"هندسة ترفع الحرج".. الحكومة تستعين بمستقبل وطن لتأجيل "الإجراءات الجنائية" وإنقاذ ماء وجهها
وافق مجلس النواب، بجلسته الطارئة العامة، اليوم الأربعاء، على إرجاء تطبيق قانون الإجراءات الجنائية الجديد لمدة عام إضافي، على أن يبدأ العمل به في الأول من أكتوبر/تشرين الأول 2027، وذلك قبل ساعات من الموعد الذي كان مقررًا لبدء العمل به ابتداءً من غدٍ الخميس.
وحسبما دار من مناقشات خلال الجلسة العامة لمجلس النواب اليوم، فوجئ النواب المستقلون والمعارضة، مساء أمس، بدعوتهم من رئيس الجمهورية لعقد جلسة طارئة لمناقشة أمر لم يُعلن عنه.
وخلال جلسة عقدتها لجنة الشؤون الدستورية والتشريعية بمجلس النواب، في العاشرة صباحًا اليوم، وفي وقت سابق على عقد الجلسة العامة، تم الكشف عن مشروع قانون جديد يعدل مادة بدء سريان القانون.
وأقرت المذكرة الإيضاحية لمشروع القانون، التي اطلعت عليها المنصة، بعدم استكمال الاستعدادات التنظيمية والمؤسسية والتقنية والبشرية اللازمة لإنفاذ ما تضمنه القانون الجديد من نصوص؛ مشيرة إلى أن الاعتبارات العملية تقتضي منح الجهات القائمة على تطبيق القانون وقتًا كافيًا للتأكد من جاهزية المنظومة بكافة عناصرها، "بما يضمن تنفيذ كافة الالتزامات ويحفظ حقوق وحريات المواطنين".
غضب نيابي
تناقلت مواقع وصحف مشروع القانون في البداية بوصفه مقترحًا من الحكومة التي أعلنت عبر وزارة العدل مطلع هذا الشهر استعدادها لبدء تطبيق القانون بإطلاق منصة التقاضي الجنائي عن بُعد وإنشاء مكاتب الإعلانات الهاتفية بالمحاكم، فضلًا عن الطريقة التي تمت بها الدعوة لعقد الجلسة الطارئة وما تضمنته من غموض بشأن موضوع الجلسة، وهو ما كان محل انتقاد النائب مصطفى بكري، خلال مداخلته بالجلسة، حين أكد أن مناقشة القانون كان يمكن الإعلان عنها بصورة مباشرة، مؤكدًا أن "تأجيل العمل بالقانون ليس سرًا حربيًا".
بينما اعترض النائب ضياء داود على توقيت الطرح بعد سنوات من إعداد القانون، مطالبًا الحكومة بـ"تقديم بيانات واضحة حول مدى جاهزية المحاكم لتطبيق القانون، وما جرى إنجازه فعليًا".
وتصاعدت الشكوك النيابية حول الجهة الحقيقية التي تقف خلف المذكرة؛ حين تساءل النائب أحمد فرغلي عما إذا كان المشروع "استجابة لطلب حكومي أم بمبادرة من النواب"، فيما حذرت النائبة راوية مختار من تصدير الأزمة للبرلمان، مؤكدة أن "النواب لا ينبغي أن يتحملوا مسؤولية عدم جاهزية الحكومة"، ومتسائلة صراحة "عما إذا كانت الحكومة قد استشعرت الحرج من عدم اكتمال الاستعدادات".
وبلغ التشكيك ذروته مع اعتراض النائبة إيرين سعيد على تقديم مشروع القانون على ورقة لا تحمل توقيعًا أو ختمًا.
