تصميم: يوسف أيمن- المنصة

من الكتاب إلى الشاشة وبالعكس: رحلة اقتباس متبادلة

منشور السبت 31 يوليو 2021

ثمة مساحة واسعة من النقاشات والأفكار التي تناقلها مئات الباحثين حول تداخل تأثيرات الفنون على بعضها بعضًا، كيف يمكن أن يستمد لحن إلهامه من رواية؟ أو أن يحكي فيلم قصة كتاب بشكل أكثر تأثيرًا وحميمية لدى البعض؟ هل يمكن أن تُعتبر الفنون جميعها ابنة مخيال إنساني واحد باختلاف وسائط عرضها؟ وأسئلة أخرى يحملها خبراء ودارسو الفنون دون امتلاك إجابة واضحة عنها. 

قبل حوالي عشر سنوات تقريبًا من عرض أول فيلم مصري، برسوم يبحث عن وظيفة، نشر الكاتب محمد حسين هيكل رواية زينب التي يعتبرها المؤرخون أول رواية مصرية حديثة لو جاز القول، بالطبع سبقها محاولات وكتابات أدبية تعود حتى القرن الخامس وربما قبله، لكن الرواية المذكورة هنا يمكن وضعها في ظرف زماني قريب من ظهور فن السينما أيضًا في مصر، وظهور تطور ملحوظ على طريقة كتابة الرواية في العموم؛ إذ يذهب بنا كل ذلك إلى منطقة من المقاربة والمقارنة والنظر إلى مساحات وسياقات التأثير والتأثر، فيما بين العالَمين اللذين يسيران على خطوط متقاطعة متصلة ومنفصلة منذ ذلك الوقت: الأدب والسينما، التي اقتبست من نوره ما يزيد عن 360 عملًا ليصبح سينمائيًا أدبيًا في آن. في الاقتباس من الأدب إلى السينما، الدراسة التي جمعها وحرَّرها الباحثان سلمى مبارك، أستاذة الأدب بجامعة القاهرة، ووليد الخشاب، أستاذ الدراسات العربية بجامعة يورك في كندا، وشارك فيها عدد من الباحثين والباحثات، وتعد تطويرًا لمجموعة أبحاث قُدمت باللغتين العربية والفرنسية، نجد سردًا تاريخيًا وتفكيكيًا للعلاقة الأصيلة التأسيسية التبادلية بين الأدب والسينما، رافضًا تمييز أحدهما على الآخر.

ملاحظات أولية ملهمة

ثمة ملاحظة أولية يطرحها الخشاب، أنه رغم كثرة الأفلام التي اقتُبست قصتها من الأدب في السينما المصرية فإن القصة الأساسية التي نُقل عنها لم تكن تقدم تمامًا الفكرة المحورية التي حكتها السينما؛ زادت الغراميات وقصص الحب لتصبح أكثر حضورًا في السينما المصرية مثلًا "ربما لأنها تناسب طبيعة شعبها العاطفي أكثر، كما يلاحظ أن الفيلم المصري عمومًا يستحيل أن ينجح دون أن يحمل تأثيرًا واقعيًا أو على الأقل قدر من المعقولية، ودون أن يتاح للمشاهد أن يسقط نفسه على شخصية تحمل تساؤلات اجتماعية"، لأن الفيلم في تصور السينما المصرية المقتبسة حكاية، فلا تضع الأفلام الخطاب أو الرسالة في مقدمة اعتباراتها. 

 

غلاف الكتاب. الصورة: وليد الخشاب- فيسبوك

الكتاب خرج كدراسة طويلة حول الأدب والسينما حوالي 300 صفحة من القطع المتوسط. يقول وليد الخشاب إن الكتاب كبير ويصعب تقديمه إن كان مؤلفه شخصًا واحدًا، لذا استعنا بزملاء آخرين تكرموا بالمساهمة، كلٌ بفصل، ليخرج المنتج النهائي مستفيدًا من جهود الجميع، نتحدث في الكتاب عن ظاهرة تحول العلاقة بين نوع من الأدب ونوع من الأفلام، ذات الجماهيرية العريضة إلى علاقة عضوية.

يستكمل الخشاب حديثه مع المنصة: منذ علاء الأسواني في عمارة يعقوبيان، وبالذات ظهور روائي مثل أحمد مراد على ساحتي السينما والأدب، أصبح هناك كتّاب كثيرون يكتبون الروايات وكأنها معالجات سيناريو في طريقها لتدخل مرحلة الإنتاج السينمائي، ورواية مراد 1919 نموذجًا على ذلك، في كونها تشبه سيناريو لمسلسل محتمل. 

