يبدو أن قرار المحكمة البريطانية العليا، الأسبوع الماضي، بإلغاء تصنيف Palestine Action منظمة إرهابية لن يكون مجرد حكم قانوني عابر، بل لحظة فارقة في جدل بريطاني محتدم حول حدود الاحتجاج السياسي، وتعريف "الإرهاب"، ومساحة التضامن مع القضية الفلسطينية داخل أوروبا، حتى مع استمرار سريان مفعول الحظر في انتظار جلسة استماع أخرى، وهو ما عده عضو بالمنظمة، خلال حديث لـ المنصة، انتصارًا وتأكيدًا على عدالة القضية.
المنظمة، التي تأسست عام 2020 كحملة تستهدف الشركات المرتبطة بالصناعات العسكرية الإسرائيلية، وخصوصًا فروع شركة Elbit Systems للصناعات الدفاعية التي أبرمت صفقات أسلحة لصالح جيش الاحتلال الإسرائيلي في المملكة المتحدة، وجدت نفسها العام الماضي مدرجة ضمن قائمة التنظيمات المحظورة بموجب قانون الإرهاب لعام 2000، فضلًا عن الاعتقالات التي طالت المنتمين إليها والمتضامنين معها.
قرار الحظر جعل الانتماء إليها أو حتى التعبير عن دعمها جريمة قد تصل عقوبتها إلى السجن لسنوات طويلة، إذ وضع Palestine Action في الفئة نفسها مع تنظيمي القاعدة وداعش ومع حركة حماس.
لكن المحكمة البريطانية العليا، في حكم صدر الجمعة الماضي، رأت أن قرار الحظر لا يستوفي المعايير القانونية لتعريف الإرهاب، ويثير إشكاليات تتعلق بحرية التعبير والتجمع، ما دفع وزيرة الداخلية البريطانية شبانة محمود للإعراب عن خيبة أملها، مؤكدة أنها "تعتزم الطعن على هذا الحكم أمام محكمة الاستئناف"، وفق أسوشيتد برس.
وعن القرار الأخير، قال العضو بالمنظمة لـ المنصة، طالبًا عدم نشر اسمه، إنه "خبر مذهل لنا ولسجنائنا السياسيين، لكن الأهم من ذلك لفلسطين. Palestine Action تمثل التعبير الأقصى عن مقاومة الصهيونية في العالم الغربي، وهذا الانتصار دليل على عدالة القضية التي نقاتل من أجلها".
ربط عضو المنظمة بين الحكم القضائي ومصير مجموعة من زملائه في القضية المعروفة إعلاميًا باسم Filton 24، والذين وُجهت إليهم اتهامات بعد اقتحام قاعدةً تابعةً لسلاح الجو الملكي البريطاني وإلحاق أضرار بطائراتٍ في إطار سلسلةٍ من الاحتجاجات.
وقال "بعدم صدور أي إدانات بحق أول ستة من مجموعة Filton 24، كانوا على وشك المحاكمة قبل أسبوعين فقط، وبعد قرار المحكمة العليا، نحن نشعر بفرح كبير، لكننا لسنا في حالة تراخٍ".
وفق حديثه، لا ترى المنظمة في القرار نهاية للمعركة، بل محطة ضمن مسار أطول "نعم، نحتفل الآن، لكن لا يزال هناك الكثير من العمل. علينا أولًا أن نُثبت لهيئة الادعاء الملكية أن إعادة محاكمة Filton 6 لا تصب في المصلحة العامة، لأن هذا هو الأساس الذي يجب أن يستندوا إليه إذا أرادوا المضي قدمًا"، على حد قوله.
وأكد أن الأولوية الاستراتيجية للمنظمة هي إغلاق شركة Elbit Systems في المملكة المتحدة.
وبدأت محاكمة النشطاء في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، وقال الدفاع إنهم كانوا "في وضع لا يحسدون عليه"، ولم يتوقعوا دخول حراس الأمن إلى المصنع.
وقتها، تداولت هيئة المحلفين لمدة 36 ساعة و34 دقيقة القضية، ولم تتوصل إلى أحكام بشأن تهم الإضرار الجنائي ضد أي من المتهمين الستة؛ رُغم اعتراف خمسة من النشطاء للمحلفين بدخول المصنع دون إذن وإتلاف معدات الشركة، بما في ذلك أجهزة كمبيوتر وطائرات مسيرة، غير أنهم أكدوا وجود "مبرر قانوني" لما قاموا به.
منذ حظر المنظمة العام الماضي، شهدت بريطانيا موجات اعتقال واسعة للمشاركين في احتجاجات تضامنية، وفرضت الشرطة قيودًا مشددة على التظاهر، خاصة أمام المؤسسات الحكومية والمقار الصناعية.
بعض المعتقلين خاضوا إضرابات طويلة عن الطعام داخل السجون بين نوفمبر/تشرين الثاني ويناير/كانون الثاني الماضيين، ما يعتبر الإضراب الأطول من نوعه داخل السجون البريطانية منذ ثمانينيات القرن الماضي.
وهو ما اعتبره العضو في المنظمة "تضييقًا متصاعدًا" على الحريات المدنية، وقال إن "السلطات شددت قبضتها بشكل هائل في ضوء قرار الحظر، خاصة خلال إضراب بعض معتقلي Filton 24 عن الطعام، ما شهدناه كان حملات قمع شرطية عنيفة واعتقالات جماعية وفرض شروط احتجاج قمعية".
وأضاف أن "قرار الحظر نفسه دليل على أن هذا السلوك الحكومي غير قانوني. ونأمل أن يظل نظامنا القضائي كابحًا لهذا التوسع المتزايد في تقييد حرية التعبير وحق الاحتجاج، لكن علينا أن نظل يقظين ونواصل الضغط، فهذه هي الطريقة الوحيدة لحماية هذه الحقوق".
وبشأن الاتهامات الإعلامية المتكررة حول مصادر تمويل المنظمة أو ارتباطاتها الخارجية، نفى عضو المنظمة ذلك بشكل قاطع، وقال "وسائل الإعلام تواصل ترويج مزاعم غير صحيحة حول علاقات وتمويل Palestine Action من جهات خارجية. من المهم التأكيد أن المنظمة كانت ولا تزال تسعى إلى إغلاق أكبر مُصنّع أسلحة إسرائيلي في المملكة المتحدة، فضلًا عن النضال من أجل التحرير الكامل لفلسطين".
وتتهم المنظمة الداعمة لفلسطين الحكومة البريطانية بالتواطؤ على جرائم الحرب التي نفذتها إسرائيل في قطاع غزة.
وعقب قرار حظر Palestine Action، أعربت منظمات حقوق رقمية وصحفيون وأكاديميون من المملكة المتحدة وأوروبا والولايات المتحدة عن قلقهم البالغ من تداعيات القرار، محذرين من تأثيره على حرية التعبير والنشاط الرقمي المشروع في البلاد.