رغم التوجيهات الرئاسية بحماية الأشجار.. استغاثات من تجريف حديقة "الشطر الثاني" بزهراء المعادي
استغاث عدد من سكان منطقة زهراء المعادي برئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء، للتدخل العاجل ووقف تجريف حديقة "الشطر الثاني" بزهراء المعادي، باعتبارها المتنفس الأخضر الوحيد المتبقي بالمنطقة، رافضين تحويلها إلى مشروعات استثمارية تضم أكشاك وكافيهات.
مطالب الأهالي عبّرت عنها لمياء أحمد، إحدى السكان، في حديث لـ المنصة بقولها "مطالبنا عودة الشيء لأصله، وأن الحديقة ترجع زي ما كانت خضراء ومليانة شجر".
وأوضحت لمياء أحمد، المقيمة بالمنطقة منذ التسعينيات، أن تجريف الحديقة بدأ منذ فترة ثم توقف مؤقتًا، قبل أن يُستأنف بقوة رغم التوجيهات الرئاسية الأخيرة بشأن الحفاظ على المساحات الخضراء "كأنهم بيلحقوا يكملوا تخريب قبل ماحد ياخد باله! وفعلًا شالوا نصف الحديقة بعدها توقفوا لما السكان أبدوا انزعاجهم، قبل أن يعودوا منذ 3 أيام بكامل المعدات والجرافات ليتم القضاء على الحديقة تمامًا".
خصوصية بيئية
وحسب محمود عبد الفتاح، أحد السكان المتضررين، تشهد زهراء المعادي منذ عامين إزالة ممنهجة للمسطحات الخضراء دون دراسة أو جدوى مرورية حقيقية؛ مضيفًا لـ المنصة أن "أعمال التجريف شملت إزالة الجزيرة الخضراء في شارع الخمسين، والجزر الخضراء في شارع الزهراء، وأخيرًا إزالة الحدائق المعزولة المتبقية، وآخرها حديقة الشطر الثاني التي نستغيث بشأنها، لتصبح الحديقة الثالثة التي يتم إزالتها خلال السنتين الماضيتين".
ويشرح عبد الفتاح الخصوصية الطبيعة والبيئية لمنطقة زهراء المعادي، محذرًا من غياب المساحات الخضراء على صحة الأهالي "تقع زهراء المعادي بين هضبتين؛ شق الثعبان وهضبة المقطم، أي أن الظهير لها مناطق محاجر ومصانع تتطاير منها الأتربة والغبار بكميات ضخمة جدًا"؛ مشيرًا إلى أن التخطيط العمراني قبل ثلاثة عقود اعتمد تلك الحدائق كفلاتر طبيعية لتنقية الهواء وحماية البيئة.
كما ينتقد عبد الفتاح ما شهدته زهراء المعادي من تحويل الجزر الوسطى لتوسعات خرسانية غير مجدية "للأسف المنطقة أصبحت تعاني منذ عامين، بعد إنشاء عدة كباري، وإزالة الجزر الوسطى المزروعة والتي كان يبلغ عرضها 6 أمتار، وتم تقليصها لتصبح مترًا واحدًا أو مترًا ونصف، فضلًا عن إزالة الأشجار الكبيرة جدًا والمساحات الخضراء التي كانت مزروعة على يمين ويسار شارع الزهراء، بحجة توسعة الشارع التي لم تقدم أي إضافة حقيقية للمنطقة لإنها هادية بطبيعتها وكثافتها السكانية منخفضة".
وحول سبل التحرك الرسمي، أكد تقديم شكاوى عديدة للأجهزة التنفيذية دون جدوى "تقدمنا بشكاوى كتير لحي المعادي وكذلك السكان في البساتين لإن منطقة المعراج العلوي تواجه نفس أزمتنا، لكن للأسف كل الشكاوى محلها الأدراج وبس، محدش بياخد أي إجراء فعلي على الأرض بمنع هذه الكارثة البيئية، رغم تصريحات رئيس الجمهورية بأهمية الحفاظ على المساحات الخضراء، زي ما يكون في عِند مع السكان".
غياب التشريع وتآكل الرقابة
من جهته، اعتبر رئيس مجلس أمناء المؤسسة المصرية للحقوق البيئية، المحامي أحمد الصعيدي، أن استمرار قطع الأشجار رغم التوجيهات يعود لغياب السياسات الملزمة، موضحًا لـ المنصة "للأسف هذه التصريحات ستظل غير كافية بمفردها، ما لم تُترجم إلى قرارات وسياسات تنفيذية مستحدثة وواضحة على أرض الواقع".
وانتقد الصعيدي التناقض بين الخطاب الرسمي المعلن والواقع الميداني "نسمع تصريحات المحافظين الوردية للإعلام، ثم نشاهد ممارستهم لهذه الانتهاكات على الأرض، فمن يجرف حديقة الزهراء الآن؟! سوى الوحدة المحلية في الحي، للأسف السياسات المتهالكة الحالية هي التي يستغلها صناع القرار في عمليات التجريف".
