حساب حامد عز الدين على فيسبوك
أعمال قطع الأشجار بالمهندسين، 3 سبتمبر 2026

"تخضير القاهرة" في مواجهة حملة القطع.. هل تعوض الشتلات الجديدة أشجارًا عمرها عقود؟

محمود عطية
منشور الاثنين 7 أيلول/سبتمبر 2026

أثارت أعمال إزالة الأشجار في عدد من مناطق القاهرة والجيزة خلال الأسبوع الماضي، انتقادات بين مواطنين وبرلمانيين ومهتمين بالشأن البيئي، خاصة مع ظهور أعمال قطع لأشجار قديمة في شارع جامعة الدول العربية وميدان مصطفى محمود بالمهندسين، بالتزامن مع أعمال تطوير الطريق.

وتداول مواطنون على السوشيال ميديا صورًا لعمليات إزالة الأشجار من الجزيرة الوسطى لشارع جامعة الدول مع تعليقات تستدعي أعمالًا مشابهة في محافظات عدة، وسط انتقادات لتراجع المساحات الخضراء في الشوارع وتساؤلات حول أسباب قطعها وما إذا كان يمكن نقلها بدلًا من إزالتها.

بحسب ما أعلنته وزارة التنمية المحلية والبيئة، فإن تطوير شارع جامعة الدول العربية وميدان مصطفى محمود يتضمن زيادة عدد الحارات المرورية لمواجهة الكثافات المرورية، في ضوء التغيرات التي طرأت على شبكة الطرق المحيطة بالمنطقة، ومنها محور كمال عامر وتطوير محور 26 يوليو وكوبري 15 مايو.

دفعت الانتقادات وزيرة التنمية المحلية والبيئة منال عوض إلى توجيه المسؤولين بحصر الأشجار التي جرى قطعها والوقوف على أسباب إزالتها بدلًا من نقلها، مع تعويض الأشجار المزالة بأعداد مضاعفة، ومراعاة اختيار الأنواع المناسبة لطبيعة المكان وأعمال التطوير.

وفي خضم هذا الجدل، وجه الرئيس عبد الفتاح السيسي، أول أمس السبت، الحكومة بتبني مشروع لـ"تخضير القاهرة"، يستهدف تحويل أي مساحة يتم إخلاؤها إلى مسطحات خضراء، في إطار تطوير المناطق المحيطة بالمعالم التاريخية والتراثية بالعاصمة.

واليوم، عقد رئيس مجلس الوزراء مصطفى مدبولي، اجتماعًا لمتابعة تنفيذ توجيهات السيسي، وكلف وزيرة التنمية المحلية بالبدء الفوري في تشجير الطريق الدائري وعدد من المحاور والطرق الرئيسية والاستعانة بالاستشاريين المتخصصين، فضلًا عن حصر أي أراضٍ حكومية فضاء والبدء في تحويلها إلى متنزهات ومسطحات خضراء وتعويض جهة الولاية بأراضٍ في المُدن الجديدة.

لكن بينما تتجه الحكومة إلى زيادة أعداد الأشجار والمساحات الخضراء، تطرح عمليات الإزالة سؤالًا آخر؛ هل يمكن أن تعوض الشتلات الجديدة الأشجار التي استغرق نموها عشرات السنين؟

هل تكفي زراعة أشجار جديدة؟

يقول أستاذ الموارد المائية بكلية الزراعة جامعة القاهرة نادر نور الدين، إن إزالة أشجار شارع جامعة الدول والدقي والمهندسين تهدر قيمة بيئية يصعب تعويضها بزراعة شتلات جديدة، مشيرًا إلى أن بعض الأشجار التي يجري قطعها في شوارع القاهرة والجيزة يصل عمرها إلى 70 عامًا، بينما يتجاوز عمر بعضها الآخر 150 عامًا.

