تنصلت مؤسسة بهية لعلاج سرطان الثدي، أمس الأحد، من تقديم خدماتها الخيرية للوافدات واللاجئات السودانيات، بعد حملة تحريض قادتها صفحات وحسابات على السوشيال ميديا ضد اللاجئين السودانيين بعد إعلان السفارة السودانية بالقاهرة عن تعزيز شراكتها مع مستشفى بهية لدعم صحة المرأة السودانية و"ودعم استقرار الجالية في مصر".
وأصدرت المؤسسة بيانًا وصفته بـ"الهام" أكدت فيه أن تبرعات المصريين تُوجّه حصرًا للمصريات، وأن علاج غير المصريات يجري عبر "قسم اقتصادي مدفوع الأجر".
جانب من الهجوم على المؤسسة شنّته صفحة على فيسبوك تحمل اسم "القومية المصرية"، ردًا على إعلان المستشارية الطبية بسفارة السودان بالقاهرة، عن شراكة مع "بهية" لتقديم خدمات الكشف المبكر والعلاج للسودانيات لتخفيف أعبائهن الماليّة.
وادعت الصفحة في بوست لها، أن الاتفاق يمثل "إهدارًا لتبرعات المصريين لصالح غير المصريين"، مطالبة بمنع العلاج عن الوافدات.
وبدلًا من الدفاع عن حق العلاج كحق إنساني مجرد، أخذت إدارة "بهية" تؤكد في بيانها على أن خدمات غير المصريات سُددت تكاليفها عبر السفارات والجهات الراعية في قسم خاص، وأن أموال التبرعات مخصصة لـ"السيدات المصريات غير القادرات"، مكررة شعارها "في ضهر كل ست مصرية".
وإزاء ذلك، اعتبر مدير منصة اللاجئين في مصر الناشط الحقوقي نور خليل، إن رد فعل "بهية" يعكس نمطًا من تراجع المؤسسات الخيرية والخدمية أمام الخطاب المناهض للاجئين، عبر تقديم تبريرات تُرسخ الفرز على أساس الجنسية، بدلًا من الدفاع عن الحق في الصحة للجميع.
وأوضح خليل لـ المنصة أن ما حدث مع مستشفى "بهية" هو امتداد لخطاب معادٍ لغير المصريين يُجرى تغذيته بانتظام منذ عام 2021، مؤكدًا أن خطورة هذا الخطاب تكمن في أنه "وجد سنده للأسف في تصريحات رسمية صادرة عن مسؤولين في الدولة".
ويشير خليل إلى أن تكرار الحديث الرسمي، من رئيس الجمهورية ووزير الخارجية تحديدًا، عن تضخم أعداد اللاجئين، عوضًا عن تحميلهم من قبل مسؤولين في الدولة مسؤولية الأزمات الاقتصادية، مسترجعًا تصريحات سابقة لرئيس مجلس إدارة شركة الدلتا للسكر أحمد أبو اليزيد، عام 2023، حمل فيها السودانيين مسؤولية أزمة نقص السكر.
وأكد خليل أن كل ذلك ساهم في خلق بيئة مجتمعية مشحونة وأسهم في تطبيع التعامل مع الأجنبي، وخاصة ذوي البشرة السمراء من الجنسيات الإفريقية، كـ"مجرمين أو عبء اقتصادي".
ويرى خليل أن الإعلام الرسمي والتابع للحكومة، لعب هو الآخر دورًا تحريضيًا عبر ربط وجود اللاجئين بالأزمات الاقتصادية التي يعيشها المواطن، في ظل تحجيم وتضييق واسع على عمل منظمات المجتمع المدني التي كان يمكنها التصدي لهذه المعلومات المغلوطة وتفنيدها.
وعاود خليل انتقاد طريقة تعاطي المؤسسات العلاجية والخيرية مع هذه الحملات؛ مشددًا على أن الهروب والتنصل عبر بيانات تؤكد اقتصار الخدمات المجانية على جنسية معينة، يُسهم في شرعنة الخطاب العنصري وتوسيعه بدلًا من تقويضه.
وتابع "الخطاب الشعبوي الخطير ده مواجهته مش بأننا نستخبى منه أو نعديه، لأنه بيتوسع ومخيف"، مؤكدًا أن الحل الحقيقي هو المواجهة الصريحة كمقدم خدمة صحية، مضيفًا "إذا قررت استقبال غير المصريين، عليك إعلان موقفك بوضوح الخدمة الصحية حق مكفول لكل إنسان بغض النظر عن جنسيته، وليس التبرير بأنهم يدفعون ثمنها في أقسام اقتصادية".
وأضاف أن مواجهة ذلك الخطاب تتطلب أيضًا توقف الدولة ومسؤوليها عن تضخيم أعداد اللاجئين وتكلفتهم "واللي أصبح موضوع رئيسي لازم تثيره الحكومة كل كام شهر" على حد وصفه.
ولا تعد واقعة مستشفى"بهية" هي الأولى من نوعها في سياق انتقاد تقديم المؤسسات الخيرية خدماتها للاجئين؛ بل تأتي ضمن نمط متصاعد يستهدف أي كيان أهلي أو تنموي يُعلن عن برامج لدعم اللاجئين والمهاجرين في مصر.
وقبل أشهر قليلة، امتدت هذه الحملات لتطال المبادرة الرئاسية "حياة كريمة"، عقب عقدها اجتماعًا تعارفيًا مع مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين لبحث سبل تمكينهم اقتصاديًا عبر منح خارجية مخصصة للمفوضية لا تكلف الخزانة العامة للدولة شيئًا.
ووقتها، وصلت الحملة ضد "حياة كريمة" إلى شاشات الإعلام الموالي للحكومة؛ إذ شن الإعلامي أحمد موسى، في برنامجه "على مسؤوليتي" بقناة صدى البلد، هجومًا حادًا على المبادرة، متسائلًا "حياة كريمة طالعة تقول نعمل دمج.. دمج لمين؟ حياة كريمة معمولة للشعب المصري مش للأجنبي!"، مدعيًا أن اللاجئين يستهلكون "10 مليارات دولار ويشاركونا في المونوريل والكهرباء والمياه".
لكن إدارة قناة صدى البلد اضطرت وقتها، بناءً على توجيهات خارجية، إلى حذف أكثر من نصف ساعة من الحلقة ومنشوراتها على السوشيال ميديا التي حملت عناوين تحريضية، بعدما تسببت تصريحات موسى في فتح باب الهجوم والدعوة لوقف التبرع للمبادرة الرئاسية، ما دفع "حياة كريمة" لغلق خاصية التعليقات على صفحتها الرسمية حينها.