، نظرًا لعدم جواز ترشح فلاديمير بوتين دستوريًا لولاية ثالثة متتالية، ليكتفي الأخير بمنصب رئيس الوزراء مؤقتًا لأربع سنوات قبل أن يعود للرئاسة مجددًا في انتخابات 2012.

وقال إنه من الوارد دستوريًا أن يأتي رئيس جديد لفترة واحدة 6 سنوات، ثم يعود الرئيس السيسي للترشح مجددًا، لافتًا إلى أن "هذا السيناريو يظل مطروحًا وقانونيًا تمامًا، رغم أن السيسي سيكون حينها قد تجاوز الثمانين من عمره"، مضيفًا "نحن نضرب الودع، وكل شيء وارد". 

وفي كل الأحوال يرى ربيع أن مجرد تعديل الدستور لا يجدي ولا يضمن استمرار السيسي في الحكم، مؤكدًا أن تعديل مدد الرئاسة مجددًا يواجه عائقًا دستوريًا واضحًا في المادة 226 والتي تنص على أن الضمانات الدستورية، بما فيها مدد الرئاسة، "لا يجوز تعديلها ما لم يكن التعديل متعلقًا بمزيد من الضمانات"، مما يعني استحالة تمديد المدة بتعديل دستوري، بل يتطلب الأمر وضع "دستور جديد" بالكامل، وهو ما نفاه الرئيس.

خلف الرئيس دائمًا

في يوليو/تموز الماضي، دعا عصام خليل، رئيس حزب المصريين الأحرار المؤيد للرئيس إلى كتابة دستور جديد للجمهورية الجديدة، وهو ما عاد ليتداركه في تصريحاته لـ المنصة اليوم بالقول "أنا لما اتكلمت وقلت بضرورة وضع دستور جديد للبلاد كنت بتكلم وفقًا لوجهة نظري والمعلومات اللي عندي.. لكن الرئيس رجل مخابراتي ولديه معلومات أشمل ورؤيته أكثر دقة".

وأضاف "مش عايز أسبق الأحداث ومش عايزين نشغل نفسنا بالحكاية دي دلوقتي. لما ييجي وقتها يبقى يحلها ألف حلَّال"، دون إيضاح المزيد من التفاصيل.

وقال خليل إن معنى كلام الرئيس أمس أنه "لا يطمع في حكم مصر وإنما يطمح في أن تكون مصر قوية"، وأن "المطلوب دلوقتي أننا نقف خلف الرئيس ووقتها إن شاء الله يبقى لكل حادث حديث"، مؤكدًا على ضرورة عدم اجتزاء خطاب الرئيس، وأنه "يجب أن ننصت لكلام الرئيس عندما قال إن الشعب هو حائط الصد الأول". 

وأشار الرئيس في حديثه بالأمس إلى "ما تشهده الساحة خلال الأشهر الماضية من شائعات ومحاولات متعمدة لتزييف الوعي واستثارة الرأي العام"، ووضعه في إطار "مساعٍ تستهدف زعزعة الاستقرار وتفجير الأوضاع داخل الدولة المصرية. وأكد سيادته أن مسؤولية مواجهة هذه المخططات تقع على عاتق الجميع، من خلال رفع مستوى الوعي وتوضيح الحقائق للرأي العام".

ووجه الرئيس "نداءً إلى جميع المصريين، شبابًا وشيوخًا، رجالًا ونساءً، بضرورة التمسك بوطنهم وتعزيز وعيهم وتحصين بلادهم ضد محاولات الاستهداف والتآمر، مؤكدًا أن الحفاظ على الدولة هو المسؤولية الوطنية الأولى للجميع. وأضاف سيادته في هذا الصدد: 'حصنوا بلدكم ضد هذه المؤامرة.. ولا أقول حصنوا الرئيس'" وفق بيان الرئاسة. 

وأضاف خليل أن "القوى السياسية لازم تقعد مع نفسها وتشوف هل هي قادرة تشيل حمل البلد دي فعلًا؟".

لا يرى عمرو هاشم ربيع أي قدرة لدى الأحزاب السياسية على تقديم بديل في 2030، كونها تعاني من ضعف شديد ولا تمتلك أي صدى حقيقي في الشارع، قائلًا إن "الأحزاب ليس لديها مرشحون، وقد يأتي البديل من مؤسسات الدولة، وهذا وارد بقوة".

محلك سر؟

لا يستبعد أستاذ العلوم السياسية مصطفى كامل السيد وجود رابط بين تصريحات السيسي والتقارير التي رصدت عدم رضا قطاعات واسعة من الرأي العام عن الدعوات التي أطلقها بعض مؤيدي السلطة أو المقربين منها لفتح مدد الرئاسة في الدستور مجددًا.

وأوضح أن مؤسسة الرئاسة تدرك دقة المرحلة الحالية التي تمر بها البلاد داخليًا وخارجيًا؛ فمن الناحية الداخلية، تسببت سياسات الإصلاح الاقتصادي في الضغط على المواطنين جراء ارتفاع الأسعار وتراجع قدرة الحكومة على الإنفاق على الخدمات الأساسية، وإقليميًا تحيط بمصر المخاطر والاضطرابات من كافة الجهات شرقًا وجنوبًا وغربًا. 

وبحسب كامل، في ظل هذه الظروف رأى الرئيس أنه من الضروري تخفيف حدة الاحتقان الداخلي بتوجيه رسالة طمأنة حول احترام المدد الدستورية، ولكنه مع ذلك استبعد حدوث أي تغيير مرتقب في السياسات الاقتصادية أو إدارة الشأن السياسي، ملمحًا إلى أن السلطة حريصة قبل كل شيء على الاستقرار، وأن المشهد السياسي سيبقى أقرب إلى حالة "محلك سر".