بدايات حالمة وتغيرات متوقعة

على سبيل المثال ارتبطت الواقعية في سينما الخمسينيات والستينيات باقتباس روايات تيار الواقعية الكتابي الروائي التي استمدت منه أفكاره الأصيلة، ترسخَّت وقتها النظرة للأدب المصري بعد فترات من مساحات اقتباس واسعة من الأدب الغربي والسينما الغربية أيضًا في الثلاثينيات وربما بعدها قليلًا، أنتجت السينما أفلامًا مقتبسة عن روايات لكتّاب مثل يحيى حقي ونجيب محفوظ ويوسف إدريس وعبد الرحمن الشرقاوي وغيرهم. بعد ذلك تطورت مساحات الاقتباس والتأثر في السبعينيات، مع ظهور ما أطلق عليه البعض سينما المؤلف "التي أولت ظهرها للأدب" ظاهريًا بينما استقت منه أفكارها الخالصة وحوّلتها بأشكال حداثية مختلفة عما سبقها، إلى سينما من إنتاج أشخاص أكثر قدرة على الإنتاج المنفرد والشخصي. 

هذا الترابط والشد والجذب على مدار السنوات جعل "القرن الحادي والعشرين يشهد جديدًا في طبيعة العلاقة بين الفنين، ارتبط بتشكّل مشهد أدبي جديد حول الأعمال الأكثر مبيعًا"، إذ يُعتقد أن الاقتباس في بداية الألفية أصبح لاستثمار الرواج الأدبي لبعض الروايات التي أثبتت نجاحها قبل إنتاجها سينمائيًا، "يكتب المخرج بالكاميرا مثلما يفعل الكاتب بقلمه" مثلما قال ألكسندر استروك، فلم يعد الاقتباس مقصورًا على التنافس بين الفنون ولا على إشكالية العلاقة بين العمل الأصلي والثانوي بقدر ما أصبح أكثر تحرر من حدود الوسيط وما إلى ذلك متجاوزة لقضية كانت في وقت لاحق محل نقاش وخلاف: أمانة وخيانة السينما في نقل العمل الأدبي وأصبح الأمر أشبة بترجمة العمل من وسيط لآخر. 

 يقول الخشاب "على ما يبدو أن هذه الظاهرة ليست جديدة على السينما المصرية ولكننا لم نكن نسميها ظاهرة الأدب ذا الجماهيرية العريضة والسينما المقتبسة عنها، ففي الخمسينيات والستينيات كان مثلًا إحسان عبد القدوس ويوسف السباعي كاتبين ذوي جماهيرية عريضة، يكتبان أدب "البيست سيلر" الرائج بمقاييس عصرهما، وكان المنتجون يتسابقون لاقتباس أعمالهم على الشاشة، لأنها بالتأكيد ستجذب جمهور من قرّائهم". 

لكن الجديد الآن، هو التمييز بين الأدب الجاد وغيره، اختلفت النظرة للأمور، وخلق تضاعُف حجم السوق خطًا فارقًا بين الخمسينيات واليوم، حين كان يُعد نجاحًا تجاريًا أن يًصدر الكاتب طبعة من عشرة آلاف نسخة، وتليها ثلاثة أو أربعة آلاف أخرى خلال عشر سنوات، بينما يمكن اليوم بيع مائة ألف نسخة في شهور، بالتالي فالمؤلف صاحب الرواية الناجحة في سوق السينما، موجود لكنه لم يكن ملحوظًا مثل الوقت الحالي.   

نماذج عالمية ومصرية

باستثناء الفصل الذي كتبه محررا الكتاب، سلمى مبارك ووليد الخشاب، نخوض على مدار القراءة رحلة أكثر تفكيكًا وتشعبًا تقدم نماذج مشروحة لرحلة الاقتباس من الأدب العالمي ومن ثمَّ المصري؛ قدم الناقد عصام زكريا نموذجًا متميزًا في أحد فصول الكتاب حول تناول واقتباس مسرحية وليام شكسبير الشهيرة الملك لير، في السينما العالمية والمصرية، وكيف كان اقتباسها  كل مرة وليد اللحظة التاريخية والسياسية التي خرجت فيها، كما هو وليد تصوُّر مخرجها الشخصي لهذا اﻹطار في مقاربة مع سياق دولته ذاتها، ما يمكن يجعلنا نفهم تصورات قرَّاء مثلنا لرواية مكتوبة وتحويلها لوسيط بصري يعتمد على فهمهم الشخصي لها، الأمر الذي يعمّق من مناقشة وتناول تلك المواد المكتوبة.   

يقول الباحث جان كليدر إن الاقتباس السينمائي هو الطريقة الوحيدة التي تتيح له أن يفهم كيف قرأ شخص ما كتابًا، وهذه التجربة الغيرية دائمًا ما تثير النقاش. يلخص جان على سبيل المثال موضوع الاقتباس بالنسبة له في مسار من مرحلتين: السينما اللا سردية (شانتال أكرمان ومايكل أنجلو وجان جودار ومارجريت دوراس وغيرهم) التي اعتبرها الوحيدة التي تستوعب حدود التجربة الإنسانية. 