وأوضح نور الدين لـ المنصة أن الأشجار الكبيرة توفر مساحات واسعة من الظل، ويمكن أن تخفض درجة الحرارة بنحو 4 إلى 8 درجات، وهو ما يجعل الحفاظ عليها ضرورة، خصوصًا مع ارتفاع درجات الحرارة خلال فصل الصيف.

وأضاف أن الأشجار الجديدة تحتاج إلى سنوات طويلة حتى تصل إلى الحجم الذي يسمح لها بتوفير الظل بالقدر نفسه، كما تحتاج خلال مراحل نموها إلى كميات من المياه والأسمدة والرعاية، بينما تكون الأشجار القديمة طورت مجموعًا جذريًا أكبر يجعلها أكثر قدرة على الحصول على احتياجاتها من المياه.

وأشار نور الدين إلى أن وجود الأشجار الكبيرة لا يعني استحالة نقلها، موضحًا أن هناك تقنيات تسمح بنقل بعض الأشجار باستخدام معدات متخصصة، عبر اقتلاعها مع كتلة من التربة والجذور المحيطة بها وإعادة زراعتها في موقع آخر، أو نقلها مؤقتًا إلى حين انتهاء أعمال التطوير ثم إعادتها بدلًا من قطعها.

ولفت إلى أن صلاحية الشجرة للنقل تختلف بحسب نوعها وحجمها وحالتها، لكن ذلك، من وجهة نظره، يجعل دراسة إمكانية النقل خطوة ينبغي أن تسبق قرار القطع، بدلًا من اعتبار زراعة شتلات جديدة بديلًا كافيًا.

وانتقد نور الدين ما وصفه بـ"الإهمال الشديد" تجاه المساحات الخضراء في مصر، قائلًا "كأن بيننا وبين اللون الأخضر عداء"، داعيًا إلى التوسع في التشجير والحفاظ على الأشجار القائمة، خصوصًا مع اتجاه دول صحراوية ومجاورة لمصر إلى التوسع في زراعة الأشجار والمسطحات الخضراء.

كما دعا إلى تعزيز صلاحيات وزارة البيئة، بحيث تخضع مشروعات التطوير لتقييم بيئي يدرس آثارها على الأشجار والمساحات الخضراء، معتبرًا أن حماية البيئة يجب أن تكون جزءًا من التخطيط لمشروعات الطرق والزراعة والصناعة، وليس إجراءً لاحقًا على تنفيذها.

أين الـ100 مليون شجرة؟

أعمال قطع أشجار شارع جامعة الدول العربية، 20 أغسطس 2026

وتأتي انتقادات إزالة الأشجار في وقت تنفذ فيه الدولة مبادرة "100 مليون شجرة"، التي أطلقتها في نوفمبر/تشرين الثاني 2022 وتستمر سبع سنوات، بهدف زيادة الرقعة الخضراء ومضاعفة نصيب الفرد من المساحات الخضراء وتحسين جودة الهواء وخفض الانبعاثات.

وتستهدف المبادرة زراعة 100 مليون شجرة بحلول العام المالي 2028-2029، وحددت خطتها في بدايتها نحو 9900 موقع على مستوى الجمهورية، بإجمالي مساحة تصل إلى 6600 فدان.

وبحسب وزارة البيئة، لا تستهدف المبادرة زيادة عدد الأشجار فحسب، وإنما اختيار أنواع تتناسب مع طبيعة كل منطقة والظروف المناخية والتربة، بما يحقق أكبر عائد بيئي ممكن.

لكن بالنسبة للمحامي أحمد الصعيدي، رئيس مجلس أمناء المؤسسة المصرية للحوكمة البيئية، فإن التوسع في زراعة الأشجار لا يحل بمفرده مشكلة فقدان الأشجار الموجودة بالفعل.

وقال الصعيدي لـ المنصة، إن المادة 45 من الدستور تنص على كفالة الدولة حماية وتنمية المساحات الخضراء في الحضر، إلا أن الواقع، من وجهة نظره، لا يعكس حماية فعلية للأشجار والمساحات الخضراء.