وحاولت المنصة التواصل مع نائب محافظ القاهرة للمنطقة الجنوبية، المهندس أشرف منصور، لاستيضاح أسباب تجريف حديقة زهراء المعادي، لكنه رفض التعليق، وأحال التساؤلات إلى المتحدثة باسم المحافظة عزة عتريس، التي نفت بدورها معرفتها بالموضوع ورفضت الإدلاء بأي تعقيب.
ويتوقف المحامي البيئي أحمد الصعيدي عند ما تعانيه مصر من قصور تشريعي في مجال حماية المساحات الخضراء والحدائق بالمدن الحضرية اعتماد نص المادة 19 من قانون البيئة نظام تقييم الأثر البيئي للمشروعات.
مضيفًا "لا يُعقل دولة بحجم مصر ميبقاش لها قانون واحد وجهة واحدة تتولي مسألة حماية المساحات الخضراء، لذا نأمل استمرار حزب الدستور في تقديم مشروع القانون المقترح منه لهذا الغرض إلى البرلمان، لأنها ستكون خطوة ضرورية لإنقاذ ما تبقى من حدائق".
أولوية الاستثمار على حساب الصحة
وطالب الصعيدي بإلزامية عقد جلسات الاستماع المجتمعي قبل المساس بالمساحات العامة "إحنا مش هنخترع العجلة، هذا أسلوب متبع في كل دول العالم، ومنصوص عليه في قانون البيئة المصري، لازم أسأل السكان هل إنشاء كافية هنا مناسب لك ولا لأ!"، معتبرًا أن ما يجري هو هيمنة للنزعة الاستهلاكية للوحدات المحلية على حساب السكان.
ويصف الصعيدي ما يحدث بأنه تعظيم لموارد الحي دون النظر للأبعاد الحضرية "الحي عايز أي فلوس وتعظيم لموارد الوحدة المحلية، ونشر ثقافة ذهاب جميع المصريين للمول والمطاعم السريعة، حتى لو تم ذلك على حساب طبيعة المكان أو البيئة أو صحة السكان".
وحذر من تفاقم المخاطر الصحية لغياب الحزام الأخضر أمام مصادر التلوث "هناك حوالي 4 مصانع للأسمنت تعتمد على الفحم في مناطق طره، وأسمنت حلوان، والقطامية، فالناس دي المفروض تستنشق إيه؟ وإزاي يكونوا بيتنفسوا هوا طبيعي من غير ما يكون عندهم مساحات تنقي الجو؟".
وأشار الصعيدي إلى تراجع دور وزارة البيئة لصالح التنمية المحلية والمحليات "اللي بيحصل ده بيدل على إن مفيش أصلًا نظرة للملف البيئي، مفيش نظرة للصحة العامة ولا للمساحات العامة، إحنا مجرد بنشوف إن دي فرصة استثمارية فقط لا غير"، لافتًا إلى أن هذا المسار يخالف المادة 27 من الدستور التي تلزم الدولة بتحقيق التنمية المستدامة المتوازنة.
وإلى ذلك، عبّرت لمياء أحمد عن تمسك السكان بالحقوق التعاقدية المبرمة بينهم وبين شركة المعادي للإسكان والتعمير، المنفذة للعمارات السكنية المطلة على الحديقة، موضحة أن كراسات شروط شراء الوحدات المملوكة لهم تنص على تخصيص هذه المساحة كحديقة خاصة، مؤكدة أن إقامة أنشطة تجارية سيمثل تشويهًا للبيئة السكنية ويجلب تكدسًا وزحامًا مروريًا يفوق القدرة الاستيعابية للمنطقة.
وفي 6 سبتمبر/أيلول الماضي، وجه الرئيس عبد الفتاح السيسي الحكومة بتبني مشروع لـ"تخضير القاهرة"، يتضمن تحويل أي مساحة يتم إخلاؤها إلى مسطحات خضراء، في "إطار تطوير المناطق المحيطة بالمعالم التاريخية والتراثية بالعاصمة".
وصدرت تلك التوجيهات على خلفية انتقادات واسعة وجهت لتبني محافظة الجيزة حملة موسعة لقطع أشجار شارع جامعة الدول العربية وميدان مصطفى محمود بالمهندسين، بداعي زيادة عدد الحارات المرورية لمواجهة الكثافات المرورية، في ضوء التغيرات التي طرأت على شبكة الطرق المحيطة بالمنطقة.
وتبدلت على إثر تلك التوجيهات حملة شنتها المحليات لقطع الأشجار بمختلف المحافظات، إلى النقيض تمامًا خلال الشهر نفسه، جراء الغضب الواسع والمطالب النيابية التي نادت جميعها بوقف موجة إزالة الأشجار، إلى الحد الذي جعل محافظة القاهرة ذاتها المعنية بالحفاظ على حديقة الشطر الثاني بزهراء المعادي، تبادر في 24 سبتمبر/أيلول الماضي إلى الإعلان عن نقل شجرة بعد ست ساعات من "العمل المتواصل"، مستعينة بـ"أحدث الأجهزة والمعدات التي وفرتها الدولة" بعد سقوطها بشكل مفاجئ على أحد العقارات المجاورة بمنطقة مصر الجديدة.