أسطول الصمود العالمي
لحظة الهجوم الإسرائيلي على النشطاء المشاركين في أسطول الصمود، 18 مايو 2026

ناشطو أسطول الصمود يعودون إلى بلدانهم بشهادات مروعة عن التعذيب والاعتداء الجنسي

أميرة الفقي
منشور الأحد 24 أيار/مايو 2026

لم يكن استقبال مئات الناشطين العائدين من معسكرات اعتقال جيش الاحتلال الإسرائيلي، في عواصمهم بالورود والهتافات نهاية القصة، بل بداية مواجهة جديدة، حمل فيها ناشطو أسطول الصمود العالمي إلى بلدانهم شهادات عن تعذيب وانتهاكات جسدية وجنسية، مؤكدين أن معركتهم مع الاحتلال لم تنتهِ بعد، بل إن شرارتها امتدت لتلاحقهم حتى داخل مطارات أوروبا.

مع تصاعد الغضب الدولي إثر انتشار مقاطع فيديو توثق التنكيل بالناشطين في ميناء أسدود بعد اختطافهم من المياه الدولية في عملية قرصنة فجّرت أزمة دبلوماسية واسعة، امتد التوتر إلى أوروبا. ففي مطار لويو بمدينة بيلباو في إقليم الباسك الإسباني، اندلعت مناوشات عنيفة فور وصول عدد من أعضاء الأسطول، أسفرت عن اعتقال 4 أشخاص بتهم العصيان والاعتداء على السلطات، فيما قالت إدارة الأسطول إن 3 من المعتقلين من ناشطيه. 

ودفع ذلك وزير أمن حكومة إقليم الباسك، بينجين زوبيريا، إلى التعبير عن أسفه عما حدث، وطالب بالمثول العاجل أمام البرلمان لتقديم إيضاحات، بينما فتحت وحدة الشؤون الداخلية في شرطة الإقليم تحقيقًا في سلوك عناصرها. وقالت إدارة الأسطول في بيان، أمس السبت "من المعروف علنًا أن شرطة الباسك ترتبط بعلاقات توريد تاريخية وعقود تجارية وتدريبات تكتيكية عميقة مع شركات أمنية إسرائيلية خاصة".

وتعكس الأحداث الأخيرة في مطار لويو السياق العام المضطرب الذي يصاحب عودة ناشطي قافلة الصمود من إسرائيل بعد شهادات عن تعذيب وانتهاكات جسدية وجنسية في مراكز الاعتقال الإسرائيلية.

في أواخر أبريل/نيسان الماضي اعترضت البحرية الإسرائيلية أسطول قافلة الصمود قبالة سواحل جزيرة كريت واحتجزت 175 ناشطًا قبل ترحيلهم. لكن التحالف المنظم أعاد تنظيم صفوفه، وانطلق من ميناء مرمريس التركي بأسطول أكبر ضم 54 سفينة. وفي 18 و19 مايو/أيار الجاري، نفذت القوات الإسرائيلية عملية أوسع في المياه الدولية قبالة قبرص، أسفرت، وفق المنظمين، عن اعتراض 50 سفينة واحتجاز ما لا يقل عن 428 ناشطًا.

"سفينة تعذيب"

وسجل النشطاء شهادات مروعة عن اختطافهم في المياه الدولية وظروف احتجازهم. وتركزت الشهادات على سفينة وصفها النشطاء بأنها "سفينة تعذيب" أمريكية الصنع، وأن الاحتلال استخدمها كسجن مؤقت وساحة تعذيب للمحتجزين. ووفقًا لإفادات النشطاء، جرى تجميعهم على متن السفينة INS Nahshon قبل نقلهم إلى حاويات مظلمة، حيث انهال عليهم الجنود الإسرائيليون بالضرب. 

ونقل بيان للأسطول عن الناشط ياسين بن جلون قوله إن أحد الجنود ألقى به في حاوية مظلمة، وسمع فجأة أحدهم يقول "أهلًا بك في إسرائيل"، ثم انهال عليه بالضرب والركل في رأسه وفي ضلوعه، بينما سمع صرخات آخرين من حوله.