وأضاف تعليقًا على توجيه الرئيس بتخضير القاهرة "التوجيه لم يحتوِ على الحماية، ومفيش خالص كلام على المجازر اللي بتحصل بشكل يومي"، معتبرًا أن حماية الأشجار القائمة يجب أن تكون جزءًا واضحًا من أي سياسة تستهدف زيادة المساحات الخضراء.

ويرى الصعيدي أن الحل لا يتمثل في زراعة أشجار جديدة فقط لتعويض ما جرى قطعه، قائلًا "الحل مش في إن إحنا نزرع وخلاص"، موضحًا أن الأولى هو وقف إزالة الأشجار القائمة متى أمكن، بدلًا من قطعها ثم البحث عن وسائل لتعويضها.

وبشأن إعلان وزيرة التنمية المحلية والبيئة زراعة أشجار بديلة لما أزيل في شارع جامعة الدول العربية، قال الصعيدي "إحنا من 2016 بنعمل كده.. اللي اتقطع هنزرع مكانه"، معتبرًا أن تكرار هذه السياسة لا يعالج أصل المشكلة.

وأوضح أن الشجرة القائمة تمثل موردًا طبيعيًا استغرق سنوات طويلة حتى يصل إلى حجمه الحالي، وبالتالي فإن زراعة شتلة مكانها لا تعني استعادة القيمة البيئية نفسها على الفور.

غطاء أخضر يتراجع

ويكتسب النقاش أهمية أكبر في ظل تراجع المساحات الخضراء في القاهرة الكبرى خلال العقود الماضية.

وبحسب دراسة تناولت التغير في استخدامات الأراضي والغطاء الأخضر في القاهرة، تراجعت نسبة المساحات الخضراء من نحو 11.2% عام 2001 إلى 8.5% عام 2021، بانخفاض يقارب 24%، فيما فقدت القاهرة وحدها نحو 32 كيلومترًا مربعًا من المساحات الخضراء.

وتشير هذه الأرقام إلى أن نسبة زيادة الأشجار الجديدة تحتاج أن تُقاس إلى جانب ما تفقده المدن من مساحات خضراء قائمة، وليس بمعزل عنها؛ إذ إن ارتفاع عدد الأشجار المزروعة لا يعني بالضرورة زيادة مماثلة في إجمالي الغطاء الأخضر إذا استمرت إزالة مساحات قائمة.

ويرى الصعيدي أن جزءًا من المشكلة يتعلق بالإطار القانوني المنظم للتعامل مع الأشجار، مشيرًا إلى تعدد الجهات المعنية وتداخل الاختصاصات، وما يصفه بـ"فجوة قانونية" في تحديد قواعد واضحة للإزالة والنقل والتعويض.

وأضاف "إحنا محتاجين قانون لحماية الأشجار"، موضحًا أن التشريعات القائمة متفرقة وقديمة ولا توفر، من وجهة نظره، الحماية المطلوبة للأشجار الموجودة في المدن.

وأشار إلى أنه كان يتمنى أن يتضمن توجيه الرئيس دعوة إلى مجلس النواب للعمل على إعداد تشريع واضح ينظم حماية الأشجار، ويحدد ضوابط التعامل معها، والجهة صاحبة الاختصاص في اتخاذ قرار إزالتها.

ولا يعني ذلك عدم وجود نصوص قانونية تحظر الاعتداء على الأشجار؛ فقانون العقوبات يتضمن نصوصًا تجرّم في حالات محددة قطع أو إتلاف الأشجار والنباتات، كما ينص الدستور في مادته 45 على حماية وتنمية المساحات الخضراء في الحضر والحفاظ على الثروة النباتية.

لكن الخلاف، بحسب الصعيدي، يتعلق بمدى كفاية هذه النصوص في تنظيم قرار الإزالة نفسه، وضمان دراسة البدائل قبل القطع، وتحديد المسؤولية بين الجهات المختلفة.