يفرِّق بينه وبين الاقتباس من خلال اختيار زاوية التناول، يقول هنا: إن العلاقة بالنص الأصلي كانت تهمني بدرجة أقل من العلاقة بين النص والصورة في العمل نفسه، ومن الملاحظة تلك طرأت تحولات على عمله منها تحليل الخطاب النقدي، وإن تحليل الخطاب النقدي لا يزال بدائيًا، لأن العاملين يتجنبون مساءلة تقنياتهم وطرقهم وحتى مشروعهم، كما لو كان تطوره مشروط بتفادي التساؤل حول الأدوات، ثم دراسة الاقتباس بوصفه فعل وآلية عمل لكسر قيود الأعراف النقدية، وكتابة الحركة السينمائية، أي أنه يمكن للنقد تفسير الفيلم للنص كما يفسر العازف النوتة الموسيقية.

 

غلاف رواية الرجل الذي مات مرتين

أستاذة الأدب والفنون بجامعة القاهرة، داليا السجيني، استعرضت الفضاء الجنائزي في رواية الرجل الذي مات مرتين لجورج أمادو، والفيلم المقتبس عنها جنة الشياطين، وكيفية نجاح ترجمتها مصريًا في واحد من أفضل الأفلام السينمائية المصرية غير المعتادة. وتحدثت الباحثة دينا جلال عن السوق بوصفه فضاءً متبادلًا بين النص والصورة من خلال الحديث عن البيست سيلر، ورواية نجيب محفوظ أفراح القبة، التي أعيد طبعها بعد نجاح المسلسل الذي اقتبسه محمد ياسين عنها، إذ ساعد المسلسل على قراءة الرواية مرة أخرى، وساعدت الرواية المسلسل كذلك. 

تكتب سلمى مبارك في فصل خاص عن اقتباس النوع في سردية الريف، تحكي كيف أن المدينة هي المكان الذي أسَّست فيه السينما المصرية هويتها المبكرة؛ إذ صور المخرج محمد بيومي فيلمه الأول في 1923 في ميدان الأوبرا بينما أسَّس الأدب صورة الريف للسينما، عندما اقتبس المخرج محمد كريم الذي لم يكن يعرف عن ريف مصر شيئًا رواية زينب عندما حولها إلى فيلم صامت بدأت منه ملامح سردية الريف في التشكل بوصفه نوع سينمائي مستقل.

لاحظت مبارك من ذلك، بالإضافة إلى نماذج كثيرة تلته، أن صورة الأرض احتلت مكانة قديمة في الكتابة الأدبية، وشكَّلت دعامة أساسية لما يمكن تسميته أو ما أطلقت عليه "سردية الريف" أو التصور الأدبي والسينمائي للريف المتخيّل. ربما لأن نفهم أن أي خيال يعظم من شأن الدماء والأرض في تعيين الهوية المصرية الأصيلة.  

يستكمل وليد الخشاب الحديث بشكل غير مباشر عن الفكرة ذاته في مقاربة بين فكرة الصناعة والسينما، من خلال القصة الشهيرة عن مصنع الطرابيش المهجور بكفر الشيخ الذي بُني ليوفر طرابيش جنود محمد علي، ثم أغلق أبوابه بعد توقف ارتدائها بعد سنوات، يربط الخشاب بين الطربوش والسينما من خلال فكرة الصناعة؛ كلاهما كان يرسخ في الأذهان حداثة قادمة من الخارج تحولت إلى جزء من التراث المحلي بعد ذلك. يقول: دمغت السينما العربية صورة الحداثة والهوية القومية بمفارقة بالغة، إذ تدعم السينما صورة هوية حديثة تمثل الآلة والورشة والمصنع كبعض أيقوناتها، لكنها مبنية على تصور للقومية متجذر في الريف والأرض الزراعية. ففي النهاية غالبية المهتمين بالسينما يعلمون أن فيلمًا مثل زينب مثلًا اختلف تمامًا عن تصويره داخل الرواية، حتى إنهم اختاروا تقديم "الريف الذي يريدون" ليس الموجود بالفعل.

السياسة في الأدب والسينما

ثمة تصور يخص الأدب والسينما، ولا ينفصل عن جوهر اقتباس أحدهما من الآخر يخص مدى تجذّر الفرضية السياسية داخل الرواية/ الفيلم وإلى أي مدى يصبح الخطاب السياسي خطر على اقتباسها سياسيًا. 