وفي حين يزعم جيش الاحتلال أن السفينة INS Nahshon هي مجرد سفينة دعم لوجستي عسكري، صنعت في الولايات المتحدة، واشتراها جيش الاحتلال بتمويل من المساعدات العسكرية الأمريكية، أكدت الناشطة فيرونيكا أوتيرو، وهي الناشطة رقم 22 التي صعدت إلى متن "سفينة التعذيب"، أنها شهدت التنكيل بـ180 معتقلًا على مدار ثلاثة أيام، وقالت "لم يسلم شخص واحد من الأذى. وثقنا 36 حالة كسر في العظام والضلوع والأكتاف والظهور. كان الناس يتألمون بشدة، وبعضهم عجز عن التنفس بسبب كسور الضلوع".

وفي مؤتمر صحفي عبر الفيديو، قال ممثل الفريق القانوني للأسطول بدر النعومي، يوم الخميس 21 مايو، إن زوارق الاحتلال حاصرت السفن من كل الاتجاهات، واستخدمت العنف الجسدي والجنسي الممنهج، حيث سُجلت إصابات بعضها خطيرة، وأطلقت النار على 6 سفن صيد صغيرة، كما صدمت إحداها. 

وأضاف أن القوات الإسرائيلية تعمدت تخريب السفن عبر تمزيق الأشرعة، وإتلاف إمدادات المياه، وإغراق الأسطح السفلية، ما أدى إلى غرق سفينة واحدة على الأقل، بينما اضطرت السفن التي نجت من الاعتراض إلى تنفيذ عمليات إنقاذ. واطلعت المنصة على مقاطع فيديو التقطت من على متن إحدى السفن المحاصرة، يظهر فيها ناشطون يصرخون "لا تطلقوا النار" مع اقتراب الزوارق الإسرائيلية، قبل سماع دوي إطلاق الرصاص.

اعتداءات جنسية وصدمات كهربائية

ولم تتوقف الإفادات عند الضرب. فقد كشف الناشط الفرنسي أدريان بيرثيل، بحسب بيان الأسطول، عن تعرضه للإذلال والضرب بعدما لاحظ الجنود أنه يضع طلاء أظافر، وبدأوا في السخرية منه وإطلاق افتراضات بشأن ميوله الجنسية. كما وثق الأسطول، ما لا يقل عن 12 حالة اعتداء جنسي، بينها وقائع اغتصاب شرجي باستخدام مسدس، إضافة إلى استخدام الصدمات الكهربائية ضد المحتجزين في وجوههم وأعناقهم وأجسادهم، وتصويرهم أثناء التفتيش الذاتي العاري وسط سخرية الحراس. 

وقال الناشط الإيطالي لوكا بوجي لشبكة الجزيرة فور وصوله إلى روما "جردونا من ملابسنا وأُلقي بنا أرضًا وتعرضنا للركل، وتعرض بعضنا للصعق بالكهرباء، وتعرض بعضنا لانتهاكات جنسية، ومُنع بعضنا من التواصل مع محامٍ".

وبناءً على هذه الإفادات، نقلت وكالة رويترز فتح الادعاء العام في إيطاليا تحقيقًا قضائيًا في جرائم تشمل الاختطاف والاعتداء الجنسي، في حين أعلنت مصلحة السجون الإسرائيلية نفيها القاطع لهذه الاتهامات.

وأعلن المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة، ستيفان دوجاريك، يوم الجمعة 22 مايو عن قلق المنظمة إزاء  الانتهاكات الجسدية والجنسية، مطالبًا بمحاسبة المسؤولين عن هذه المعاملة.

غضب دبلوماسي.. والمعركة مستمرة

لم يتمكن الأسطول من تحقيق مهمته في الوصول إلى شواطئ غزة، والتي أجهضها الاحتلال بالقرصنة والتنكيل بالنشطاء، إلا أن أسطول الصمود العالمي نجح في إبقاء معاناة الفلسطينيين على رأس الأجندة الدولية، وسلط الضوء على التعتيم الإعلامي الذي يحاول الاحتلال فرضه على القطاع. 

وتبقى الشهادات الحية للنشطاء، الذين عادوا إلى أوطانهم، عما واجهوه من بطش واعتداءات وتنكيل، السلاح الأهم لخلق أزمة سياسية جديدة للاحتلال، ووضع الحكومات الغربية أمام مرآة "ازدواجية المعايير" بين إداناتها الشفهية ورفضها الفعلي لفرض عقوبات حقيقية على إسرائيل.