منح وزير الصحة والسكان خالد عبد الغفار، المؤسسة العلاجية المسؤولة عن إدارة عدد من المستشفيات الحكومية ذات الطابع العلاجي والاستثماري، مهلة شهر لاستكمال إجراءات التعاقد مع جامعة فيينا في النمسا ومنحها حق إدارة وتشغيل وتطوير مستشفى هليوبوليس لمدة 15 عامًا، تمهيدًا لعرضه على مجلس الوزراء لاعتماده، وفق مصدر مسؤول بوزارة الصحة لـ المنصة.
وبحسب المصدر المطلع على تفاصيل الملف، تتضمن خطة التطوير ضخ استثمارات بقيمة 1.2 مليار جنيه، لمضاعفة الطاقة الاستيعابية للمستشفى من 200 إلى 400 سرير، وإنشاء مبنى جديد على قطعة أرض ملحقة به، واستكمال مبنى آخر توقفت الوزارة عن تنفيذه، إلى جانب تطوير المبنى الحالي، وإيفاد بعثات طبية للتدريب على البروتوكولات العلاجية المعمول بها في الجامعة.
ومنتصف يوليو/تموز الجاري، عقد وزير الصحة اجتماعًا لمتابعة مشروع تطوير وإدارة المستشفى بالتعاون مع جامعة فيينا، بحضور رئيس مجلس إدارة المؤسسة العلاجية محمد شقوير، ووجه خلاله بتذليل كافة العقبات لضمان سرعة التنفيذ، مشيدًا بجدية والتزام الجانب النمساوي والعرض الذي يتضمن تطبيق أعلى معايير الجودة العالمية في الإدارة والتشغيل والخدمات الطبية.
وقالت الوزارة آنذاك إن المشروع يستهدف تطوير الخدمات الطبية، خاصة في قطاع طب الأطفال وتخصصاته الدقيقة، ضمن ما وصفته بـ"الشراكة الأكاديمية والطبية المتكاملة" مع الجامعة.
وأوضح المصدر الذي طلب عدم نشر اسمه، أن الجامعة ستخصص 60% من أسرّة المستشفى لمرضى العلاج على نفقة الدولة والتأمين الصحي، مقابل 40% للخدمات الاقتصادية والسياحة العلاجية. كما اتفقت مع المؤسسة العلاجية على إدخال خدمات زراعة الأعضاء وجراحات الأورام، وتطوير برامج التدريب في جراحات الصدر والعظام.
وفيما يتعلق بالشق المالي، تنص الصيغة الجاري إعدادها على حصول المؤسسة العلاجية على عائد سنوي يعادل 9% من إجمالي إيرادات المستشفى، بحد أدنى 24 مليون جنيه، مع زيادة النسبة نقطة مئوية كل ثلاث سنوات، بحسب المصدر.
وأضاف أن وزير الصحة اشترط تضمين العقد التزام الجامعة بالحصول على اعتماد الهيئة العامة للاعتماد والرقابة الصحية خلال ثلاث سنوات من بدء التشغيل، باعتباره أحد شروط انضمام المستشفى إلى منظومة التأمين الصحي الشامل، إلى جانب الحصول على اعتماد اللجنة الدولية المشتركة/JCI، تمهيدًا للتعاقد مع شركات تأمين دولية واستقبال مرضى من الخارج ضمن خطط السياحة العلاجية.
كما طلبت جامعة فيينا الإبقاء على 70% من القوة البشرية الحالية بالمستشفى، مع إعادة توزيع الـ30% المتبقية على المنشآت التابعة للمؤسسة العلاجية، وهو ما وافقت عليه المؤسسة، وفق المصدر.
ويأتي مشروع الاتفاق في إطار القانون رقم 87 لسنة 2024، الذي يتيح منح المستثمرين المصريين أو الأجانب حق إدارة وتشغيل وتطوير المنشآت الصحية الحكومية لمدة تصل إلى 15 عامًا، بعد موافقة مجلس الوزراء، مع إلزام الجهة المشغلة بالحفاظ على المنشأة وتجهيزاتها، وتخصيص نسبة من خدماتها للعلاج على نفقة الدولة والتأمين الصحي، على أن تعود جميع الأصول إلى الدولة في نهاية مدة التعاقد.