في تلك الأثناء، واجه النائب علي خليفة ممثلي السلطة التنفيذية على المنصة ومن بينهم وزير شؤون مجلس النواب هاني حنا، بما سبق أن أعلنه وزير العدل عن "وجود خطة شاملة لتطبيق المنظومة الرقمية"، متسائلًا عن "أسباب الحديث حاليًا عن عدم الجاهزية"، وهو ما أكده رئيس الهيئة البرلمانية لحزب الوفد النائب محمد عبد العليم داود بوصفه ما يجري بأنه "يمثل خللًا في الاستعداد لتطبيق القانون، والبرلمان لا ينبغي أن يتحمل أمام الرأي العام مسؤولية هذا الخلل".
أما النائب أحمد علاء فايد، فتساءل عن الكلفة السياسية للجلسة الطارئة، قائلًا "إحنا بقينا بنشتغل عند الحكومة".
هندسة واضحة
وأمام هجوم النواب، سارع رئيس اللجنة التشريعية المستشار محمد عيد محجوب للتأكيد على أن "مشروع القانون مقدم من مجلس النواب وليس من الحكومة"، وهو ما تمسك به وزير شؤون المجالس النيابية المستشار هاني حنا، الذي أصرّ على نفي صلة الحكومة بالصياغة، مدعيًا أنها "حضرت إلى اللجنة لإبداء رأيها في مشروع قانون مقدم من النواب".
وحول مسألة الجاهزية، قال حنا إن عددًا من المحاكم جرى تجهيزها بالفعل، بينما لا تزال محاكم أخرى، من بينها محاكم استئناف الجنايات، في حاجة إلى استكمال التجهيزات اللازمة، وهو ما دفع الحكومة إلى تأييد تأجيل بدء التطبيق لمدة عام.
وفي تلك الأثناء، دافع النائب بحزب مستقبل وطن هشام الحصري، الذي أعلن عن نفسه بوصفه مقدم مشروع القانون، عن التعديل، موضحًا أنه تواصل مع رئيس مجلس النواب بشأن وجود مشروع لتعديل موعد التطبيق، مؤكدًا أن المشروع حصل على توقيع 62 نائبًا.
وقال الحصري إن الهدف من التأجيل هو عدم تطبيق قانون جديد قبل اكتمال البنية التحتية اللازمة، متسائلًا عما إذا كان من الأفضل للمواطن بدء تطبيق القانون في ظل عدم جاهزية جميع الجهات المعنية. وأثار حديث الحصري تصفيق زملائه من نواب حزب مستقبل وطن داخل اللجنة.
قانون نص الليل
وإلى ذلك، امتد هجوم نواب المعارضة على الموقف الحكومي خلال المناقشات التي شهدتها الجلسة العامة، والتي انتهت بالموافقة على قانون التأجيل وقوفًا، إذ وصف النائب محمد عبد العليم داود، مشروع التعديل بأنه "قانون نص الليل"، كاشفًا أن النواب لم يعرفوا بموضوع الاجتماع إلا بعد دخولهم اللجنة.
وفي مداخلة كشفت عن اضطرار البرلمان للتدخل كـ"طوق نجاة"، تساءل النائب مصطفى بكري "ماذا لو لم يتقدم النواب بطلب إرجاء تطبيق القانون؟"، مقرًا بأن عدم التدخل كان سيضع الجميع أمام "أزمة حقيقية"، مطالبًا صراحة بألا يعطل تأجيل سريان القانون الإفراج عن المحبوسين احتياطيًا ما لم يكونوا متورطين في جرائم.
فيما أعلنت النائبة إيرين سعيد رفضها التام لمشروع التأجيل، متسائلة "كيف نصل إلى ليلة بدء التطبيق ثم نعلن الحاجة إلى عام إضافي للاستعداد بعد كل ما استغرقه القانون من مناقشات واهتمام مؤسسي؟".
وشككت إيرين سعيد في الأساس الذي حُددت بموجبه مهلة العام، وما إذا كانت كافية لحل الأزمة أم مجرد ترحيل لها، متمسكة بوجوب سريان القانون فورًا لإنفاذ ما يتضمنه من "ضمانات لصيقة بحقوق المواطنين وحرياتهم" ومحملة الحكومة المسؤولية الكاملة عن التقاعس.