كنت أحاول التعرف أكثر إلى محورية تلك الملاحظة في الحديث عن الخطاب السياسي داخل السينما والأدب، ففي أحد فصول الكتاب نقرأ ملاحظة في بحث "بنية التحقيق في يوميات نائب في الأرياف" للباحث القانوني جان لوقا الذي يدرك أن معرفتنا بالقانون متأثرة بالسينما والتلفزيون بشكل أساسي وهو ما يدفعه لعمل بحثه؛ يلاحظ لوقا خلال بحثه أن هيكل الرقابة الذي طال يوميات نائب في الأرياف الذي كتبه توفيق الحكيم، لم يكن بنفس صرامة الرقابة التي شهدها الفيلم المقتبس عنه للمخرج توفيق صالح، الذي احتاج لموافقة رئيس الجمهورية نفسه بالعرض، واشتُرط على المخرج عمل فيلم يحكي عن أن الشرطة في خدمة الشعب.

 

غلاف يوميات نائب في الأرياف

يقول خلال دراسته بالكتاب: من دون شك ساعد اقتباس توفيق صالح على ترسيخ "اليوميات" في الثقافة المصرية الدارجة، وبذلك، أطّر الفيلم بعض العناصر المستمدة من الرواية كما أزاح بعضها الآخر لتصبح لاحقا تيمات للسينما والتلفزيون.

بالطبع يتدخل الواقع السياسي في تصور الحكاية سواء كانت مكتوبة أو مصورة، لكن إلى أي مدى تهتم وتتدخل الرقابة في الأعمال، يبدو بديهيًا تدخلها في الأعمال السينمائية أكثر، لما يبدو من رواجها الأكبر من الأدب.

جعلني ذلك أسأل الخشاب: بعد مرور سنوات، هل الاقتباس في السينما يقتصر الآن على الأدب واسع الانتشار، وبالتالي لا مساحة فيه للسياسة بشكل واضح؟ يرد أن هذه القضية أوسع، وهي قضية المساحة التي يسمح بها المجتمع بتناول السياسة، موجودة منذ أيام المَلكية، ففي كل العصور هناك تضييق على الكتابات السياسية، واحتفاء السياسة بما يناسب خطاب العصر، ربما تقلصت مساحة الخطاب السياسي بشدة خلال السنوات السابقة لكن الكلام في السياسة لا يزال متاحًا، مثلًا بانتقاد اليمني المسلم "المتطرف". وربما تزامن هذا مع رواج المرور من الأدب الجماهيري إلى السينما الجماهيرية مثلما في الفيل الأزرق لأنه أدب كثيرًا ما يبتعد عن السياسة في إطار المتعارف عليه.


اقرأ أيضًا: عندما يلعب الكتاب دور البطولة: ماذا يقرأ أبطال اﻷفلام على الشاشة؟

 

لقطة من فيلم Ever After: A Cindrella Story من إنتاج 1998

 

في الوقت الذي استعرض فيه جان لوقا حكاية وسياقات اقتباس اليوميات التي كانت تحكي قصة عرفها الشعب المصري ذاته وعايشها، تساءلت رندة صبري عن اقتباس المخرج هنري بركات للرواية العالمية كونت دي مونت كريستو في عملين له: أمير الانتقام ثم أمير الدهاء، ما الهدف من اختيار رواية تنتمي لمناخ مختلف؟ ولأي غرض؟ وما وجه الاستفادة؟ وتحدثت عن السياق الشامل المغري لفكرة الانتقام في كل الثقافات والذي ساعد على سهولة تمصير القصة ونجاحها تجارًيا.

تظهر جيدًا ارهاصات تأثير الأدب على السينما كما يظهر العكس؛ على سبيل المثال العالم يستقبل هذا العام رواية ذات مرة في هوليود، للمخرج كوينتن ترانتينو الذي يكتبها عن فيلمه الشهير بالاسم ذاته، لتضاف إلى عدد يزداد يومًا بعد الآخر عالميًا وعربيًا تُكتب أعمالهم الروائية بشكل سينمائي إلى حد كبير، لدينا في مصر كتابات لأشرف عشماوي وهشام الخشن وغيرهم التي تشعر بالتأثر السينمائي الكبير في سردها. 

على ما يبدو أن كل تلك الأبحاث التي جمعها الكتاب تساعد أكثر في فتح نقاش أكثر أصالة وتكثيف حول ترابط الفنون بشكلٍ عام، واتساق أفكار الاقتباس السينمائي باعتباره نوع ثري وملهم للأدب كما هو للسينما، يدشّن لمناقشات حول تاريخ ومدى أهمية الاقتباس، وكيف يمكن تؤثر الفنون على بعضها البعض، والفائدة الأكثر عمقًا التي تعود على المشاهد العام ليصبح مشاهد عالمي لقصة واحدة تحمل مشاعر إنسانية للجميع، تجعل أحدهم يقرأ رواية إنجليزية ويعيد إنتاجها فنيًا في قالب سينمائي عربي.