ضمانات تتجاوز حجم الاستثمار
ورغم ما تتضمنه الخطة من استثمارات وتوسعات وزيادة في الطاقة الاستيعابية، يرى مسؤول وحدة "الحق في الصحة" بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية علاء غنام، أن تقييم الشراكة لا ينبغي أن يقتصر على حجم التمويل أو عدد الأسرَّة، بل يجب أن يستند إلى الضمانات التي يوفرها العقد للحفاظ على ملكية الدولة للمستشفى، وسلطتها في تسعير الخدمات، وقدرتها على الرقابة على جودة الرعاية الصحية.
وقال غنام لـ المنصة إن أي شراكة مع القطاع الخاص ينبغي أن تُقاس بثلاثة معايير رئيسية: خفض التكلفة على الدولة، والحفاظ على استقرار أسعار الخدمات المقدمة للمرضى، وتحقيق رضاهم عن مستوى الخدمة. وحذر من أن تحقيق عائد اقتصادي للمشغل أو تخفيف العبء المالي عن الدولة لا يكفي لاعتبار التجربة ناجحة إذا جاء ذلك على حساب المرضى أو جودة الخدمة.
واستشهد غنام بتجربة مستشفى جوستاف روسي إنترناشونال-مصر، "هرمل" سابقًا، موضحًا أنها خففت جزءًا من الأعباء المالية على الدولة، لكنها شهدت، بحسب تقييمه، ارتفاعًا في تكلفة بعض الخدمات على المرضى، دون تحقيق مستوى الرضا المأمول، في الوقت الذي حقق فيه المستثمر عوائد اقتصادية.
وفي فبراير/شباط 2025، وقعت وزارة الصحة عقد شراكة مع شركة "إليفيت"، الشريك الحصري لمعهد جوستاف روسي الفرنسي في مصر، لإدارة وتشغيل وتطوير مستشفى هرمل وتحويله إلى أول فرع للمعهد خارج فرنسا، مع تخصيص 70% من الأسرَّة لمرضى العلاج على نفقة الدولة والتأمين الصحي، و30% للخدمات الاستثمارية.
ومنذ تولي الإدارة الجديدة، تصاعدت شكاوى مرضى من توقف صرف بعض الأدوية، ومطالبتهم بشرائها على نفقتهم، إلى جانب تقليص بعض خدمات العلاج الكيماوي على نفقة الدولة.
ولذلك طالب غنام في حديثه مع المنصة بأن يتضمن عقد مستشفى هليوبوليس نصًا ملزمًا بمراجعة دورية، يفضل أن تكون سنوية، لبنوده ونتائج التشغيل، بما يتيح معالجة أي اختلالات قد تظهر في الأسعار أو جودة الخدمة أو التزامات المشغل تجاه مرضى العلاج على نفقة الدولة والتأمين الصحي.
جزء من توجه حكومي
ويعد العقد المقرر مع هليوبوليس جزءًا من توجه حكومي أوسع للتوسع في إسناد إدارة المستشفيات العامة إلى القطاع الخاص. وكانت المنصة كشفت سابقًا عن اتجاه الحكومة لطرح أكثر من 40 مستشفى أمام مستثمرين محليين وأجانب، بعد تجارب شملت إسناد إدارة مركز أورام دار السلام "هرمل" إلى جوستاف روسي، ومنح جمعية مدينة نصر حق إدارة وتشغيل مستشفى مبرة المعادي.
وأثار هذا التوجه مخاوف تتعلق بأسعار الخدمات، ومصير العاملين، وآليات الرقابة على عقود الإدارة. ففي حالة مستشفى مبرة المعادي، كشف تحقيق سابق لـ المنصة أن العرض الأولي منح الجهة المشغلة حق الإدارة لمدة عشر سنوات مقابل 6% من الإيرادات، بحد أدنى ثلاثة ملايين جنيه سنويًا، مع الإبقاء على نصف العاملين فقط.
كما كشف التحقيق عن تضارب مصالح في الصفقة بين وزارة الصحة والجمعية التي كان يرأس مجلس إدارتها أحمد سعفان، الذي شغل في الوقت نفسه منصبي مساعد وزير الصحة لشؤون المستشفيات ورئيس القطاع العلاجي المسؤول عن المستشفيات الحكومية عند اتخاذ قرار الإسناد المباشر للجمعية في مارس/آذار 2024. وبعد نشر التحقيق، عدلت الوزارة العقد، لترفع نصيب المؤسسة العلاجية إلى 8% من الإيرادات، بحد أدنى عشرة ملايين جنيه سنويًا.